تبدو نقاط الفنان إدوار سعيد في لوحته «XTC» نجوماً لامعة وملونة في سماء مظلمة. تعم الفوضى قلبها وتدور في فلكها تلك النقاط مكوِّنة فضاءً تسبح فيه الرؤيا لتسرح بخيالها.
يقلب الفنان سعيد في معرضه «Unstable» في Chaos Art Gallery المثلث التي يرسم عليه رأسًا على عقب، تجسيدًا لشعور عدم الاستقرار. يكمن جوهر المثلث له في نقاطه الثلاث ورمزيته للتفاوض. للمثلث دلالات كثيرة في رأيه، مثل الأنوثة والحركة النسوية عندما يكون مقلوبًا، بينما يُمثّل في صورته الأصلية القاعدة. يقول أدوارد سعيد لــ"المدن": "أردتُ إظهار هذا التناقض بين شكل هندسي ومنطقي لكنه في الوقت ذاته عضوي للغاية لأنني استخدمتُ مواد انسيابية ومائعة. وهذا ما أردتُ تحقيقه في هذه الأعمال".
استلهم سعيد فكرة عدم الاستقرار من الوضع الذي يعيشه اللبنانيون وكيف أن عدم الاستقرار أصبح الواقع المُعاش. في رأيه، يؤثر ذلك في نظرة الإنسان للعالم، على جيل كامل، وله تأثيره على الفن أيضًا. يرى سعيد أن عدم الاستقرار ليس مجرد شعور، بل هو طريقة مستمرة ودائمة للنظر إلى الحياة، ولا يراه أمرًا خاطئًا. هو أشبه بوجود هذا النظام وعدمه اللذين يتفاعلان معًا، وهما مرتبطان بشكل مثير للاهتمام له.
"الحركة"
يدور عمل إدوارد سعيد، الذي درس الهندسة المعمارية في باريس، حول مفهوم الإيقاع. الإيقاع هو كل شيء بالنسبة اليه لإيمانه بأن العالم في حركة دائمة، لا يمكن إيقافها. لكن ما يفعله في عمله، وهنا تكمن أهمية الحركة له، هو استخدامه لمادةً سائلةً، يوقفها تدريجيًا. تجف فتتوقف. كل واحدة منها أشبه بلحظةٍ وثّقها في لوحاته.
يستعمل سعيد بشكل أساسي طلاء الأكريليك، بالإضافة إلى وسائط مختلفة لخلق قوامات متنوعة للطلاء. قد يكون سائلًا أكثر، أو أكثر لزوجة، وأحيانًا يكون أكثر جفافًا. يعتمد الأمر على ما يريد رسمه. كذلك، يستخدم الكثير من أقلام التلوين الزيتية.
الحاضر الغائب
يؤمن الفنان سعيد بما هو حقيقي لكنه غير مرئي مثل الكائنات الدقيقة، البكتيريا، والخرائط. يرى العالم من زوايا متعددة، وكأنه رسم تجريدي. وتتطور رؤيته من هذا المنظور. يعتقد أن الفن التجريدي هو رؤية شيء ما من مسافة بعيدة جدًا أو قريبة جدًا مثل أن تكون في الطائرة وتنظر إلى العالم من الأعلى. لهذا السبب النقاط حاضرة دائمًا في أعماله.
عصر البيانات الرقيمة
يركز المعرض على فكرة المعلومات والبيانات الرقيمة، يتناول التكرار لاعتقاده أن البيانات والطريقة التي يتلقاها الناس بها اليوم، جعلتهم يعتادون على هذا النوع من تكرار المعلومات. يقول: "نحن غارقون في البيانات. أردتُ إظهار ذلك من خلال هذا التكرار. لذا سترون النقاط تُعرض بطرق لا حصر لها".
في لوحة "أكواريوم"، طبقتان. الأزرق الداكن كقاعدة، ثم الأزرق الفاتح. يشرح سعيد فكرته الأساسية من هذه اللوحة وهي رؤية النقاط الصغيرة. هدفه خلق فكرة وجود فراغ في المنتصف، ثم وجود بنية متماسكة تحيط به. تأتي اللوحة ضمن سلسلة من لوحات أخرى تُكمّل بعضها البعض وتتواصل فيما بينها. ما يهمه هو كيفية تواصل هذه الأعمال وتجسيدها لفكرة البيانات وما هو خارج عن نمطها.
يرسم سعيد ضمن سلاسل، لا لوحة بعد أخرى. يضع اللوحات البيضاء في مرسمه ويعمل عليها كلها في الوقت نفسه. لوحاته مختلفة عن بعضها لكنها تتكامل فيما بينها ولكل منها قصتها الصغيرة.
"Offset" هو بمثابة البداية لهذه السلسلة. مثلثها مقلوب حيث كانت هذه أول لوحة لاحظ فيها موضوع معرضه "عدم الاستقرار". يشرح سعيد: "عندما تكون النقطة متجهة للأسفل، عليك النظر للأسفل. وتكمن المشكلة الأكبر في كيفية إنشاء تكوين يجعلها تبدو كوحدة متكاملة". شكلت اللوحة بداية فكرة استخدامه لتقنية الصب. ينسكب الأزرق بدرجاته القاتمة والفاتحة إلى جانب الأبيض والأصفر والزهري والقليل من الأحمر. وضع بقعة تحتوي نقاطًا كأنه ينظر إليها من خلال مجهر. تتداخل الألوان فيما بينها لكنها لا تمحي بعضها. يأخذ كل لون مساحة انهماره.
لوحة «XTC» هي الأكثر اضطرابًا. تدور حول فكرة رؤية الأشياء بطريقة مغايرة: "أشبه بتعاطي المخدرات، لكن المخدرات التي تنقلك إلى عالم آخر وتجعلك ترى شيئًا مختلفًا تمامًا".
لوحة «Liminal» أو «المرحلة الانتقالية» تدل من عنوانها على شيء لم يُنجز قط أو على وشك الانتهاء. وهذه اللوحة كانت إلهام الفنان للوحات أخرى، ألوانها حالمة وغير مكثفة، حتى أسودها ليس قاتمًا كلَيل حالك. يصفها الفنان بأنها "شفافة للغاية لأنها تحمل فكرة الشفافية".
"تكنيكولور"
من حيث التكوين، هي انفجار حيث السكب في المنتصف، ثم انفجار آخر، ثم البنى الخلوية. اعتمد سعيد أسلوب الخطوط المتداخلة في لوحاته الجديدة. رسم هذه الخطوط مستخدمًا الإسفنج، وهي تظهر في لوحات أخرى أيضًا. الأمر يتعلق بكيفية إظهار هذه الأشكال الخلوية. ما حاول فعله هو النظر إلى البنية الخلوية للأشياء، حتى الصغيرة منها والمتكررة جدًا وجمعها معًا.
ما تقوله لوحات سعيد أنها كلها غير مستقرة، بطريقة ما. لهذا السبب اختار عنوان معرضه «Unstable». يرى لوحاته في مرحلة غير مكتملة، ليس من الناحية التركيبية فقط، بل حتى من حيث طريقة تفكيره فيها. يعتقد أن هناك دائمًا ما يُهددها بالانهيار لأن هذا الشعور ينتاب الرائي مع كل لوحة.
(*) يستمر المعرض حتى 15 آب/ أغسطس 2026




