لا ندري إن كان الشاعر السوري أنس الدغيم يعلم، أن اختياره إلقاء قصيدة "شَمَمْتُ تُرْبَكِ" للشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري، في مهرجان دمشق الدولي للشعر العربي، سيثير السجال في فايسبوك ويفتح النقاش حول تاريخ القصيدة ومضمونها وأسباب نظمها مع التركيز على بعض تعابيرها وأبياتها.
ما عرفناه أن أنس الدغيم برّر اختياره القصيدة بأنه "لم يبرع أحد في وصف دمشق كما برع الجواهري"، وقصيدته فيها أبيات "من أجمل ما كتب في دمشق!"... و"لا يهمني ما كانت سياسته التي نختلف حولها". بالطبع، أنس الدغيم حرٌ في خياراته، وقصيدة الجواهري التي قيلت في مديح حافظ الأسد بمناسبة توقيع "ميثاق العمل القومي" بين سوريا والعراق في تشرين الأول 1978، يقول فيها:
و(غابُ خَفَّانَ) زَئَّارٌ بهِ (أسَدٌ)
غَضْبانَ يَدْفَعُ عن أَشْبالِهِ حَنِقا
يا (حافِظَ) العَهْدِ، يا طَلاّعَ أَلْوِيَةٍ
تَناهَبَتْ حَلَباتِ العِزِّ مُسْتَبَقا
لكَ القَوافي، وما وَشَّتْ مَطارِفُها
تُهْدى، وما اسْتَنَّ مُهْدِيها، وما اعْتَلَقا
وغنتها ميادة الحناوي بألحان الموسيقار صفوان بهلوان!
ومعظم من عاش في زمن نظام الأسد يتذكّر بعض أبيات القصيدة التي كانت تقال مثل فرض الصلاة والصوم والنشيد الوطني، وموسيقى القصيدة كانت مقدمة نشرة الأخبار المسائية طوال سنوات. لم يكن غريباً أن يمدح الجواهري الأسد وغيره. كان شاعر الملوك والرؤساء، يوزع المديح طولاً وعرضاً. مدح الملك حسين في قصيدة شهيرة "يا سيدي أسعف فمي". ومدح الملك فيصل الأول ملك العراق، وعمل في بلاطه ثلاث سنوات (1927 - 1930). ومدح عبد الكريم قاسم وكان قريباً منه، ومدح القائد البريطاني مونتغمري في قصيدة "تونس". ربما وجد في المديح مهنة، لكن مديحه للأسد أخذ أبعاداً مختلفة بسبب كثرة توظيف القصيدة في السياسة البعثية. في زمن الأسد، كان الإعلام يلوك القصيدة في أي لحظة، وعندما سقط النظام كان لا بدّ من الانتقام من ثقافة الأمس.
كتب الشاعر نوري الجراح في فايسبوكه مذكّراً بما كتبه الجواهري في مديح الأسد الأب: واعتبر أن كتبه "إكليل من العار على رأس الشاعر". واليوم، مع عودة أنس الدغيم إلى القصيدة، وجد فيها بعض المؤيدين لنظام الأسد أو المعارضين لنظام أحمد الشرع، فرصة للتهكم والانقضاض على مهرجان الشعر في دمشق، أو النوسالتجيا للزمن السابق، كما اعتبرها البعض "الاختيار الخطأ". وتبرير دغيم اختيار القصيدة، بمنأى عن الموقف السياسي لصاحبها، يعيد خلط الأوراق ويطرح إعادة النظر في الكثير من المفاهيم التي سادت بعد سقوط نظام الأسد، فكم من فنان تعرض لهجوم أو أُقصي بسبب موقفه السياسي، وكم من كاتب أُبعد بسبب تأييده للأسد.
بالطبع ليس الجواهري وحده مَن مدح الأسد، جيش من الشعراء مدحوه وحاشيته، ولا ضرورة لنبش الماضي الآن. ما يمكن قوله إن توظيف الشعر في خدمة جهات سياسية ينهكه، يدمره، وهناك أطنان من الشعر المادح ذهبت إلى مزبلة التاريخ.




