عاشقة القمم والأعالي متسلقة الإرادات والمستحيل.
أي اندفاعٍ جرفك منذ الصبا العماني الجبلي لقهر الذرى العصية؟.
مَسكن النسور والجوارح وعرين أحلامها.
قبل أن يذهب بها الطموح والحلم الشاق لمعانقة وتسلق الايفرست، أعتى الذرى وأصعبها على وجه الأرض والتي لا يغامر نحوها إلا من بلغ أقصى حالات التحدي بأنسنةِ وحشِ الطبيعة الأسطوري بكل تجليات هذه الطبيعة وطقوسها الصقيعية الباردة أو الجرداء المرتفعةِ القحالة والحرارة. قبل أن تصل إلى قمم الايفرست، كانت العمانية نظيرة الحارثي قد جابت جبال عمان ومرتفاعتها طولاً وعرضاً منذ صباها في الواقع والمخيلة، أخذها هوى المغامرة والاقتحام لتضاريس طبيعة بلادها وكأنما احتشد في رأسها المغامر وأعماقها ذلك اللاشعور الجمعي للطفولات العمانية الجبلية. فكل عماني عبر تاريخه الموغل في القِدم وُلد ونشأ بين هذه الأطواد والأوابد في مناطق الداخل الحجري أكثر. فهناك من ولد ونشأ على شواطئ البحر والمحيط فكان مغامراً صوب مجهول البحار، متسلقاً لأمواجها العاتيه في الليالي المدلهمة للخطر والموت.
نظيرة الحارثي كانت التجسيد الحي الباقي من أولئك الأسلاف الذين خاضوا مغامراتهم الوجودية الكبرى بأشكال مختلفة من الاندفاع والتلقائية في التاريخ. التجسيد الأسمى لمعايشة الخطر وافتراس الهواجس في اللحظة المحتدمة بالاحتمالات الصعبة المرة. وكما عبّر الفيلسوف الألماني نيتشه "عِش في خطر" أي أن الحياة التي تستحق أن تُعاش ربما تلك التي تكون في قلب القلق والخطر والمغامرة سواء الحياة الواقعية أو حياة الفكر والأدب. الحياة الحِدّية على الحافة دائما، حافة الجبال والتصور والكون. رحلت نظيرة الحارثي وهي تخوض مغامرتها الكبرى مع كبار متسلقي ومغامري العالم، الكبرى والتي شاء القدر مع الأسف أن تكون الأخيرة تاركة كل هذا الألم والحزن يغلف الجبال العمانية وجبال العالم ويحتل الوجدانات البشرية والقلوب. وقد كانت قبل منازلتها الملحمية الأخيرة هذه قد تسلقت إحدى قمم الايفرست ورفعت شارة أو عَلما باسم زميلها المتسلق العماني الذي رحل قبلها عن نازلة مرض مفاجئ (خالد السيابي).
والعزاء كل العزاء لعائلتها وأقاربها ومعظم من نعرف منهم أهل إبداع وكتابة وثقافة وتاريخ من أختها الكاتبه أزهار الحارثي حتى الكاتبة الشهيرة جوخة الحارثي والكثير الكثير ممن لا تسع هذه الأسطر العجلى إلا أن تذرف مدرار الدمع معهم على روح الراحلة التي هي بنصاعة وبياض ذلك النهر الجليدي وتلك الثلوج التي أودت بحياتها مع رفاق الرحلة من جهات العالم. وهنا تكمن المفارقة المرعبة للطبيعة بقدر ما فيها من نصاعةِ براءة، حبٍّ واطمئنانِ ملاذ بقدر ما تختزن من موت وتدمير. الرحمة على روحها الطاهرة.
"كل هذه الذرى
ولا أحد
تركله رغبة الصعود إلى جبل"




