"عبير العراق" لفُرات العاني...ضد "برسيبوليس" مرجان ساترابي

شادي لويسالسبت 2026/08/08
فرات العاني
بين الفيلمين الناطقين بالفرنسية، صياغة سرديات الحروب والمنفي والديكتاتورية من منظور جيل الأبناء
حجم الخط
مشاركة عبر

ثمة أفلام لا يمكن مشاهدتها سوى بالتفكير في أفلام أخرى. وفيلم الرسوم المتحركة "عبير العراق" (2024) للمخرج ليونارد كوهين وكتابة الصحافي الفرنسي العراقي فرات العاني، يستدعى فيلم رسوم متحركة آخر، هو "برسيبوليس" (2007) لمرجان ساترابي التي رحلت عن عالمنا في حزيران الماضي. بين الفيلمين الناطقين بالفرنسية، صياغة سرديات الحروب والمنفي والديكتاتورية من منظور جيل الأبناء الذين عاشوا بين ثقافة غربية وبين جذورهم التي تعود إلى منطقة الشرق الأوسط.

 

فيلم "عبير العراق" المقتبس من رواية مصورة، مثل "برسيبوليس"، يعيد صياغة السيرة الذاتية لفرات العاني. يبدأ الفيلم من مجلس عزاء الأب في باريس، ومن هذه العتبة تنبثق ذاكرة طفل زار بلده الأم للمرة الأولى العام 1989، حين كان في سن التاسعة، ليتتبع ثلاثة عقود ونيف من تفكك العراق، طغيان صدام وغزو الكويت وبعده الحصار الطويل ثم اندلاع العنف الأهلي بعد الاحتلال الأميركي، وصولاً إلى جحيم "الدولة الإسلامية". ذلك المدى الزمني الطويل واحتشاده بالأحداث السياسية والخاصة يربك الفيلم، ويجعل من متابعة إيقاعه السريع وقفزاته بين أزمنة متعددة، ذهاباً وإياباً، عملية مرهقة وتثير التشوش.

يتحرك الفيلمان في اتجاهين متعاكسين، ينطلق "برسيبوليس" من الداخل إلى الخارج حيث تعايش البطلة في طفولتها الثورة الإيرانية وسقوط الشاه وصعود الاستبداد الديني، قبل أن تنطلق في رحلتها إلى المنفى الأوروبي. في المقابل ينطلق "عبير العراق" من الخارج إلى الداخل، من تصورات ابن المنفى الباريسي عن بلده الأم، عبر حكايات والده المعارض أولاً، ولاحقاً من زياراته المتتابعة للعراق في طفولته، وبعدها عمله هناك مراسلاً صحافياً. ذلك الاختلاف في زاوية النظر، يجعل من "برسيبوليس" معالجة أكثر ذاتية مفعمة بالمشاعر الفردية، بينما يتيح "عبير العراق" مسافة مريحة للنظر من بعيد.

عبير العراق

يختلف الفيلمان في تصوير الدين والتقاليد، ففي "برسيبوليس" يقدم الإسلام في سياقه الإيراني كمؤسسة دولة قمعية وشمولية تصادر الفضاء العام والحريات الشخصية، وبشكل ما تبدو تلك الميول القمعية نابعة من تقاليد المجتمع الإيراني. أما في "عبير العراق"، فحين يظهر التطرف الجهادي الإسلامي ممثلاً في داعش، فإنه يُقدم بوصفه تشوهاً حاداً ناتجاً عن تراكم من الأحداث التاريخية، بدءاً من الديكتاتورية المحلية إلى وطأة الحصار الطويل، وأخيراً فراغ السلطة عقب تدمير الاحتلال الأميركي للدولة العراقية. وعندما يتعلق الأمر بالبنى الاجتماعية التقليدية، وبِحِسٍّ يقترب من السخرية، يظهر الفيلم كيف تعيد السياسة تشكيل بنية القبلية وأدوارها مرة بعد مرة. هكذا، يتعامل "عبير العراق" مع الديني والتقليدي بوصفه ظاهرة سياسية وسوسيولوجية معقدة ومتعددة الطبقات، وذلك بدلاً من حصر المواجهة في ثنائية الحرية الفردية ضد القمع الديني التي يعتمدها فيلم مرجان ساترابي.

عبير العراق

تفرض تلك التباينات، افتراقاً في لغة التصميم البصري في الفيلمين. تلتزم رسوم "برسيبوليس" بروح الرواية المصورة، بخطوط حادة والتعارض بين الأبيض والأسود لتعكس حدة الصدام الإيديولوجي، علاوة على المبالغة في تعابير الوجوه وحركة الأجساد لتكثيف مشاعر الغضب والخوف والتمرد والقسوة. 

بيرسيبوليس

على العكس، يعتمد "عبير العراق" على هندسة الاختزال من خلال أسلوب أشكال الظل، معتمداً على كتل لونية متقشفة وخلفيات باهتة. الوجوه بلا ملامح معظم الوقت، تغيب التفاصيل الدقيقة وتبقى مساحات فارغة تمثل الكتل الحسية الكبرى، هذا الخيار البصري يحاكي عمل الذاكرة المبتورة للمنفي والذكريات الغائمة لأبناء الجيل الثاني. هنا، لا إدانة بصرية تفرضها التباينات الحادة، بل استعادة تقريبية للخطوط العريضة لتفاصيل وطن يتلاشى تدريجياً في الواقع.

 

يقدم "عبير العراق" مرثية بصرية وسردية هادئة، تلاحق تلك الانطباعات الحسية الخافتة التي يخلفها وطن مفترض بعيد ويتلاشى.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث