يتجاوز كتاب "حكاية عمر" للكاتب والسجين السياسي السابق بيان الحناوي، الصادر حديثاً عن دار العوام، حدود التصنيف الضيق لما درجت القراءات النقدية على تسميته بـ"أدب السجون". فهو يشبه وثيقة تشريحية للوعي السوري تحت حكم الاستبداد، وسجل حي للذاكرة المقهورة ومتحف للحكايات المنسية، وليس مجرد مذكرات شخصية تدور حول تجربة الاعتقال.
ومن خلال تتبع تفاصيل الحكايات التي يسردها المؤلف، يتوضح كيف أن القمع الذي مورس في المعتقلات السورية أعاد تشكيل الذاكرة واللغة والعلاقات الإنسانية برمتها ولم تنحصر نتائجها في احتجاز الأجساد خلف القضبان فحسب، فهنا تتجلى ذاكرة السجن كحالة وجودية تتسرب من خلالها التفاصيل إلى خارج الأسوار لتصوغ مجتمعاً بأكمله.
أول الملامح عما يصنعه بيان الحناوي هنا تكمن في تغييب ذاته وقصته لصالح ما حدث للآخرين، فلا يقدم نفسه بوصفه بطل الحكاية والتراجيديا الصامدة، بقدر ما يتوارى كلياً إلى الخلف، متنازلاً عن مركز الضوء ومصقلاً المنصة لأصوات ظلّت هامشية ومعدومة الصدى في معظم المدونات السابقة، كالزبال، والعامل، والأب، والابنة، والسجين المجهول الذي طمست ملامحه عتمة المهاجع.
الكاتب يصبح ذاكرة حارسة تحفظ أصوات الآخرين وتردها إلى القارئ بنبرتها الأصلية. يظهر ذلك جلياً منذ القصة الأولى، حيث يترك السرد كلياً لصوت "الزبال"، فلا يتدخل إلا بقدر ما يسمح للقصة بأن تُروى، متجاوزاً نمطية أدب السجون التقليدي الذي كثيراً ما انحصر بين المذكرات الذاتية الفردية أو أدبيات الجماعات الحزبية والسياسية.
كان بيان الحناوي نقيباً في الجيش السوري، أظهر بسالة لافتة في حرب تشرين 1973 ونال ترقية استثنائية كأصغر نقيب في الجيش السوري. ولكن حياته تغيرت أواخر عام 1974 حين جهر برفض أمر عسكري بالتوجه إلى الحدود العراقية، معلناً أن مواجهته هي مع العدو في الغرب لا الأشقاء في الشرق. وقد كلفه هذا الموقف ثمانية عشر عاماً من الاعتقال في سجن المزة العسكري، ذاق خلالها أشكالاً مروعة من التعذيب النفسي والجسدي، ثم خرج الحناوي عام 1992 ليبقى تحت المراقبة الأمنية المشددة، قبل أن يشارك في المظاهرات الشعبية مع انطلاق الثورة السورية عام 2011.
ويأتي هذا الكتاب كشهادة حية عن تجربة مريرة عاشها الحناوي في سجون الأسد الأب، ولاسيما في جلسات التعذيب التي كان يشرف عليها اللواء سيئ الصيت ناجي جميل مع أخيه هشام.
يتألف الكتاب من جزئين، الأول لا يتصل بقصته الشخصية ويستحوذ على أكثر من ثلاثة أرباع الكتاب، بينما يُخصص الثاني لما جرى معه تحت عنوان "حدث ذات تحقيق". وعلى خلاف الأدبيات التي ركزت تاريخياً على لحظات التحقيق العنيفة والمحاكمات والتشكيلات التنظيمية، يغوص الحناوي في "أنثروبولوجيا" الطغيان عبر رصد تفاصيل هشة وتبدو هامشية، لكنها تكشف جوهر النظام الشمولي بأكثر الصور بشاعة. يتجلى ذلك في توثيق عسف الأخطاء الشكلية، كحادثة إعدام سجين لمجرد خطأ في "حرف الياء"، ليتحول السهو الإداري إلى أداة إبادة إنسانية. كما يمتد السرد إلى التفاصيل الصغرى التي تمنح الحياة اليومية في المعتقل أبعادها، من الإذلال الممنهج لأهالي المعتقلين عند أبواب الزيارات، إلى التفاصيل الشفيفة مثل تجوال قط بين الزنازين كحدث يكسر جدار العتمة، ويجعل السجانين يستنفرون بحثاً عن المخترق الخطير، وصولاً إلى طقوس توزيع الطعام، الشائعات، ولغة السجانين التي صيغت لكسر الكرامة.
"دخل في صلب الموضوع، القضية، طالباً العون والتعاون بشبه إصرار، وشبه رجاء في أن نعمل معاً على إلقاء القبض على هذا المتسلل لغاية نجهلها جميعاً...
وأردف قهر عدونا... وعدوكم لأنكم أبناء هذا الوطن، أبناء هذه الأمة...
"ولأول مرة نسمع هذه العبارة منذ سنين وسنين" وأضفنا "أي أمة؟" وأكمل... وما أخطر وأكثر المتسللين، وما أبشع وأقذر أساليب الأعداء في هذه الأيام... وهذه الهجمة الشرسة علينا، وعلى كل إنجازاتنا، وعلى الأمة من خلالنا.
"وهمس زميل بحذر... شمولية رائعة غطت الزمان والمكان، التاريخ والجغرافيا واليوم وغداً" وأنهى... أنهى سيد المكان مكرراً طلب العون بغية إلقاء القبض على هذا القط... وتسليمه حياً... ولا مانع أبداً "ميتاً".
وعلا الضجيج، صفقت الحاشية، هزجت، صهلت، هتفت، ضحت بدمائها بأرواحها في سبيل... وسبيل وسبيل، ثم طلبت الموت، وطالبت بالضرب بيد من حديد على الأعداء... صغاراً وكباراً في الداخل... والداخل... وما من أعداء في أي خارج وطالبت بالموت لأعوان القطط ومحبيها، والعابثين معها ومستغليها، وحملوا... حملوا سيدهم على الأكتاف سعيداً... وطالبوا بموتنا، وطلبوا لسيدهم الحياة.
أما الكتلة البشرية "نحن" فكان الصمت مطبقاً، والخوف من أذىً يتعرض له ضيفنا ومؤنسنا المستجير... كبيراً، وكان وحشة ووجوماً، وانقباضاً... وقرفاً".
هذا المضمون المغاير اقتضى بنية سردية لا تخضع للتسلسل الزمني المستقيم، فالحكاية لا تتقدم بخط مستوٍ ينطلق من لحظة الاعتقال وصولاً إلى الإفراج، وإنما تعتمد على التداعي الحر حركةً وزماناً.
"لا جديد... والألم من الغرابة أن يحمل الألم... وكم أنت عظيمة أيتها القدرة في صياغتنا... وما اكتشفها غيرنا... بعد.
لا جديد... والوحشة جذورها عميقة في الروح، والحزن غيمة كثيفة سوداء محنطة، ومسمرة أبداً فوق مملكة سيدها المطلق، الحقد عذاب، وتعذيب ولا معقول.
لا جديد... واليوم... غريب أمر اليوم، فدائماً الأمس قبله وبعده الغد. ودائماً بعد السبت الأحد، وقبل الجمعة الخميس، ومنتصف الليل أبداً في منتصف الليل.
لا جديد، خمس حبات من الزيتون أحرق غصناً كان يحملها ونجلد به أحياناً أو نصف بيضة مسلوقة، تدينه، أو تستدينه، فنجان برغل مطبوخ بحصاه وترابه، تنفس نادر، واستحمام أكثر ندرة لحظنا الطيب كثرة ما تجلد أجسادنا العارية... ونحن في الطريق إليه.
لا جديد... قطعة صغيرة من الحلاوة كانت موطناً لذباب يضاهي صغار الطير حجماً... أو يكاد... وأطفؤوا الأنوار... أما الحلم فتلوثه دماء تخثرت... وتحولت إلى بقع سوداء كريهة...".
زمن النص هنا هو زمن الذاكرة لا زمن التاريخ، حيث يستدعي الحدث الصغير ذكرى، وتستدعي الذكرى شعوراً، ثم يعود السرد إلى الواقعة الأصلية متقلباً بين الماضي والحاضر والسجن وما بعده دون إشعار القارئ بانقطاع، لأن الرابط الأساسي يتخطى الواقعة المجردة، نحو أثرها النفسي الممتد. ولا يقف السرد هنا عند لحظة التعذيب، بل يتمدد ليرصد زلازله النفسية في: الخوف، والخجل، والصمت، وانتظار الأهالي، والعار الذي حاول النظام زرعه في عمق البنية الأسرية والمجتمعية.
