تفتتح الكاتبة بسمة عبد العزيز، مشروعها الجديد "وادي التيه"، وتنهيه، بالاقتباس من "في انتظار غودو" لبيكيت. وما بين المفتتح والختام تمتد مشاهد مصورة من أمام المحاكم حيث يتجلى الانتظار في أحد أقسى أشكاله. تصاحب الصور نصوص مكثفة، معتنى بها، تنقل المعنى بأقل عدد ممكن من الكلمات، وترسم بدورها حياة أخرى ومشاهد موازية للصور الاحترافية التي التقطها المصور عبد الله صقر خلال عمله في تغطية محاكمات متنوعة.
تنفذ بسمة في نصوصها إلى أعماق المنتظرين لتمنحهم صوتاً وتعيد تشكيل قصصهم، وتنقل أفكار المحتجز، ومنتظريه، وحراسه، وتلتقط بعين ثاقبة الانتظار حين يكون فعلاً مزدوجاً يمارسه طرفان في وقت واحد، حتى وإن بدا أن لأحدهما سلطة على الآخر، فكلاهما مُنتظِر وكلاهما واقع في الأسر بشكل ما!
من بين الحواجز والأسلاك والأقفال والأغلال، تقرأ الوجوه والعيون، لتحكي عن القلق من المجهول، والأمل المرتقب، وعبء الانتظار، والعيش المنفرد، والذوات الحائرة، وتستنطق حتى أماكن الانتظار نفسها لتشارك بدورها في الحكاية.
هنا تتحدث بسمة لـ"المدن" عن المشروع بالتفصيل..
- نفهم من تقديم الكتاب أنه كُتب انطلاقاً من مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي التقطها المصور عبد الله صقر أثناء تغطيته للمحاكمات. لكن كيف وُلدت هذه الفكرة؟ وكيف تطور المشروع منذ بدايته حتى خرج في صورته النهائية؟ وكم استغرق العمل عليه؟
الفكرة ولدت بالمصادفة البحتة؛ التقيت الصديق عبد الله صقر وتشعب بنا الحديث إلى مجالات كثيرة، وأخبرني أن لديه مجموعة ضخمة من الصور التي التقطها أثناء عمله كمراسل ومصور لبعض المواقع، وأنه يتمنى انتقاء وطباعة عدد منها، لكن دور النشر لا تحبذ إصدار كتب للصور بسبب ارتفاع الكلفة وصعوبة التسويق. ساورني الفضول/ خصوصاً أن موضوع الصور ليس بعيدًا من اهتماماتي؛ فعبد الله كان مكلفًا بتغطية المحاكمات، والصور كلها تتعلق بانتظار الناس حول المحاكم ولحظات القلق والصبر والرجاء التي يمرون بها. طلبت منه أن يرسل لي بعض النماذج واتفقنا على إمكانية كتابة نص ما، يضع الصور في إطار يسهّل نشرها. كتبت أولاً فقرات أسفل بعض الصور التي انتقيتها، هي أشبه بتعليق عابر.
ثم فاجأني عبد الله بأنه لا يريد أن تكون للصور بطولة مطلقة، بل يفضل نصًا طويلًا مستقلًا، له كيان يوازي الصور. تحمست أكثر للفكرة وأعدت النظر بتروٍّ في الصور ثم وضعتها جانبًا لفترة، وأخيرًا بدأت الكتابة مستعينة بما اختزنت من مشاعر وأفكار.
استغرقت وقتًا قصيرًا في الكتابة، إذ خرج النص في شحنة واحدة مكثفة ومتواصلة، لا تتخللها فترات توقف أو مراجعة. بضعة أيام كانت كفيلة بالانتهاء من المسودة الأولى، ثم استغرقت عملية التنقيح شهرين تقريبًا، رحنا بعدهما نفكر في دار نشر مناسبة، لها خبرة في طباعة الصور، لا سيما الأبيض والأسود، وفي الوقت ذاته تقبل المغامرة.
- "وادي التيه" عنوان لافت ومحمل بالإيحاءات. كيف وقع اختيارك عليه؟
العنوان في الحقيقة هو اختيار قديم جدًا من عبد الله. أطلعني عليه منذ تحدثنا بشأن الصور ومشروعه الخاص لجمعها في كتاب، والحقيقة أنني لم أجد توصيفًا أعمق أو أكثر دلالة على الحال التي تعكسها الصور ويصفها النصّ، من "وادي التيه"، فطلبت منه الاحتفاظ به كعنوان للكتاب، وقد كان.
- هل تُعطّل الصورة الخيال لأنها تفرض عليه حدوداً مسبقة، أم تمنحه مادة خام ينطلق منها ويطوّرها في الاتجاه الذي يريده؟
الحقيقة أن الصورة كانت بالنسبة إلي المحرض الرئيس والمحرك الأول لكتابة النص. انشغلت كعادتي بكتابات متنوعة، ولم أكن خلال هذه اللحظة بصدد التفكير في الأشخاص المنتظِرين، المتعلقين بأمنيات تبدو بعيدة المنال، والذين يتحملون مشقات جمة في سبيل رؤية ذويهم، المترقبين للحكم والقرار الفاصل في حيواتهم الحالية وفي مستقبلهم أيضًا. ولو لم يطرح علي عبد الله مشروعه، ولو لم أطلب منه رؤية الصور، ما وُلد الكتاب. دفعتني الحال الشعورية التي بعثتها الصور إلى التوحد مع النساء والأطفال والرجال الحاضرين فيها بأجسادهم، الغائبين بنظراتهم الشاردة البعيدة وراء أحلام الحرية والأمان. موقف شديدة الاختلاف، جعلني أكتب بشغف هائل وأطرق مناطق متباينة، ربما كانت مسجونة بدورها في مخيلتي ووجدت لحسن الحظ فرصتها للتحرر والانطلاق.
- مِن أين جاءت هذه المعرفة الدقيقة بتفاصيل هذا العالم القاسي؟ وما حجم البحث أو المعايشة التي سبقت الكتابة؟
أظن أن مصدر المعرفة ارتبط إلى حد بعيد بعملي في "مركز النديم" لما يناهز السنوات العشر، التقيت خلالها بأهالي عشرات وربما مئات المعتقلين والمسجونين، وتعرفت على عالم خاص موازٍ لعالمنا المعتاد الذي نعيشه. عالم له قواعد وأعراف مختلفة، وله ضوابط وقيود لا ندري بها. في مرحلة الكتابة كنت أتواصل مع عبد الله لأسأله عن بعض مشاهداته التي قد تخفى عني، أو التي أشعر أنني لا ألمّ بها بالقدر الكافي؛ تفصيلات الأمكنة التي لم أرها إلا من بعد، طبيعة الأشخاص الحاضرين في المكان، ونمط العلاقات الذي ينشأ بين الناس، والتفاعلات القائمة بين كل حاكم ومحكوم. استفدت بخبرتي التي استقيتها من "النديم"، وبالمعلومات التي تلقيتها من عبد الله، وأعتقد أنني أضفت إلى هذا وذاك ما اكتسبت من مهنة الطب النفسي ودراسة علم الاجتماع، لأقدم النص الذي يضمه الكتاب مُكملًا للصور وشاهدًا على الواقع القاسي.
- قلتِ من قبل إن الهمَّ الأكبر الذي يفرض نفسه على كتاباتك هو السلطة وعلاقتها بالبشر. هذا الكتاب يؤكد الانشغال نفسه، لكنه يضيف طبقة جديدة، إذ يبدو أن صاحب السلطة ليس حراً تماماً، بل أسيراً أيضاً بشكل ما..
معك حق. أثناء انخراطي في الكتابة وجدتني أنحو بلا تدبير أو ترتيب إلى استطلاع الأدوار المتباينة للسلطة. الساعي في المحكمة يمثل سلطة، الحاجب أيضًا سلطة، المجند الواقف عند عربة الترحيلات سلطة، وتمتد أوجه ودرجات السلطة ومراتبها حتى الوصول إلى المحامي ووكيل النيابة والقاضي. كل منهم يبدو للمتّهمين وأهاليهم في موضع المُتحكم المُسَيطر، بينما كل منهم محكوم بتعليمات وملابسات وظروف ترسم دوره وتقوده. كل منهم بالفعل، وكما تفضلت بالإشارة" "أسير". أسير للدور المكلف بأدائه، ولسياق مفروض عليه، ولمُحددات جامدة توجه أفعاله وكلماته، وهو ما يضعنا في النهاية أمام المشهد المتكامل الذي تقدمه الصُور ببراعة.
- صحيح أن موضوع الكتاب الرئيس هو الانتظار، لكني شعرت أن البطولة لا تقتصر على المنتظِرين وحدهم، بل تمتد أيضاً إلى أماكن الانتظار نفسها: قاعات المحاكم، الممرات، الأرصفة والزوايا التي تبدو وكأنها شخصيات حاضرة في السرد. إلى أي حد كنت واعية بدور المكان بوصفه شريكاً في صناعة الحكاية، لا مجرد خلفية لها؟
نعم المكان بطل في هذا الكتاب بكل المعايير. عربة الترحيلات بطل ضخم شرس؛ يبتلع المحتجزين ويودعهم بطنه المظلم إلى حين. الشارع أيضًا بطل، رؤوف بالجالسين على حجارته، والمستندين لأعمدة الإنارة على جانبيه. كل شجرة بطل، يستظل به المنهكون المتعبون وأحيانًا يشكون له همومهم له، مطمَئنين إلى كونه صديقًا كتومًا. الحَجز والمَنصة والمَمَر والبهو، لكل منهم دور فاعل وحاسم في حيوات المنتظرين. إن انتفى المكان، سقط جزء من الحكاية، وإن اختلف التنسيق أو تغيرت المعالم، تبدلت أحوال الناس الموجودين فيه. المكان شريك أساسي، وعمق أصيل لا تكتمل اللقطات من دونه، ولا يمكن إغفاله أو إهماله، وإلا بات النص مبتسرًا ناقصًا.
- رغم أن النصوص من هذا النوع تميل إلى تجريد الشخصيات، إلا أنك تمنحين أبطالك في الكتاب أسماء واضحة. لماذا كان هذا الاختيار؟
بدأتُ الكتابة بلا أسماء، ثم انخرطتُ في تصور حكايات لأشخاص لا أول لهم ولا آخر، وشعرت أنهم قريبون مني وأنهم يستحقون التعريف، لا يمكنني تجاهل هوياتهم في النص كما يتم تجاهل وجودهم في الحياة. الإسم نوع من التكريم والتخصيص والاهتمام، والحكاية التي لا تُنسَب لشخص بعينه تفقد جزءًا من دفئها وصدقها وخصوصيتها، تصبح مُعمَّمة والتعميم يبسّط الأمور في أغلب الأوقات، ويخفف من وطأتها ويجعلها بالتالي أسهل قبولًا، والحقيقة أنني لم أبغ أبدًا جعل حال الانتظار الأليمة أمرًا معتادًا، يمر به الواحد مرور الكرام من دون أن يضطر للتوقف أمامه، ومن هنا جاء الاختيار؛ لكل مُنتظِر ومنتظِرة اسم، ولكل اسم ملامح وصفات، ولكل وجه حكايته التي لا تشبه أبدًا أخرى؛ عدا في اضطراره للانتظار.
- ليست هذه تجربتك الأولى في كتابة النصوص المفتوحة. ما الذي يجذبك إلى هذا الشكل الكتابي في السنوات الأخيرة؟ وهل أصبحت هذه النصوص أكثر إلحاحاً بالنسبة إليك من الرواية والنصوص الطويلة؟ وأيهما يمثل لك تحدياً أكبر في الكتابة؟
الحياة نص مفتوح على مصراعيه يقبل نهايات مُتعددة، ونهاياته نفسها قد تصبح بدايات لنص جديد. بطبيعتي لا أفضل الأجوبة الحاسمة الباترة، ولا أحبذ تغييب الاحتمالات الممكنة لصالح نتيجة واحدة صارمة، وهو ما قد تراه في غالبية مؤلفاتي الأدبية، خصوصاً رواية "الطابور". أسعى دومًا إلى طرح الأسئلة وأضيف المزيد منها كلما استطعت، ولا يشغلني كثيرًا العثور على الرد المناسب الذي أطمئن له تمامًا، فالاطمئنان باعث على الركود والسكون، بينما القلق دافع للبحث والتنقيب.
على كل حال، النص المفتوح يترك مساحة أوسع للكاتب، كما يصنع براحًا نفسيًا للقارئ. إذ يشركه في التخيل واقتراح الحلول والنهايات، لكنه في الوقت ذاته مقض للراحة، لا يفضله من يروم شيئًا من الاستقرار والهدوء.
صارت عملية النشر من المستحيلات؛ إذ يعاني أصحاب الدور الصغيرة والكبيرة أيضًا من مخاوف جمة، ولهم بالطبع الحق في توخي الحذر الشديد؛ فقد تحولت المعرفة إلى جريمة
الحقيقة أن التحديات الكبرى في الكتابة، تنعكس بالنسبة إلي وبشكل أكبر وأكثر تأثيرًا، في العمل على النصوص غير الأدبية، سواء جاءت في حقل علم النفس السياسي أو الاجتماع. فعملية جمع المادة وتوثيقها باتت شديدة الصعوبة في ظل التضييقات المستمرة، كذلك صارت عملية النشر من المستحيلات، إذ يعاني أصحاب الدور الصغيرة والكبيرة أيضًا من مخاوف جمة، ولهم بالطبع الحق في توخي الحذر الشديد، فقد تحولت المعرفة إلى جريمة، وتحول المفكرون إلى طرائد.
- ما الذي تعملين عليه حالياً؟ هل ستواصلين المسار نفسه، أم ستتجهين إلى تجربة مختلفة من حيث الشكل أو النوع؟
أعمل حاليًا على نص في علم تحليل الخطاب، وسبقه نص مكتمل في علم النفس السياسي، لكن نشره متعثر حتى اللحظة للأسباب التي أوردتها، كذلك أنهيت تقريبًا نصًا أدبيًا جديدًا، وأتمنى أن يجد طريقه للنشر في وقت مناسب.
***
بسمة عبد العزيز:
طبيبة وكاتبة وفنانة تشكيلية مصرية، لها مؤلفات أدبية وعلمية عديدة. حازت أعمالها على جوائز متعددة. "وادي التيه" أحدث أعمالها، وصدر مؤخراً عن "ديوان للنشر".




