بعد حلقة أولى عن أسلوب شارل شهوان في رسم لوحات معرضه الأخير في بيروت، والمستمر حتى نهاية هذا الشهر، هذه حلقة ثانية وأخيرة تروي اصطدامه بجدار الحياة والحرب في مطلع شبابه، وتعرّضه لرضّة وجودية، وخلاصه منها بالكتابة.
المدرسة وألعاب الشارع
إلى طفولته وفتوته الزراعيتين مع أهله في أملاكهم بجونية، وإلى الرضّة النفسية الوجودية التي أصابته في أعقاب وفاة والده، وتعرِّض أسرته إلى نكبة مادية ماحقة في مطلع شبابه، وتشرده طوال نهارات سنتين تائهًا وحيدًا على الطرق، وعودته ليلًا لينام إلى بيت أهله.. هناك نواة أخرى مؤثرة بقوة في مسار شارل شهوان: انسراحه الحرّ، قبل تلك الرضة، برفقة أتراب طفولته وفتوته في بساتين جونية وعلى شاطئها، مقبلين على أنواع شتى من اللعب واللهو والنشاطات اليومية الحرة في المدينة البحرية المحلية الصغيرة والهادئة قبل الحرب. وعلى الرغم من أنه كان تلميذ مدرسة طوال سنوات طفولته وفتوّته، تكاد الأخبار عن حياته المدرسية تقتصر على حوادث قليلة:
اختياره التعلُّم باللغة الإنكليزية بدلاً من الفرنسية في بداية المرحلة المتوسطة، هكذا من دون سابق تصور وتصميم. على الرغم من أن ذلك الخيار لم يكن شائعًا في مدارس الأوساط المسيحية، التي كانت في معظمها يعتمد الفرنسية لغة ضرورية وفضلى للتعليم. وهناك أوساط واسعة من المسيحيين كانت تتحادث بها في البيوت، خصوصًا مع الأطفال لتسهيل تفوقهم في حياتهم المدرسية. وكادت اللغة الفرنسية أن تشكل عنصرًا في هوية المسيحيين الثقافية، لا سيما بعد إنشاء دولة لبنان الكبير.
أما في حالة شارل شهوان فكان لخياره التلقائي أو العشوائي ذاك، أثر في تكوّنه الثقافي لاحقًا. وهو قد يكون نابعًا من ضعف انشداده وأهله المزارعين العاميين إلى قوة ذلك العنصر في ثقافة المسيحيين وهويتهم. وربما كان لذلك الضعف تأثير في عدم انقياده إلى الاعتصاب الحربي وميليشياته، وفي قلة اكتراثه بما يشكل عصب الثقافة والهوية اللبنانية في مجتمعه المسيحي.
بلى لقد سحرني أدب أمين نخلة (1901- 1976) وفؤاد سليمان (1912- 1951) في كتابه الشهير "درب القمر"، قال شارل. وهما من أركان المدرسة اللبنانية في الكتابة التي جعلت الطبيعة والحياة الريفية مصدر مخيلتها ولغتها الأدبية. لكن شارل أضاف إنه لا يعلم لماذا لم يترك ذاك السحر الذي أخذه في مراهقته المدرسية والثقافية، أي أثر في ذائقته الأدبية والفنية عندما بدأ يكتب الشعر والنثر منذ أواخر السبعينات.
لا شيء سوى ذلك في سيرة شارل المدرسية، التي يبدو أن حياته في اللهو واللعب الحر المنفلت خارج المدرسة قد ابتلعتها تمامًا أو همشتها. هذا فيما سحرته مع شلة أطفال وفتيان من أمثاله الألعابُ على أنواعها في البساتين والأراضي الزراعية البائرة وعلى الشاطئ. وهو سحر مديد لم ينضب معينه حتى اليوم، وملك عليه رغباته وحواسه، فصرف في اللهو واللعب طاقات طفولته وفتوته، وشكلا مخزون ذاكرته.
فشغفه وانسحاره بالسيارات، مثلًا، لم يتوقف منذ صغره. ففي سيارة من طراز قديم تُستعمل غالبًا في سباق السيارات، وصل إلى افتتاح معرضه التشكيلي الأخير في الأشرفية، آتيًا من جونية.
