لم يبقَ من الضيعة شيء إلا في الذاكرة، تقول Mitch (لارا الحلبي). قريتها وقرية والدتها اختفتا، مثل طفولة لا يمكن استبدالها بأخرى، مهما امتد الزمن وتراكمت الحيوات اللاحقة.
تصلح هذه الحكاية مدخلاً سهلاً إلى ألبومها "تنكة خضراء": موسيقية سورية تؤلف عملاً عن المكان المفقود والانتماء والحزن الذي لا يجد موضوعه إلا بعد موت الأخير. لكن الألبوم، لحسن الحظ، أكثر تعقيداً من حكايته، وأقل استعداداً لتحويل الفقد إلى مرثية.
موضوع الموسيقى آتٍ من مكان مفقود، لكن جانباً أساسياً من مادتها آتٍ من الحاضر. الألبوم لا يوثق الضيعة، بل يلمس العيش بعد زوال الضيعة. المدينة ليست بديلاً عن المكان الأول، ولا نقيضاً درامياً له. هي المختبر الذي يجري داخله الحِداد: كهرباء وأجهزة وغيتارات وكيبوردز ودرام ماشينز وبايس، وأصوات انتُزعت من وظائفها اليومية وأُدخلت في التأليف. ثمة عالم استمر، بعدما توقف عالم آخر عن الوجود.
لا يصير شاحن البطارية (وهو أحد الأصوات اليومية التي توظفها المؤلفة في الموسيقى) رمزاً للضيعة أو دليلاً إليها. يبقى صوتاً مدينياً بارداً وعملياً، لكن الموسيقى تحمّله غضباً جاء من مكان آخر.
يتألف ألبوم "تنكة خضراء" من عشر مقطوعات، لا من عشر أغنيات. الكلمات قليلة، والأصوات البشرية، حين تظهر، لا تتقدم لتشرح العمل أو تروي قصته. تعمل إلى جوار الغيتار والبايس والكيبورد والضجيج الإلكتروني والعينات الصوتية، بوصفها مواد قابلة للقص والتكرار والتشويه. وحتى عندما يُسمع كلام واضح، لا يحتفظ طويلاً بموقعه كخطاب؛ إنما يدخل في الإيقاع، ويتحول إلى نبرة وملمس وأثر.
تقول ميتش إن الألبوم هو رحلتها مع الحِداد، وإن الأصوات المستخدمة كانت أفضل طريقة استطاعت عبرها إخراج الغضب والألم. لكن أهمية العمل لا تأتي من صدق هذه النية وحده. موسيقى الألبوم لا تنجح لأنها تعبّر عن حزن حقيقي، إنما لمحاولتها إيجاد بُنية لهذا الحزن من دون اختزاله في معنى واحد. الغضب هنا ليس موضوعاً بقدر ما هو طريقة في التعامل مع المادة. يظهر في انضغاط الترددات وثقل البايس، وفي إيقاع يكرر نفسه إلى أن يبدو وكأنه يضرب سطحاً مغلقاً. ويظهر، على نحو أهم، في مقاومة الانفجار. كثيراً ما تمسك ميتش موسيقاها عند الحافة، كأن إطلاق الطاقة كاملةً أقل دقة من إبقائها محتجزة داخل البنية.
الموسيقى تفقد انتظامها
تفتتح "چروتيسك"، الألبوم، كآلة صغيرة أصابها خلل: نبض محدود يتكاثر، وخطوط تتراكب، ثم تنقلب البنية في ثوانيها الأخيرة إلى كتلة مشوشة. لا تحصل المقطوعة، التي لا تتجاوز دقيقة وبضع ثوانٍ، على زمن لبناء ذروة تقليدية. تدخل، تعرض آليتها، وتغادر بعدما تفسد انتظامها بنفسها. ويختصر الافتتاح قانون سيعود في الألبوم: التكرار لا يحفظ المادة كما هي، إنما يغيّرها. الصوت المستعاد مراراً يفقد تدريجياً علاقته بكينونته الأولى، إلى أن يبدو كأنه خرج من جهاز لا يعمل كما ينبغي.
في "بروزياك"، تطول عملية التحول. لا تتحرك الموسيقى في خط واضح من بداية إلى نهاية، إذ يتغير مقدار الضغط داخلها. تمتلئ المساحة ثم تُفرّغ جزئياً، تقترب طبقات وتنسحب أخرى، فيما يظل الاضطراب منضبطاً تحت سطح يبدو مستقراً للحظات. يدفع الاسم إلى التفكير في "بروزاك" والخدر الكيميائي، لكن المقطوعة لا تبدو مخدّرة. إنها أشبه بتوتر أُجبر على تنظيم نفسه. لا يختفي القلق، بل يتعلم العمل داخل إيقاع، وأن يحافظ على مظهر التماسك من دون أن يصدقه تماماً.
وتكشف "بروزياك" باكراً أحد حدود الألبوم: ميتش بارعة في العثور على لونية صوتية وإبقائها حية، لكنها لا تجازف دائماً بتحطيمها بعدما تنجح. تعيد المقطوعة توزيع حالتها أكثر مما تقلبها. المناخ جذاب، لكنه محمي بعناية، كأن الموسيقى تخشى أن تخونه كي لا تفقد شخصيتها.
أما "أبو سليمان"، المقطوعة الثالثة، فأكثر حركة وأوضح اعتماداً على الدفع الإيقاعي. يبدأ الثقل من الطبقات المنخفضة، ثم تتسع الترددات الحادة ويظهر التشويش الذي كان النبض يحتويه. العنوان اسم شخص، لكنه لا يفتح حكاية عنه، ولا تقدم الموسيقى بورتريهاً له.
تمنح أسماء بعض التراكات المواد الصوتية عمقاً لا تكون قد صنعته وحدها.
هذا الامتناع مفيد. يمنح الاسم المقطوعة خصوصية لا نستطيع امتلاكها، ويحول دون سماعها كتمرين إلكتروني مجهول، من دون أن يسلّمنا قصة جاهزة. ثمة شخص أو واقعة أو ذكرى خلف العنوان، لكنها لا تُعرض باعتبارها حقاً للمستمع. غير أن الاسم أكثر رسوخاً من المادة الموسيقية نفسها. "أبو سليمان" مشدودة وفعالة، لكنها أقل غرابة من عنوانها، وأقل قدرة على البقاء في الذاكرة من المقطوعات اللاحقة. تمنح أسماء بعض التراكات المواد الصوتية عمقاً لا تكون قد صنعته وحدها.
مع "سأحبني"، أطول مقطوعات الألبوم، تنتقل ميتش من بناء الحالة إلى بناء الزمن. تتشكل المقطوعة عبر مراحل: افتتاح متحفظ، وتراكم بطيء، وتصدع يقطع الاستمرار، ثم عودة لا تستعيد ما سبق في صورته الأولى. يعود الصوت حاملاً أثر الانقطاع معه.
لا توجد لحظة تنفتح فيها المقطوعة لتعلن أن الذات تصالحت أخيراً مع نفسها.
العنوان موضوع في المستقبل. لا تقول "أحبني"، إنما "سأحبني": وعد لم يتحقق، وفعل يحتاج إلى زمن لم يأتِ بعد. تتصرف الموسيقى بالطريقة نفسها. كلما قاربت صيغةً مستقرة، دخل عنصر يعيد خلخلتها. لا توجد لحظة تنفتح فيها المقطوعة لتعلن أن الذات تصالحت أخيراً مع نفسها.
هذا ما ينقذ "سأحبني" من العاطفة السهلة. الوعد موجود، لكن تحققه ليس جزءاً من العمل. تتمسك المقطوعة بالمسافة بين الرغبة والقدرة، ولا تحول حب الذات إلى خاتمة علاجية جاهزة. هنا تبلغ المؤلفة الموسيقية أفضل أشكالها في النصف الأول. لا تعتمد الموسيقى على غرابة أصواتها، لكنها تستند إلى إدارة العلاقات بينها. الانقطاع لا يأتي مؤثراً للإثارة، وإنما يغير معنى ما سبقه وما يليه. والعودة لا تعمل كتكرار للازمة، إنها سؤال عمّا إذا كان الشيء يستطيع الرجوع بعدما انكسر من دون أن يدعي أنه بقي الشيء نفسه.
الأخضر فوق البازلت
تأتي "تنكة خضراء"، مقطوعة العنوان، في نهاية النصف الأول. فيها بايس ثقيل ونبض أبطأ ورنين معدني وشذرات تدخل ثم تنسحب قبل أن تحتل مركز المشهد. تبدو المساحة كوعاء مجوف؛ كل صوت يدخلها يعود حاملاً أثر جدارها.
اختيار "تنكة" عنواناً للألبوم أكثر دقة من أي اسم كبير عن الهوية أو الفقد. التنكة جسم عادي وفقير ومعدني، قابل للاستعمال والرمي والصدأ، لكنه يملك جوفاً ورنيناً. لا يمكن ضربه من دون أن يرد. أما الأخضر، فيجاور سواد البازلت في ذاكرة ميتش البصرية لمنطقتها، السويداء، جنوبي سوريا. ليس الأمر مواجهة مريحة بين الحياة والموت، ولا صورة سياحية عن أرض خضراء. الأخضر ينمو فوق الأسود ويلتصق به، مثل ذاكرة حياة لا تصل إلا عبر مادة قاسية.
لا تقدم المقطوعة صوتاً معدنياً واضحاً كي نهنأ بفك الرمز. تبقى العلاقة بين الاسم والمادة ناقصة، وتحتفظ بشيء لا تشرحه. لكن "تنكة خضراء"، مقارنةً بـ"سأحبني"، أقل مغامرة في بنائها. قوتها في موقعها داخل ترتيب الألبوم وفي كتلتها الصوتية أكثر من التحولات التي تجري داخلها. قرب النهاية، تميل البنية إلى الأسفل بدلاً من أن تنفجر، كأن القسم الأول كله يعجز عن إبقاء غضبه معلقاً. تغلق المقطوعة بذلك مرحلة كان الغضب فيها يُصنع أساساً من داخل الآلات: بيس ودرام ماشين وتشويه وطبقات تضغط بعضها على بعض. أما ما سيأتي، فلا يتخلى عن الغضب، لكنه يبدأ بتفكيك كتلته وإدخال أصوات بشرية وأرشيفية إلى الواجهة.
وتفتتح "نص نصيص" هذا التحول. تقل الحواف الحادة، وتطول الكتل، وتتسع المسافات بين العناصر. لا تهدأ الموسيقى بقدر ما تفقد يقينها بقدرتها على تكوين جسم كامل. تظهر أجزاء وتتوقف، وتدخل شذرات بشرية من دون أن تتجمع في خطاب.
لا تسير موسيقى ميتش في خط علاجي، لكنها تنتقل من كتلة تبدو قادرة على احتواء الغضب إلى أجزاء تعرف أنها لن تعيد ما فُقد.
هنا يصبح ممكناً سماع الألبوم كرحلة حداد، لكن ليس عبر مراحل نفسية مرتبة من الإنكار إلى القبول. لا تسير موسيقى ميتش في خط علاجي، لكنها تنتقل من كتلة تبدو قادرة على احتواء الغضب إلى أجزاء تعرف أنها لن تعيد ما فُقد.
أصوات من حياة أخرى
في "ققد"، يتقدم الكلام، لكنه لا يحصل على امتياز المعنى. تُقطع العبارة وتُعاد، وتتحول كلمات منها إلى وحدات إيقاعية. كلما تكرر الصوت، ازداد حضوره المادي وفقد شيئاً من وضوحه الدلالي. لا حاجة إلى تثبيت الكلام أو اقتباسه. المهم ما يحدث للجملة حين تدخل الموسيقى. تنتقل من اللغة التي تُخبر إلى اللغة التي تُسمع. لا ينعدم معناها، لكنه يكف عن أن يكون وظيفتها الوحيدة. تنجح هذه الفكرة في "ققد" تحديداً، لا باعتبارها أطروحة تفسر الألبوم كله. العمل هنا يختبر المسافة بين العبارة بوصفها كلاماً، والعبارة بعدما يصيبها التكرار والقص والمعالجة.
مع ذلك، يمنح حضور الصوت البشري المقطوعة أحياناً وزناً لا يصنعه البناء الموسيقي وحده. ما إن يدخل الكلام حتى يصبح المستمع مستعداً لافتراض ذاكرة وهوية وحكاية. تستفيد ميتش من هذه الاستجابة، لكنها لا تتجاوزها دائماً. في بعض المواضع، يبدو غموض مصدر العينة الصوتية أقوى من التحولات التي تجري عليه.
