حوار ينشر للمرة الأولى: محمود درويش شاب مفعم بيقين إيديولوجي

علي سفرالسبت 2026/08/08
محمود درويش
محمود درويش(غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

يكشف حوار طويل مع الشاعر الراحل محمود درويش (1941-2008)، أجراه الصحافي الفرنسي برنار فيوليه في بيروت العام 1976، بمساعدة الباحث ميشيل سورا، ونشرته "لوموند ديبلوماتيك" الفرنسية في عددها الأخير، عن شاعر تشكل وعيه في قلب التجربة الفلسطينية، قبل أن تتشكل صورته بوصفه أحد أبرز الشعراء العرب. وفيه، يعود درويش إلى طفولته في قرية البروة قرب عكا، وإلى ليلة الرحيل العام 1948، حين عبر مع أسرته حقول الزيتون إلى لبنان. وعرف هناك للمرة الأولى معنى أن يكون "لاجئاً"، لكن المأساة لم تتوقف عند اللجوء، فعندما عاد إلى فلسطين وجد نفسه "لاجئاً في بلده"، بعدما دُمّرت قريته، وأصبح هو وأسرته، وفق القانون الإسرائيلي، من "الحاضرين الغائبين".

 

من هذه التجربة بدأ وعي درويش بقضيته. فهو يقدم وعيه السياسي بوصفه شيئاً فرضته الحياة عليه، وليس باعتباره نتيجة دراسة نظرية أو اختياراً مبكراً، يقول: "الطفل انتقل فجأة من الطفولة إلى عالم الكبار"، ويؤكد أن وعيه بالمأساة الفلسطينية تشكل من خلال "عيش الدراما نفسها". ومن هنا جاءت علاقته بالكلمة، فقد دخل إلى عالم الشعر عبر تجربة شخصية جعلت اللغة وسيلته لفهم ما حدث له ولشعبه والتعبير عنه.

في طفولته ومراهقته، لم يكن الشعر بالنسبة إليه مشروعاً سياسياً. 

في طفولته ومراهقته، لم يكن الشعر بالنسبة إليه مشروعاً سياسياً. كان يكتب ما يحدث له ولعائلته، إلى أن ألقى، وهو في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة، قصيدة في احتفال رسمي بذكرى قيام إسرائيل، تحدث فيها عن مأساة اللاجئين الفلسطينيين وتشتت الشعب ونهب الأرض والاضطهاد. الأمر الذي أفضى إلى قيام الحاكم العسكري بتهديده بالسجن إذا واصل كتابة الشعر. وهنا يتحدث درويش عن المفارقة، إذ إن السلطة التي أرادت تخويفه من الشعر هي التي جعلته يكتشف قوته. فيقول "الحاكم العسكري حدد لي، في ذلك اليوم، طريقي: كتابة الشعر". وعندها فهم أن عليه أن يختار بين الصمت والكتابة، فاختار الكتابة، ومنها تشكلت علاقته بالسلطة.

قرية البروة

لكن درويش لا يختزل الشعر في وظيفته السياسية. وهذه من أهم الأفكار التي يكشف عنها الحوار. فهو يؤمن بأن "الشعر سلاح"، لكنه يرفض أن تكون القضية العادلة كافية لصناعة شعر عظيم. السلاح نفسه يجب أن يكون جيداً وحاداً. لذلك يقول: "لكي يكون الشعر ثورياً، ولكي يستطيع أداء دوره، يجب قبل كل شيء أن يكون جميلاً". فالشعر الرديء، مهما كانت نيات صاحبه السياسية، قد يخدم خصمه أكثر مما يضره. ومن هنا يعمل درويش على مستويين متوازيين: تعميق علاقته بالقضية الفلسطينية، وتعميق علاقته باللغة الشعرية. إنه يريد شعراً مقاوماً، لكن شعريته لا ينبغي أن تُختزل في المقاومة.

الاحتلال حاضر في المدرسة والشارع والتنقل والسفر، ولذلك يصبح الوعي السياسي جزءاً من الحياة اليومية. 

وتظهر هذه الرؤية أيضاً في حديثه عن السياسة. فهو يرى أن الشاب العربي لا يختار السياسة بالضرورة، وإنما "السياسة هي التي تأتي إليه". فالاحتلال حاضر في المدرسة والشارع والتنقل والسفر، ولذلك يصبح الوعي السياسي جزءاً من الحياة اليومية. 

 

بدأ درويش بالرفض العفوي، ثم قادته القراءة والتثقيف السياسي إلى التنظيم، فانضم إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وعمل في صحيفة "الاتحاد" ومجلتها الأدبية، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى صفوف المقاومة الفلسطينية. وفي الوقت نفسه، كان درويش واعياً بالمشكلة التي يضعها الشعر أمام جمهوره. فكلما ارتفع المستوى الفني للشعر، قلّ عدد قرائه، وهو ما يطرح على الشاعر سؤالاً صعباً: كيف يطور فنه من دون أن ينقطع عن الناس؟ لا يقدم درويش حلاً نهائياً لهذه المعضلة، لكنه يعلن اختياره بوضوح: "أنا لا أكتب من أجل رجال الحاضر... وإنما للمستقبل". إنه لا يريد أن يخفض مستوى شعره حتى يناسب واقعاً ثقافياً معيناً، بل يرى أن النضال نفسه يجب أن يعمل على رفع المستوى الثقافي للجمهور.

كتابG

ومن أكثر جوانب الحوار دلالة رفض درويش للصورة البطولية التي صنعتها حوله الصحافة والجماهير العربية، حين كان يُنظر إليه بوصفه شاعراً بطلاً يعرّض حياته للخطر، لكنه يقول بوضوح: "لا يوجد في حياتي أي شيء بطولي على الإطلاق". وعندما يبحث عن البطولة الحقيقية، يذهب إلى أبيه الذي خسر أرضه ومصدر رزقه العام 1948 ورفض أن يأخذ المال الذي دفعته السلطات الإسرائيلية مقابل الأرض المصادرة. لذلك كتب درويش مقالاً بعنوان "أنقذونا من هذا الحب القاسي"، حاول فيه تفكيك الصورة الأسطورية التي أحاطت به.

إن رفض "أسطورة محمود درويش" ليس تواضعاً شخصياً فقط، وإنما موقف من الطريقة التي يمكن أن تطغى بها السياسة على الأدب.

إن رفض "أسطورة محمود درويش" ليس تواضعاً شخصياً فقط، إنما هو موقف من الطريقة التي يمكن أن تطغى بها السياسة على الأدب. فحين ارتفع صوت الشاعر في مواجهة الاحتلال، رأى درويش أن النقاد تجاوزوا أحياناً ضرورة النظر إلى شعره بوصفه شعراً، واكتفوا بالنظر إليه بوصفه بطلاً. لذلك يقول: "أرفض هذه التسمية. أرفض أسطورة محمود درويش". وهو بذلك يدافع عن حق القصيدة في أن تُقرأ باعتبارها عملاً فنياً، لا باعتبارها مجرد وثيقة سياسية أو شهادة على بطولة صاحبها.

 

وفي نهاية الحوار يصل درويش إلى العبارة التي تختصر علاقته بالشعر والقضية الفلسطينية: "كنت أفضّل أن تكون فلسطين حرة وألا أكون قد كتبت قصيدة واحدة". تبدو هذه الجملة كأنها تضع الشعر في مكانه الصحيح بالنسبة إليه: الشعر مهم، والمقاومة الشعرية ممكنة، والجمال شرط في فاعلية القصيدة، لكن فلسطين تظل أكبر من الشاعر ومن شعره. لذلك فإن هذا الحوار يقدم محمود درويش في لحظة شديدة الأهمية من تكوّنه الفكري: حيث يريد أن يكون وفياً لقضيته من دون أن يحول الشعر إلى منشور، وأن يدافع عن الجمال من دون أن يتخلى عن المقاومة، وأن يرفض في الوقت نفسه أن يتحول هو شخصياً إلى "أسطورة" تحجب شعره. 

 

تكمن الأهمية الاستثنائية لهذه الوثيقة التاريخية -التي ظلت حبيسة الأدراج لنصف قرن قبل إفراج "لوموند ديبلوماتيك" عنها- في كونها تقبض على محمود درويش في لحظة تحول فارقة: الشاعر الشاب في أوج صخب بيروت السبعينيات، وهو يسعى لتأسيس مشروعه الجمالي والنضالي.

 

كان مقدراً لهذا اللقاء أن يبث عبر إذاعة "فرانس كولتور"، "لكنه رُفض في نهاية المطاف". ومن وجهة نظر قارئ متابع لسيرة الشاعر، فإن قيمة هذا اللقاء المنسي تتجاوز توثيقه لطفولة الشاعر واللجوء الأول، نحو كشفه عن حجم الانعطاف الهائل الذي قطعه درويش بين بداياته ونهاياته.

 

فهنا يظهر درويش الشاب ممتلئاً بيقين أيديولوجي وسياسي حاسم، يرى في الحزب الشيوعي والمؤسسات الثورية إطاراً ضرورياً للخلاص الجماعي، ويؤمن بنبرة واثقة بانتصار العرب القريب، معتبراً أن "الشعر سلاح" مباشر يؤدي دوره النفسي في المعركة. كما يشغل باله سؤال كيفية وصول لغته إلى الجماهير الأمية لرفع وعيها الثوري. لكنه سيشهد انقلاباً كاملاً في هذه المفاهيم الجوهرية، فيتحول من الخلاص الجماعي إلى مأساة الفرد، فبعدما انكسر يقينه بالأيديولوجيات والأحزاب، تحول إلى رصد عزلة الإنسان وهشاشته أمام طاحونة التاريخ. ومضى من يقين النصر إلى الوعي التراجيدي، حيث غابت نبرة الفتح القريب، وحل محلها الشك في قدرة القصيدة على تغيير الواقع أو إيقاف الدبابات، مفرغاً الشعر من أوهام البطولة.

الكشف عن هذا النص، بعد هذه العقود، يمنحنا فرصة ثرية لمعاينة الأرضية المعرفية لشعرية درويش، لنرى كيف تحول الشاعر من "الثوري" الذي يراهن على التغيير السياسي، إلى أسير موقف وجودي

وكذلك فإن توصيف اللغة ذاتها تحول عنده من "سلاح توصيل" إلى "وطن أخير": فأصبحت الملاذ الوجودي والبديل الوحيد عن الأرض المفقودة. ولم تعد الكلمة أداة تحريضية للجمهور. 

 

الكشف عن هذا النص، بعد هذه العقود، يمنحنا فرصة ثرية لمعاينة الأرضية المعرفية لشعرية درويش، لنرى كيف تحول الشاعر من "الثوري" الذي يراهن على التغيير السياسي، إلى أسير موقف وجودي، جعل من القضية الفلسطينية مدخلاً كونياً يتسع للهزيمة، والموت، والجمال الخالص.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث