رحل عن عالمنا الشاعر والصحافي تمّام هنيدي بعد معاناةٍ طويلة مع المرض. ولد هنيدي في السويداء العام 1984، ودرس الإعلام في جامعة دمشق حيث بدأ انخراطه في الشأن العام. غادر تمّام هنيدي سوريا في صيف 2012، ليستقر في مالمو السويدية بعدها بأشهر، وليحصل فيها على الدبلوم في إدارة المحتوى في كلية العلوم التطبيقية.
صدرت لهنيدي دواوين «وشوم الضباب» (2014) و«كما لو أني نجوت» (2016) عن دار المتوسط؛ و«يجدر بك أن تتبخّر» (2020) عن دار ممدوح عدوان. كما نُشرت له نصوص في دوريات عربية عديدة، وتُرجمت قصائد له إلى السويدية والإنكليزية ولغات أخرى.
أعاد بعض الفسابكة نشر نص لتمام يلخص في تجربته:
وقد كان بيننا من أحبّ بلاده لدرجة التنقّل بين سجونها قرابة 30 سنة (أي أكثر من مانديلّا).
اسمي تمّام هنيدي، أبي هو هزيمة هنيدي، وهو ضابط متقاعد حارب إسرائيل بالـ67 وبالاستنزاف، واعتقله النظام مرتين بُعيد انطلاقة الثورة السورية. والده يحيى هنيدي، المزارع الأبديّ والوطنيّ الشّريف المتواضع، الذي كان أهل قريته يلقّبونه بالرّوح القُدُس.
أمي نهى هنيدي، المُعلّمة المتقاعدة، وقد كانت من المتفوقات في السويداء على زمانها، زارت فلسطين في رحلة مدرسية أواخر الستينات "بلا مُحرم" ولطالما كانت أمثولةً في بنات جيلها. والدُها ابراهيم هنيدي، كان مديرًا لأحد المصارف الزراعية قبل أكثر من ستين عامًا ربما، وكان أحد أبرز رجال السويداء أواسط القرن العشرين.
اسمي تمّام هنيدي، أعيشُ منفيًا منذُ إحدى عشرة سنة، غيرتُ بيوتًا خلالها أكثر ما غيرتُ سراويلَ وأحذية، ركبتُ عشراتِ الطائرات بحثًا عن طائرةٍ واحدةٍ تأخذُني إلى حيثُ يجب.
بدأ خروجي من السويداء منذُ كان عمري 17، ولربّما يصحُّ قولُ أمجد ناصر: خرجتُ من عشيرتي ولداً !
لم أخرج من سوريا طوعًا، حينَ تركَ لي أهلي حريّة التفكير في ما أريدُ فعلَهُ بُعيد استدعائي لأداء الخدمة الاحتياطية في الجيش، اخترتُ البقاء، لكنّي قررتُ المغادرة حين قال أبي: يعني بدك تضلّ شاغل بالنا. لم أقوَ على ذلك فرحلت.
لم أشعر يومًا أنني أنتمي لفئة أو جهة، لم أنتمِ لحزبٍ أو جماعة، حتّى أنّ أحدهم قال لي في بيتي في جرمانا قبل أن أغادر حين رآني أستشيطُ على تأخر السويداء عن قريناتها: تمّام إنت مش مجرّب شعور الأقليّة! لم أشعر يومًا أنني أنتمي إلى أقلية أو أكثرية، لم أُحسبْ على أحد ما خلا أنني أخذتُ الموقف الذي أعتقدهُ صائبًا وشريفًا منذ بدأت الثورة.
أخطأتُ كثيرًا، عشتُ حياتي كما أتيحَ لي، أبحثُ عن عملٍ ثابتٍ منذُ سنتين دون جدوى. عشتُ في السويد ثماني سنواتٍ تقريبًا، وفيها تعرّفتُ إلى قمر، الصبية الحلبيّة التي صارت زوجتي، درسنا معًا وتخرّجنا في السويد، ثمّ انتقلنا إلى اسطنبول لمتابعة الدراسة على مقربةٍ من بلادِنا.
في اسطنبول ولدت مريم... ومنذُ ولادتِها أحدّثُها عن دار جدّها، عن عائلتها ومكانها وأرضِ أهلها.
لا أملكُ بيتًا. أتذمّرُ من كلّ شيء. ملول. أبكي بلا حرجٍ إذا شعرتُ بحاجةٍ للبكاء بصرف النظر عن المكان الذي أكونُ فيه. لا أحبُّ التفوّق. بطيء. أحملُ في جوفي قلبًا ضعيفًا لطالما شعرتُ أنّهُ لن يسعفني كثيراً. ولطالما شعرتُ ببلاهةِ ورتابة أن يكون ثمّة عضلة لا إراديّة الحركة مسؤولة عن حياتي!
أحبّ كرة القدم أكثر من أي شيء آخر، وأحبُّ الشعر أيضًا، أكتبُهُ لأنّهُ نظير الأسى، توأمُ الضعفِ والوَهَن، ولا أحبُّ الأقوياء. أكتبُ بلا أملٍ ولا تفاؤل، وقلّما أحببتُ الكتابة المتفائلة.
أَحبُّ الأوقاتِ إلى قلبي هي ساعات الضحى، أحبُّ كسَلَها، وأحبُّ المدن الصباحيّة.
أحبُّ الحياة... ولهذا ربّما يخيفني الموت.
لهذا، وعلى الرغمِ من هذا، على الرغمِ من خروجي من سوريا، ورغم أنني "خرجتُ من عشيرتي ولدًا"ـ فلي في بلادي ما للناس في بلادهم: الأهلُ والأرضُ والشجرُ والقبور.
لا أريدُ شيئًا، ولا أبحثُ عن شي، أريدُ زيارتَها فقط، وليس لي التنصّلُ من ألمِ الأمل، ليس لي إلا أن آملَ أنني سأراها قريبًا، على يدِ هؤلاء المتعبين.
مرثيات تمام هنيدي:
راشد عيسى
يقول كاتب: "إذا مات شاعرٌ ماتت في مكان آخر شجرة، وتساقطت أوراقها قبل الفجر. إذا مات شاعرٌ انطفأت نجمةٌ، وتخاصم حبيبان، وضاع خاتمٌ"...وداعاً للشاعر السوري تمام هنيدي. ألف رحمة. أحر العزاء لعائلته وأصدقائه ومحبيه.
بحزنٍ وأسى تلقينا خبر وفاة الشاعر السوري تمّام هنيدي، أحد شعرائنا الحقيقيين؛ ممن أسسوا المشهد الشعري الجديد في البلاد. عزاؤنا الخالص لديمة وتميم وعائلته وأصحابه وذويه
شادي كرم
ثمّة أخبارٌ تصل ولا تدخل إلى تلافيف العقل. تقف عند عتبة الأذن وترفض النزول إلى حيث يجب أن تُصدَّق. هذا الخبر من ذلك النوع.
مات تمام هنيدي، أكتبها ولا أريد أن أصدقها. الحروف نفسها التي أكتب بها كل شيء تبدو الآن عاجزة، كأنها تخجل من نفسها أمام هذا الثقل.
عرفت تمام في مخيم اليرموك وفي جرمانا، يوم كانت دمشق ما تزال تتسع لنا، ولأحلامنا الصغيرة، ولجلساتنا التي كانت تبدأ بالكتب ولا تنتهي حتى بعد أن يداهمنا الفجر. حملتنا الطرق سوية إلى بيوت الأصدقاء بعد سهرات "بيت القصيد، إلى نقاشات لا تنتهي، وإلى مدينة كنا نحبها بالطريقة نفسها التي يحب بها الإنسان أمه، رغم كل ما فعلته به. أيضاً جمعنا حب فلسطين وعمي أحمد نجم والكثير من قناني العرق.
كان ينازعني على حب دمشق. كنت أقول شيئاً، فيرد بشيء آخر، وكأن المدينة ابنة كل واحد منا وحده. ثم سرقتنا المنافي، وصار ينازعني على حب إسطنبول أيضاً. وكنا نضحك كلما قال لي، بنبرته التي لا تغادر أذني الآن: "أنا أكبر منك بثلاث سنين، وبفهم أكتر منك" فأجيبه ضاحكاً: "يا زلمة، هني سنتين، عملوك أفلاطون؟!" ثم يضحك، وأضحك، وتمضي الجلسة كأن العمر طويل، وكأن الموت لا يعرف الطريق إلينا.
بسبب سوريا اختلفنا وابتعدنا، وطال الصمت بيننا. وحين عرفت أنه يصارع ذاك المرض الحقير، اتصلت به فوراً. تحدثنا طويلاً، كنا نحاول أن نردم في ساعة واحدة ما حفرته السنوات بيننا. يومها شعرت أن المرض يضع كل خلاف في حجمه الحقيقي، وأن الحياة أقصر من أن نتركها معلقة بين عتابين.
رحل تمام اليوم…
الموت حقير لأنه لا يمهلنا وقتاً كافياً. يقطعنا في منتصف الجملة، في منتصف الصلح، في منتصف كل شيء لم يقل بعد. أخذ تمام وترك خلفه فراغاً لن تملأه ذكرى واحدة مهما كانت جميلة، الفراغ الذي يتركه إنسان طيب لا يملأ، فقط يعاش معه.
محزن، والله محزن، أن يتحول كل ذلك العمر إلى ذكريات متناثرة، وإلى جملة قالها ذات مساء، وإلى ضحكة لن تتكرر، وإلى مقعد سيبقى فارغاً في ذاكرة دمشق وجرمانا ومخيم اليرموك.
نم هادئاً يا تمام. وأسامحك على السنتين اللتين كنت تصر أن تجعلهما ثلاثاً، لكنني لن أسامح الموت لأنه سرق فرصة جلسة أخيرة، كنت سأدعك تنتصر فيها، ولو للمرة الأولى.
العزاء لعائلته الكريمة التي احتضنتنا بمحبتها يوماً، ولأصدقائنا جميعاً.
لماذا تركت قلبي وحيدا
لماذا وضعت جمرة فوق الجرح ورحلت
كيف للحياة أن تستقيم وللروح ألا تشعر بفداحة الخسارة
تمام يا أخي الصغير بعمرك والكبير بما تركت وقدمت وضحيت
سامحني يا حبيبي
تمام هزيمة هنيدي أخي الأصغر في ذمة الله في دولة السويد
الموقف غدا الجمعة في ساحة سمارة من التاسعة حتى الحادية عشرة والنساء في عين الزمان
تمام أي مشعل للفكر قد انطفأ وأي قلب توقف عن الخفقان.