تبلغ هذه المسألة ذروتها في "لجا"، حيث تستخدم ميتش عينة صوتية من فيلم "اللجاة" (للمخرج رياض شيا 1995)، حسّنت ميتش نفسها جودة الفيلم الصوتية بوصفه واحداً من أهم الأفلام السورية التي جسدت بيئة السويداء وطبيعتها.
"لجا" هي أكثر المقطوعات تماساً مع حكاية الألبوم المعلنة، ولذلك كانت مهددة بأن تكون الأكثر مباشرة. لكنها تتجنب ذلك لأنها لا تستخدم المرأة راويةً تشرح الفقد.
هنا، بخلاف الأصوات اليومية المدينية، يدخل المكان عبر مادة تحمل علاقة مباشرة به، لكنها علاقة مرت عبر وسيط سابق. صوت المرأة لم يُسجّل للألبوم، بل عاش أولاً داخل فيلم، ثم اقتُطع من زمنه وأُدخل في زمن موسيقي آخر. تحيط بالصوت طبقات منخفضة وثقيلة، حتى يبدو كأنه يصعد من داخل الأرض. وليست البازلتية هنا استعارة نقدية فحسب؛ ثمة ثقل فعلي يسحب الأذن إلى الأسفل، ويضع الكلام تحت مادة أكبر منه.
"لجا" هي أكثر المقطوعات تماساً مع حكاية الألبوم المعلنة، ولذلك كانت مهددة بأن تكون الأكثر مباشرة. لكنها تتجنب ذلك لأنها لا تستخدم المرأة راويةً تشرح الفقد. صوتها يبقى جزئياً ومحاطاً، لا يسيطر على المشهد ولا يدعي تمثيل المنطقة كلها.
تأتي "حيطستي" بعدها كارتداد عصبي عن ثقل "لجا". يعود التقطيع الإيقاعي، وتزداد الحركة والسطوع، كأن الجسد يحاول استعادة قدرته على الفعل بعدما غاص في طبقات أرضية وأرشيفية. لكن الحركة لا تتحول إلى خروج. قرب النهاية، تُسحب الكتلة الإيقاعية، ولا يبقى سوى سطح خشن وترددات حادة.
ينتهي الألبوم بـ"زهراء"، لا بمرثية ولا بوداع يليق بكل ذلك البازلت. يدخل صوتٌ واثق أكثر مما ينبغي، ينادي ويعاتب ويمنع، لكن ميتش لا تمنحه منصة
وظيفتها داخل الترتيب أساسية، لأنها تمنع الألبوم من الغرق في مهابة "لجا". تعيد إليه اللعب والتوتر والعصبية، وتذكّر بأن الحداد ليس ثقيلاً وبطيئاً دائماً. قد يكون حركة بلا جهة، وطاقة تبحث عن مكان لتُصرف فيه ثم ترتد إلى صاحبها.
زهراء... لا تردّي
ينتهي الألبوم بـ"زهراء"، لا بمرثية ولا بوداع يليق بكل ذلك البازلت. يدخل صوتٌ واثق أكثر مما ينبغي، ينادي ويعاتب ويمنع، لكن ميتش لا تمنحه منصة. تعطيه إيقاعاً، وهذه ورطته الأولى.
المادة الأصلية ريل ساخر، وتحتفظ المقطوعة بمبالغته وميلودراميته الصغيرة. يتكرر الاسم: زهراء، زهراء، زهراء. في المرة الأولى يبدو نداءً، وفي الثانية أمراً، ثم لا يلبث أن يصير لازمةً لزجة، ترتدّ على صاحبها كلما حاول أن يبدو أكثر هيبة. الصوت الذي دخل ليحكم المشهد يجد نفسه محشوراً داخل دائرة مفرغة، يكرر سلطته إلى أن يستهلكها.