تعمل الذاكرة في النص وفق مبدأ التنقيب المستمر، كأنها طبقات جيولوجية متراكمة تُستعاد وفق آلية "كل ذكرى تفتح باباً لذكرى أعمق". وفي كل طبقة تُزاح، تنكشف حكاية جديدة تضيء وجه من وجوه العنف الذي شكل المجتمع لسنوات. ويستند هذا التنقيب إلى لغة تحمل مفارقة لافتة، فهي لغة ثرية بالصور والاستعارات والتكرار الإيقاعي، لكنها تظل متشبثة بنبرة الشفاهية وطزاجتها، وكأن الكاتب يصر على ألاّ يصقل القصص لدرجة تفقدها صدقها العفوي.
تتحول العفوية في "حكاية عمر" من مجرد سمة أسلوبية إلى تقنية فنية جوهرية وبنيوية. فالكاتب لا يدوّن بصرامة الروائي الذي يخطط للمشهد، ولا بأسلوب صاحب المذكرات الذي يعيد ترتيب حياته بأثر رجعي، إنه يكتب بدلاً عن ذلك وكأن الذاكرة تتكلم مباشرة. من هنا تكتسب ظواهر التكرار، والالتفات، والاستطراد، والتردد في تحديد الزمن أو الأسماء باستخدام عبارات مثل "ربما" و"أظن" قيمتها، فهي علامات على صدق الذاكرة أثناء اشتغالها. هذه العفوية تمنح القارئ إحساساً بأنه يجلس في جلسة طويلة مع رفاق المعتقل يستمع لشاهد حي، يحافظ على إنسانية الشخصيات كي لا تتحول إلى رموز أسطورية، وتبقى كائنات بشرية تتذكر وتخطئ وتبكي وتستطرد، في تداعٍ طويلٍ لم يجرّده التحرير النصي من أثر الشهادة وصدقها.
يروي الحناوي في الجزء الثاني من كتابه وقائع جرت في جلسات التحقيق ويصور كيف تعامل معه ضباط المخابرات، وكذلك قيادات الجيش من شخصيات معروفة، حيث يدرك القارئ أن جريمته الكبرى كانت هي قول "لا" في زمن كان النظام يعمل على جعل أوامر الأسد الأب أشبه بالقرارات المقدسة غير القابلة للرفض. يقول الحناوي:
"أغلقوا باب الزنزانة، وقفلوه، وغادروا مطلقين تجاهي أقذع الشتائم، وأوسخ مفردات السباب. وبقيت وحيداً، وحيداً والوحشة، ووحيداً والخوف، والريبة مما يحدث... وترقباً. والهتني قطرات تسقط برتابة وهدوء وتناغم عن ألم يدي، وكان الجو حاراً جداً داخل زنزانة تعبق فيها رائحة العفن... وأنا عار.
وقطرة، ثم أخرى، وأعد، ثم أخرى... ثم أخرى... وبدأ السائل اللزج والدبق يشق طريقه خلال شعر الرأس الكثيف صوب الأسفل، وأنا معلق.
أنا المعلق، أبعدت رأسي فكانت قطرة على جانب الأذن اليمنى، أبعدته وعلى جانب الأذن اليسرى. يا الله يا الله، وأحنيته، وقطرة على مؤخرة رأسي سرعان ما شقت طريقها إلى عنقي من الخلف، وأخيراً رفعته علني أتجنب قطرات أخر. وواحدة فوق الجبين سرعان ما انحدرت شاقة طريقها تجاه الحاجب. وعبثاً حاولت التملص وعبثاً حاولت تخفيف الألم... وأنّي في هذا... وذاك، لا خلاص... لا خلاص من تلك القطرات اللعينة الدبقة والمتساقطة برتابة فوق رأسي كما سيروم خفيف القطر في وريد مريض".
"حكاية عمر" لبيان الحناوي، وثيقة إضافية، عن زمن لا يمكن للسوريين أن ينسوه، بعد أن حفر في ذواتهم، وحولهم من بشر طبيعيين إلى كائنات مهجوسة بالرعب والخوف، تعيش في حاضرها قلقها من عودة كل ذلك الأذى الرهيب.