وإلى غرامه بالزراعة مع إخوته ووالده الذي اصطحبه معه مرات في سيارة نقل الخضار والفواكه لبيعها بالجملة في سوق بيروت المركزي، امتلأت طفولته وفتوته بمتع وملذات حسيّة كان يمارسها مع شلة من أقرانه:
البحر والسباحة فيه. نصب خيم صغيرة على شاطئه، لتسجية أوقات فيها والاستمتاع بحياة بحرية لاهية. السير والقفز على صخور الشاطئ ورماله. صيد الأسماك بالصنارات والأفخاخ المعدنية. وصيد العصافير بنقيفات (قاذفات) حصى يدوية بدائية، وببنادق خردق "أم حبة"، وأخرى يُدكُّ بارود وخردق في سبطاناتها، وتُستعمل كبسولة كصاعق صغير لتفجير البارود وانطلاق الخردق إلى الطرائد. وهناك أيضًا أسر العصافير حيّة بقضبان دبق تُنصَبُ بين أغصان الشجر في بساتين جونية وحقولها، فتُسجن العصافير في أقفاص لتغرد على مداخل البيوت والخيم البحرية.
أما لعبة كرة القدم فكانت أشد ألعاب شلة الفتيان سحرًا وبهجة واستمرارًا في حياتهم. وكانوا يمارسونها يوميًا تقريبًا، في جلّ زيتون هنا، وفي قطع أرض مهجورة بائرة هناك.
وكانت لقراءة المجلات المصوّرة، بقصصها الخيالية، مثل "سوبرمان"، "الوطواط"، "لولو وطبوش"، و"ميكي ماوس"... أوقات بيتية وفي الخيم على الشاطئ. وإلى جانبها إدمان مشاهدة أفلام الكرتون والوسترن (رعاة البقر) الأميركية وسواها من أفلام الحركة في صالتي سينما محليتين في جونية. وهذا، قبل شيوع أفلام "بروس لي" للكاراتيه...
النشاطات هذه كلها وأشباهها، ملأت طفولة شارل شهوان وفتوته مع أقرانه ممن سماهم فتيان الشارع، أولئك الذين كان من قلة بينهم تابعوا تعلّمهم المدرسي ما بعد المرحلة الابتدائية.
فتيان البراءة الأشرار
فجأة أوقفت الحرب هذا كله، بترته، أو كأنما نيزكٌ سقط على جونية وعلى شلة فتيان اللهو واللعب، الذين كانوا الحب الأول في حياة شارل. ومن سَكَنِ صورهم الملونة والمشمسة واللاهية في ذاكرته، استمد أشكال وألوان رسومه الساخرة، وصور لغته الشعرية وشخوص كتابته السردية.
"تتدلى نهاراتنا كوطاويط عجائز/ لن أخبركِ عن أي واحد لا داعي، سنذهب إلى الموج /أحب سروال السباحة الذي ترتدينه/ هي تسبح بعيدًا صرت وحدي/ سأموت، حقيقة سوف أموت/ لن أقول هي تحبني وتعشقني/ أخشى أن تنحل أكثر"، كتب شارل في مطلع مجموعته "شرير في سيارة".
وهو لا يزال حتى اليوم مولّهًا بفتيان تلك الشلة، ببراءتهم البدنية الحسية، البذيئة أحيانًا، فيدلِّعهم بتسميتهم الأشرار.
لم تنه الحرب لهو أولئك الأشرار الصغار وألعابهم وحدهم من دون سواهم، بل قلبت الحياة كلها في المدينة الصغيرة، المحلية أو البلدية، التي تدفق إليها مهجرون مسيحيون من بيروت الغربية ومن سائر خطوط التماس الحربية في مناطق كثيرة.
وإلى انفراط عقد حلقة شلة اللعب واللهو، تمزقها وتفرّق فتيانها الذين تركوا شارل وحيدًا، بعدما التهمتهم جبهات الحرب، سرعان ما مات والده ونُكبت أسرته نكبتها المادية الماحقة: وهذا أضاف إلى وحدتي ووحشتي وقطيعتي اصطدامي وحيدًا بجدار الحياة، قال. ثم أضاف: لقد صرت عاريًا وتائهًا في فراغ رهيب... فلجأتُ إلى القراءة باللغة الإنكليزية التي حصّلتها في سنواتي المدرسية، وصقلتها بالمطالعة، بذلك السرد في روايات التشرد الأميركية على الطرق، بالسيارات التي تنهب المسافات الطويلة بلا هدف، فتتوقف على نحو عابر في نزل موحش فوق أو قرب محطات وقود. وهذا ما كنت شغوفًا به في الأفلام، وقبلها بأبطال أفلام الوسترن على صهوات جيادهم في البر الأميركي الهائل والفسيح إلى ما لا نهاية. ولا تزال حتى الآن تسحرني قيادة السيارة بلا هدف على طرق لا تنتهي، والمكوث العابر في نزل في مهجور قرب محطة وقود.
وهنا تحدث شارل عن أثر مخيلة أفلام رعاة البقر، مسدساتهم وبنادقهم، في جذب فتيان وشبان شلة اللهو واللعب إلى جبهات الحرب الأهلية التي حملتهم على احتراف إطلاق النار والرصاص القاتل من بنادقهم الرشاشة، كأنهم يتابعون لهوهم ولعبهم على تلك الجبهات، مستعيرين صور القتل والبطولة من أفلام الوسترن.
خلاص بالكتابة/ كتابة الخلاص
كما سقط نيزك الحرب على جونية وعلى شلة شبانها فأخذتهم إلى القتل والموت على جبهاتها، سقطت الكتابة على شارل شهوان فملأت فراغًا موحشًا في نفسه وروحه الفتية، وأنهت تشرده العبثي الأليم على الطرق: لم تكن كتابة الشعر ممتعةً لي -قال- بل كانت خلاصًا، وأشعرتني بأنني موجودٌ، بعد ما كنت أعيش في دمار نفسي ومادي، وفي يتم اجتماعي-طبقي ماحق.
في الـ 17 من عمره أرسل قصائد إلى الشاعر شوقي أبي شقرا (1935- 2024) مدير الصفحة الثقافية في صحيفة "النهار" البيروتية، فنشرها واحتفى بها: ولما أبصرتُ اسمي منشورًا في الصحيفة خلتُ أنني أبصر شعاعًا من ضوء يرتسم على صفحة حياتي السوداء. وهو الشعاع جعلني شخصًا يمتلك معنىً ما. وفي السنة التالية (1980) نشرت مجموعتي الشعرية الأولى "أحدهم يستعد للقفز". ثم مجموعتي الثانية السردية "جاز العزلة" (1982). وبعدها "شاب يغتسل بمفرده" (1987).
ألا تنطوي هذه العناوين، أو تعبّر عن تغيير أو تغيّر مسار حياة شارل شهوان: الاستعداد للقفز أولًا، والاغتسال/التطهر المنفرد ثانيًا، ثم التحرر بموسيقى الارتجال الفردي الذي يمزج الحزن بالبهجة؟
15 طالباً بين 500 طالبة
عندما ذهب إلى الجامعة اللبنانية في العام 1981 أو 1982، لم يكن لديه فكرة محددة ولا مسبقة عما يريد ويحب أن يدرس. مكث بضعة أشهر في كلية إدارة الأعمال، ومثلها في كلية الحقوق: في المرتين وجدتُني أغادر الكليتين هاربًا من العدوانية الذكورية الميليشياوية العنيفة المتفشية بين الطلاب وفي الحياة الطلابية.
أخيرًا ذهب إلى كلية الآداب في الفنار، لكنه لم يكن يملك الرسم المالي الضئيل للتسجيل فيها. لا يدري لماذا تبرّع رئيس قسم الأدب الإنكليزي بدفع الرسم عنه: ثم وجدتُني طالبَ لغة إنكليزية وآدابها بين عدد قليل من الذكور ونحو 500 فتاة من الطالبات في أقسام الكلية كلها. وفي نهاية السنة الدراسية حصّلت علامات عالية، فكافأتني إدارة الكلية بمنحي 200 ل.ل. كانت هدية رائعة سقطت على حياتي، مثل الكتابة وحياتي في مجتمع طلابي مؤنث يخلو من عنف الذكورية الميليشياوية. وأذكر أنني في كافتيريا الكلية كتبت مجموعتي السردية "جاز العزلة"، ثم نشرتها بمفردي، وليس عن دار نشر.
بين 15 طالباً و500 طالبة تفتحت حياة شارل وحواسه في مطلع الثمانينيات. وتعرف إلى كتّاب وصحافيين وشعراء كانوا كلهم يعيشون على هوامش الحرب، ومنهم يقيمون في جونية أو في جوارها القريب: وديع سعادة، عبده وازن، عقل العويط... وكان يأتي من بيروت فادي أبو خليل (1958- 2025) وأنطوان أبو زيد. وأحيانًا كانوا يلتقون في دارة يوسف الخال (1917- 1997) في غزير، في ما يشبه صالون أدبي- ثقافي.
مفارقات الحرب
ويظن شارل شهوان أنه وأمثاله استفادوا من الحرب: لم نشارك فيها وعشنا على هوامشها رافضين أو متمردين بصمت عليها. وبقدر ما حاصرتنا ميليشياتها وزرعت في حياتنا الاضطراب والقلق والخوف، منحتنا شيئًا من حرية فوضوية في زوايا خاصة وفي الظل. وأنا من دونها ربما ما كنت لأتورط في الكتابة. وربما لاستمر انسحاقي العدمي الذي عشته في سنتي الضياع والعزلة والنكبة المادية والتشرد على الطرق.
وعن مفارقات الحرب قال أيضًا: لقد كشفت قيعان المجتمع اللبناني وثقافته، وعرّت "الفكرة والأسطورة اللبنانيتين"، وقلبتْ سنوات "الزمن الجميل" رأسًا على عقب، وجعلت البعض منا أفرادًا مستقلين عن جماعاتهم العصبية المحتربة. وأنا شخصيًا زودتي الحرب برؤية قلقة، غير مستقرة ولا سادرة، للعالم والبشر والذات والاجتماع والعلاقات والبلاد. رؤية ووعي ولغة شقيّة، فتّانة بسلبيتها وماديتها، وما كانت لتتوافر لي من دون تلك الحرب المدمرة والماحقة والمستمرة بأشكال شتى حتى اليوم.
خاتشيك ومجزرة الصفرا
أخيرًا تحدث شارل عن الشخصية الرئيسية في كتابه السردي الروائي "حرب شوارع": خاتشيك هو رفيق طفولتي وفتوّتي وبطل حياتي في جونية. ليس هذا اسمه الحقيقي، وهو ليس أرمنيًا، بل ابن أسرة مسيحية لبنانية بعلبكية وفدت إلى جونية قبل الحرب وأقامت فيها. كان يكبرني بسنتين أو ثلاث، وأبرع صيادي العصافير والسمك، وأمهر لاعبي الكلل وكرة القدم، وسوى ذلك من ألعاب الطفولة والفتوة في شلة الأشرار.
سميته خاتشيك بعدما خطفته الحرب إلى معمعتها، وأدخلته في "نمور الأحرار" بقيادة داني شمعون (1934- 1990). كأنما مني خطفته الحرب، وتركتني وحيدًا بلا مثال. كان خاتشيك يعيش ويلعب ويتحرك طوال حياته بحيوية ديك في تلك اللحظات التي تلي ذبحه ورميه أرضًا. هكذا كانت حركته في ملاعب كرة القدم. وهي الرياضة التي احترفها واحترفتُها معه، وكدت أصل مثله إلى اللعب في فريق الدرجة الأولى لنادٍ محلي. وكما في ملاعب كرة القدم، كان في "النمور" على جبهات الحرب. وقد بكّر في شراء سيارة سبور بمقعدين فقط. وكنت أجلس فيها إلى جانبه، فيما هو يقودها كديك مذبوح.
المشاهد الأولى في "حرب شوارع": خاتشيك تحت مطر غزيرٍ يركض كلاعب هجوم في ملعب كرة قدم. خروجه من الملعب في نهاية المباراة. ركوبه سيارته وقيادتها على الطريق الصاعدة إلى ملهى ليلي في الجبل، أو إلى جبهة الحرب في أسواق بيروت.. هذه المشاهد هي من مشاهد حياتي إلى جانت خاتشيك، قال شارل، وتابع: حياتي حينما كنت في رفقته كظل له، لكن من دون أن أحمل سلاحًا وأتورط مثله في الحرب.
وكتب أحد القراء النقاد أن السرد في "حرب شوارع"، "تنفلت فيه الغرائز، نشوة القتل، التحرر مِن قيود مجتمعٍ بات حُطامًا، الإسراف في السهر والجنس والسكر وتعاطي المخدرات... كأنّما الحرب احتفاءٌ بالحياة وليس بالموت: حياة مُفعمة بشهوة حيوانيّة قلّما يختبرها مَن لم يحيا إلّا في زمن السلم".
وكان مقتل خاتشيك في "مجزرة الصفرا" (7 أيلول 1980) من صدمات حياة شارل شهوان: هجمت قوات بشير الجميل على المنتجع البحري الذي اتخذه "نمور الأحرار" مقرًا لهم، فقتلت مئات منهم، ورمت جثث بعضهم في حاويات النفايات، ثم منعت أهل القتلى من البكاء عليهم.
رجل كهفي يكره لبنان
وقال شارل إنه كتب "حرب شوارع" تخليدًا لبطله ومثاله خاتشيك، بعدما ختم تلك المرحلة من حياته، وأنهى حياته الطلابية الجامعية في كلية الآداب بالفنار: هناك عشنا حرية الحروب وفوضاها مسالمين على هوامشها، قال.
ومنذ التسعينيات يعيش شارل بين قبرص ولبنان: لا أحملُ العالم وشؤونه وحوادثه على محمل الجد. كأنني صرت عدميًا في بلاد لا معنى لها، ولا أتأسف لزوالها. بلاد وشعوب الدولة التي ثَبُتَ بالملموس وفي كل يوم أنها فاشلة. وبلاد شعوب وجماعات لبنان التي تعيش تشوهات لا حصر ولا مثيل لها في العالم، والأرجح أنني لم أنجُ منها. بلاد كان مسيحيوها رواد نهضة أدبية ولغوية عربية، فتحول معظمهم اليوم إلى مقتنصي فرص إنشاء مطاعم ومقاهيَ وحانات ليلية سرعان ما تُفلس وتُقفل، ليعيد آخرون فتحها من جديد كأن شيئًا لم يكن.
العدوانية المتفشية في الشوارع وفي الحياة اليومية اللبنانية لا تطاق. الناس هنا يعيشون في حرب ميليشياوية دائمة، بلا قصف مدفعي وبلا رصاص. لستُ مضطرًا أن أحب بلدًا أهله مشوهون. وتكاد صلتي بلبنان اليوم تقتصر على امتلاك بيت فيه قريب من شاطئ جونية.
في قبرص أعيش بسلام وهدوء. وكلما عدت إلى الجزيرة بعد إقامتي مدة قصيرة في لبنان، أهتف: مرحبًا بالسلام والهدوء والكسل. في قبرص يعيش الناس وينامون بهدوء ورخاءٍ كسول، بلا ضجيج ولا صخب. حقوقهم محفوظة. يتنفسون هواءً نظيفًا. يتنقلون، يقودون سياراتهم كما تقاد السيارات. نادرًا ما أتذكر أنني سمعتُ زمور سيارة في قبرص التي أفضّل أن أموت فيها. حتى الموت محترم في قبرص. فالمقابر يخيّم عليها سكون لطيف، وتتمايل زهور تبدو هانئة ومستوحدة على قبورها... أما هنا في لبنان فحتى الموت مُذِلٌّ ومهين.
وحين طلبتُ من شارل شهوان أن يرسل لي صورًا له بواسطة البريد الألكتروني، قال: أنا رجلُ كهف، لا تنغش بي، منذ 20 سنة لم أستعمل الإيميل... لكنه أرسلها.