لا تدفن ميتش الكلام تحت طبقات ثقيلة كما فعلت في "لجا". ترفعه إلى الواجهة، تقطّعه، تعيده، وتتركه يبالغ من تلقاء نفسه. لا تحتاج إلى السخرية منه، من الخارج. يكفي أن تمنحه بضع دورات إضافية حتى يسقط في الكاريكاتور. ما كان يفترض أن يكون خطاباً غيوراً وآمراً، يصبح رقصةً صغيرة لشخص لا يدرك أن أحداً لم يعد يأخذه بالجدية التي يأخذ بها نفسه. و"زهراء"، لهذا السبب، ليست استراحة هزلية ملصقة بألبوم عن الحِداد. إنها تذكير بأن الذاكرة لا تحتفظ بالأصوات النبيلة وحدها. تحتفظ أيضاً بالمبالغات والنبرات السخيفة والسلطات المنزلية الصغيرة التي كانت تملأ اليوم، ثم صارت مضحكة حين أُخرجت من مكانها وأُعيد تشغيلها.
تكمن قوة "تنكة خضراء" في حساسية مؤلفته تجاه المادة الصوتية، وفي قدرتها على سماع الموسيقى في أشياء لا تقدم نفسها كآلات
بعد ألبوم أمضى معظم وقته ممسكاً بغضبه، تسمح ميتش لنفسها أخيراً بأن تضحك، لكن من طرف فمها. لا تمنح الخطاب المتسلط كلمة الختام. تمنحه إيقاعاً، وتتركه يرقص فوقه حتى يفقد وقاره.
ذاكرة بلا فولكلور
تكمن قوة "تنكة خضراء" في حساسية مؤلفته تجاه المادة الصوتية، وفي قدرتها على سماع الموسيقى في أشياء لا تقدم نفسها كآلات: ضجيج جهاز، وتسجيل يومي، وكلام قديم، وخلل إيقاعي، ورنين جسم معدني. لكنها شديدة الوفاء لهذه الحساسية إلى درجة تتحول معها أحياناً إلى قيد.
يتكرر البايس الثقيل والتشويه والتدرج البطيء بين الكثافة والفراغ. وحين تعثر ميتش على علاقة ناجحة بين العينة الصوتية والطبقة الإلكترونية، لا تدفعها دائماً إلى حد الانهيار. ثمة حذر في الألبوم، وخشية من أن يؤدي التوسع إلى إفساد هشاشة الفكرة. تجعل هذه المحافظة بعض التراكات أقل استقلالاً مما توحي به أسماؤها. لكن ترتيب المقطوعات يمنح التشابه وظيفة. في النصف الأول، يُصنع الغضب من داخل الآلة: النبض والبايس والغيتار والتشويه. ثم يبدأ النصف الثاني بتفريغ الكتلة، وإدخال الكلام والأصوات المقتطعة من الحياة والأرشيف.
ولا تحتاج ميتش إلى مقام معلن أو آلة تراثية كي تثبت علاقتها بمنطقتها. كان استخدام هذه العلامات سيجعل الأمر أسهل مما ينبغي، ويمنح المستمع مكاناً جاهزاً يستطيع التعرف إليه واستهلاكه. انتماء الألبوم لا يتحول إلى فولكلور أو بطاقة منشأ. المكان موجود في سواد البازلت وخضرته، وفي أسماء لا نعرف قصصها، وفي صوت المرأة الآتي من فيلم، وفي المسافة بين الحياة الراهنة في المدينة والمكان الذي لم يعد ممكناً الرجوع إليه.
لا تعيد ميتش بناء ضيعتها. تعرف أن أي إعادة ستكون ديكوراً لذاكرة لم تعد تملك بيتاً.
الميزة الأهم في "تنكة خضراء" أن ميتش لا توحّد الزمنَين ولا المكانَين: هناك مكان غائب، وهناك حياة تستمر في مكان آخر، وهناك موسيقى تحاول بناء علاقة بينهما من دون أن تدعي رأب المسافة. لا تعيد ميتش بناء قريتها. تعرف أن أي إعادة ستكون ديكوراً لذاكرة لم تعد تملك بيتاً. إنها تلتقط، بدلاً من ذلك، ما تسمعه الآن: آلات وأجهزة وضجيج وأصوات عابرة. تضع فيها غضباً جاء من هناك، وتضغطها حتى يتغير شكلها. مسقط رأسها لا يدخل "تنكة خضراء" بأصواته، بل يرنّ في كل ما لم يكن منه.




