بين مولده قبل مائة عام، وبالتحديد في الثالث من آب/ أغسطس 1926، ورحيله في السابع والعشرين من تموز/ يوليو 1980 عاش الفنان رشدي أباظة حياة مضطربة على المستوى الشخصي رغم النجاحات الفنية التي كان يحققها لا سيما بعد تحوله إلى فتى أول عقب النجاح الطاغي الذي صادف فيلمه الشهير "الرجل الثاني" العام 1959 من إخراج عز الدين ذو الفقار، فمنذ مولده لأب ينتمي إلى العائلة الأباظية ذات الأصول العريقة، وأم إيطالية لم تنل رضاء الأسرة، عاش الطفل رشدي سعيد بغدادي أباظة طفولة غير مستقرة بين بيت الام التي تم تطليقها قهرا وبيت الأب حيث التقاليد الصارمة، وصولا إلى نهايته المأسوية مصاباً بسرطان المخ في تجربة إنسانية كانت شديدة القسوة على الرجل الذي كان مضرب المثل في الفحولة والقوة والجاذبية، ومن بين هذه الفصول المضطربة من حياته كانت زيجاته المتعددة بكل ما فيها من صخب وضجيج وأحداث مثيرة، لكن أكثر تلك الزيجات غموضاً وإثارة كانت من الفنانة صباح والتي دارت تفاصيلها بين القاهرة وبيروت.
نحن الآن في أيار/ مايو 1967، ونُذر المواجهات العسكرية بين العرب وإسرائيل تصم الآذان، وتدفع الكل إلى ترقب ما يحدث في المنطقة العربية، فإسرائيل تواصل تصعيد لهجتها ضد سوريا، ومصر تؤكد دعمها المطلق للموقف السوري، ما يعني دخولها على خط المواجهة، حتى جاء الخامس والعشرين من أيار 1967، ليتخذ الرئيس عبد الناصر قراره بإغلاق مضيق تيران في وجه الملاحة الإسرائيلية. عند هذا القرار تأكد الجميع من أمرين، أولهما أن مصر عبد الناصر التي كانت في حالة عداء مع الدولة العبرية، كانت تسمح -دون أن تعلن- لإسرائيل بالعبور في مضيق تيران في طريقها من وإلى ميناء إيلات، الأمر الثاني - وهو الأخطر- أن هذا الإغلاق كان بمثابة إعلان حرب، ودخول مصر في مواجهة فعلية مع إسرائيل، وهو ما تحقق بالفعل بعد عشرة أيام فقط حين هاجمت القوات الإسرائيلية كلًا من مصر وسوريا والأردن في آن واحد في التاسعة من صباح الخامس من حزيران يونيو 1967، لتقع الهزيمة التي لا نزال نعاني آثارها حتى اليوم.
أما في لبنان المتاخم لحدود فلسطين المحتلة، والتي لا تبعد عن خط المواجهات السورية الإسرائيلية سوى بضعة كيلومترات، فقد كانت – حتى ذلك الحين على الأقل - تعيش وضعا أفضل نسبيا وأكثر هدوءاً، وتسير الأمور فيها سيرها الاعتيادي تقريباً، بما في ذلك استوديوهاتها التي كانت تشهد نشاطاً فنياً ملحوظاً، واحد من هذه الاستوديوهات كان يجري به تصوير فيلم لبناني عنوانه "إيدك عن مراتي"، من بطولة صباح، ورشدي أباظة، وإبراهيم خان، ومن إخراج رضا ميسر، وتوزيع تحسين القوادري. وفجأة طيرت الصحف من لبنان خبرًا صادمًا بزواج كل من رشدي أباظة وصباح بطلي الفيلم، على الرغم من أن رشدي كان حتى ذلك الوقت زوجًا سعيدًا لسامية جمال التي تركها في القاهرة ترعى ابنته (قسمت) من زوجته الأميركية، وتنتظر عودته بلهفة بعد انتهاء ارتباطاته الفنية في بيروت. في البداية ظنها الجميع مجرد فرقعة إعلانية للفيلم الجديد اعتاد عليها صانعو الدعاية السينمائية، لكن سرعان ما تم التأكد من صحة الخبر، وأن رشدي وصباح قد أصبحا بالفعل زوجين شرعيين.
وفي تقديري فأن زواج رشدي أباظة وصباح، هو من أغرب زيجات الوسط الفني وأكثرها إثارة، على عكس ما هو متداول، فالشائع منذ ذلك الحين، والذي عاشت عليه الصحافة ومقاطع "يوتيوب" حتى اليوم أنه في صبيحة اليوم التالي للزواج، سافرت صباح إلى المغرب لإحياء بعض الحفلات هناك، فيما بقي رشدي في بيروت يستكمل تصوير الفيلم، وبعد أيام شعر الاثنان بخطئهما الفادح في حق سامية جمال، لا سيما وأن صداقة قوية كانت تربطها بصباح منذ مشاركتهما معًا في فيلم "الرجل الثاني" فاتفق الزوجان الحديثان على الطلاق في هدوء احترامًا لمشاعر الزوجة الوفية سامية جمال.
لننظر أولًا في بيانات وثيقة زواج رشدي وصباح، والتي يهمنا فيها ثلاث معلومات: أولها أن كلا الزوجين من مواليد العام 1927، رغم أن بطاقة تحقيق الشخصية له – وهي الأدق والأصوب تؤكد أنه من مواليد العام 1926، الأمر الثاني هو تاريخ صدور وثيقة الزواج في السابع عشر من مايو 1967، من المحكمة الشرعية في صيدا بالجنوب اللبناني، قبل أيام من نشوب حرب حزيران، أما الأمر الثالث -وأظنه الأهم- هو النص صراحة على ديانة صباح، وأنها مسيحية مارونية، على الرغم من أنها كانت قد أعلنت إسلامها مطلع الستينيات في مصر وقت زواجها من المذيع أحمد فراج، وقد حكت لي السيدة منيرة أباظة أخت الفنان الكبير ملابسات هذه الزيجة، وقالت إنها كانت في ذلك الوقت تقيم مع شقيقتها زينب في مدينة صيدا بالجنوب، حيث كانت زينب متزوجة من رجل لبناني، وفي الثانية عشرة ليلًا من مساء أحد الأيام، فوجئ الجميع برشدي يدخل عليهم وفي يده صباح، ويطلب إحضار مأذون على وجه السرعة كي يعقد قرانه عليها، وعبثًا حاول الجميع إقناعه بأن هذا غير مناسب، وأنه لا يصح بحق زوجته سامية جمال الموجودة في القاهرة، وأنه من الصعب إحضار مأذون في هذا الوقت المتأخر من الليل، لكن رشدي كان مصممًا على الزواج في تلك الليلة مهما كان الثمن، وبالفعل نجح زوج شقيقتها في العثور على مأذون، وتم الزواج في تلك الليلة، وأضافت السيدة منيرة أن والدها حينما علم بالأمر في القاهرة غضب غضبًا شديدًا، وتبنى موقف سامية جمال، وتوجه إلى منزلها فور نشر الصحف المصرية خبر زواج رشدي وصباح، وعمل على امتصاص ثورتها، ولم تشأ السيدة منيرة الخوض في تفاصيل ما حدث بعد ذلك، على اعتبار أن بعض خيوطه لم تحدث أمام عينيها.
فما الذي حدث إذن؟
الذي حدث يصل إلى حد المفاجآت، لأنه بخلاف الصورة التي سعى إلى ترويجها كل من رشدي وصباح منذ أن وقع الطلاق بينهما، ومن بين هذه التفاصيل أو المفاجآت:
المفاجأة الأولى: سافرت صباح في اليوم التالي للزواج بالفعل إلى المغرب، ولكن بعد عودتها اكتشفت أنها لم تسجل وثيقة زواجها من رشدي لدى محكمة صيدا الشرعية، فرفعت دعوى أمام تلك المحكمة، تطالب بإثبات صحة هذه الزيجة، مؤكدة أن الزواج قد تم منذ خمسة عشر يومًا، وأن رشدي قد دخل بها، وهو ما أقره رشدي أمام المحكمة، فكان الحكم بصحة الزواج، وإصدار تلك الوثيقة المنشورة هنا.
المفاجأة الثانية: فور ذيوع الخبر، ثارت أسرة صباح ثورة عارمة، وأصرت شقيقتها سعاد تحديدًا على ضرورة الطلاق الفوري، مستنكرة زواجها من مسلم مرة أخرى، والمدهش أن صباح أذعنت لرأي الأسرة، وراحت تبحث عن حل تحصل به على الطلاق، فطلبت الوساطة أولًا من الفنانَين الكبيرين محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش، اللذين كانا يقيمان في لبنان في تلك الفترة، لكن الرجلين اعتذرا لها بسبب وقوع هزيمة حزيران، وعدم ملاءمة الظروف للحديث في مثل هذه الأمور، ونصحاها بضرورة تأجيل الحديث في مسألة الطلاق، لكن صباح لم تيأس وقامت بطلب الوساطة من المنتج والموزع السوري تحسين القوادري عند زيارته للقاهرة في أواخر حزيران من العام نفسه، وأنها على استعداد للتنازل له عن كافة حقوقها الشرعية، لكن رشدي رفض هذه الوساطة في البداية، ثم عاد وأبلغ القوادري أنه على استعداد للطلاق، بشرط أن تدفع له صباح مبلغ عشرين ألف جنيه بالعملة الصعبة، تعويضًا عن الأضرار المادية والنفسية، والخسائر التي تكبدها جراء هذه الزيجة، مؤكدًا للقوادري أن صباح وحدها تعلم هذه الأضرار التي يقصدها، قبل أن يكرر لوسطاء آخرين بعثت بهم صباح أن ما حدث له بسبب هذه الزيجة لا تعوضه أية أموال.
المفاجأة الثالثة: ظل ما كان يقصده رشدي أباظة من أضرار مبهمًا وغير معروف، حتى سنوات قليلة مضت قبل رحيل صباح، حين صرحت لأحد البرامج الفضائية بأنها خانت رشدي في فترة شهر العسل، مع أحد الأمراء العرب في المغرب، ردًا على خيانته لها على حد قولها.
المفاجأة الرابعة: على مدى عام كامل، فشلت كل الوساطات في الوصول إلى اتفاق بين الطرفين، ورفضت صباح شرط رشدي الخاص بالتعويض المادي، مؤكدة أنها كانت قد أقرضته عند وصوله إلى لبنان مبلغ 14 ألف ليرة، وأنه وعدها برده عند استلام دفعة من أجره، نظير مشاركته في الفيلم الذي يقاسمها بطولته، وأنها غضت الطرف عن مطالبته به بعد أن توطدت العلاقة بينهما، فكان رد رشدي أنه أهداها هدية قيّمة تفوق هذا المبلغ بكثير، يوم أن أقامت له حفلًا كبيرًا في بيتها، وأن هذه الهدية كانت محل انبهار الجميع، وهكذا وضح أن الجنس والمال قد أججا حالة العناد بين الطرفين، وتسببا في تمسك كل طرف بموقفه.
المفاجأة الخامسة: إزاء فشل كل هذه الوساطات، قررت صباح اللجوء إلى المحكمة الشرعية في صيدا لطلب الطلاق، وفي المقابل قرر رشدي أباظة اللجوء إلى محكمة الأحوال الشخصية في القاهرة، يطلب فيها صباح للدخول في بيت الطاعة، وحكمت محكمة صيدا لصباح بالفعل بالتفريق بين الطرفين على أساس ارتدادها عن الدين الإسلامي الذي كانت قد اعتنقته عند زواجها من المذيع أحمد فراج، وأن الشرع لا يجيز للمسلم الزواج من مرتدة، أما رشدي فقد ظل ينتظر حكم الطاعة في القاهرة رافضًا الاعتراف بهذا الحكم، وأوكل محاميه لبيب معوض لتولي الأمر أمام المحكمة في لبنان.
المفاجأة السادسة: أترك الكلام عند هذه المرحلة لمحامي الفنانين الشهير لبيب معوض الذي حكى لي تفاصيل ما حدث وقت أن كان بيننا مشروع لم يكتمل لكتابة مذكراته، حيث قال إنه طالب أمام محكمة صيدا بإلغاء حكم التطليق، واستمرار صحة هذه الزيجة، لأن (جانيت جرجس فغالي) الشهيرة بـ(صباح) قد تم إشهار إسلامها أمام موثق الجيزة في مصر، وقت زواجها من أحمد فراج، لكن القانون اللبناني لا يعتد بتغيير ديانة مواطنيه إلا بتسجيل الوضع الجديد أمام دائرة النفوس في لبنان، التي تشبه السجل المدني في مصر، الأمر الذي لم تفعله صباح، وعلى ذلك، فهي أمام القانون اللبناني لا تزال مسيحية الديانة، مارونية المذهب ولم تتحول إلى الإسلام، ومن ثم فزواجها من رشدي أباظة لا يشوبه صفة الارتداد عن الدين، وأضاف معوض أنه ارتكن أيضًا إلى أن الحكم بصحة الزواج كان أمام محكمة التمييز ذاتها التي أصدرت حكم التطليق، فكيف تحكم محكمة بصحة زواج ثم تحكم ببطلانه؟
وأكمل المحامي الشهير كلامه معي بأنه استشعر حساسية شديدة عند الوصول إلى نقطة التلاعب في الأديان، وعاد إلى القاهرة ليتمكن من إقناع رشدي بضرورة الارتكان إلى الحلول الودية، وأنه وجد استعدادًا جيدًا من جانب الفنان الكبير لإتمام الطلاق بهدوء ودون الاستمرار في القضايا المتبادلة، وهو ما تم بالفعل بعد نحو عام ونصف العام من المهاترات والمنازعات القضائية على خلاف ما روج له كل من صباح ورشدي أباظة.
الملفت أن الجهة الإنتاجية التي اتفقت مع صباح ورشدي أباظة على بطولة فيلم "إيدك عن مراتي"، الذي وقعت أحداث الزواج والطلاق أثناء تصويره في لبنان، كانت قد اتفقت معهما أيضًا على بطولة فيلم آخر، لكن حدة الخصومة بينهما جعلت الطرفين يقدمان اعتذارهما عن عدم إكمال مشروع الفيلم الثاني، غير أنه مع مرور الوقت وهدوء الأعصاب، عادت المياه إلى مجاريها بين رشدي وصباح، ليس هذا فقط، وإنما شاركا كذلك العام 1970 في بطولة فيلمين في مصر، أولهما فيلم "كانت أيام" أمام نادية لطفي وإخراج حلمي حليم، وهو الفيلم الذي غنت له فيه أغنيتها الشهيرة "بيقولولي توبي" من ألحان بليغ حمدي، أما الفيلم الآخر فكان "نار الشوق" إخراج محمد سالم، وهو الفيلم الذي قدمت فيه صباح ابنتها (هويدا) كممثلة، لتشارك الممثل الجديد -حينها- حسين فهمي بطولة الفيلم.
فماذا عن زوجته سامية جمال في كل ما حدث؟
في بداية الأمر طلبت سامية الطلاق كأي زوجة شعرت بإهانة في كرامتها وكبريائها، وهو ما رفضه رشدي تمامًا، مؤكدًا أن ما حدث كان مجرد خطأ يعمل على تداركه، وبعد أن هدأت ثائرة الراقصة الشهيرة، وتعهد والد رشدي لها بأنه سوف ينهي هذا الوضع الخاطئ، قررت استئناف علاقتهما الزوجية، لكن المشاكل بينهما لم تنتهِ إلى أن تم الطلاق الأخير -بعد عدة سنوات - في هدوء لافت. وعقب وفاة رشدي في السابع والعشرين من تموز/ يوليو 1980، فوجئت سامية بأنه قد كتب بوليصة تأمين باسمها، وبنى لها مقبرة بجوار مقبرته في الهرم، وأنه رصد لها أيضًا مبلغًا من المال لتؤدي به فريضة الحج، فهل كان يريد أن يكفر عن خطئه الفادح في حقها حين تزوج من صباح، أم أنه كان امتنانًا منه لكل مواقف سامية معه، ولا سيما رعايتها لابنته الوحيدة (قسمت)، أم للأمرين معًا؟




