هذه السنة هي مئوية الفنان رشدي أباظة (1926-1980) والذي لم یكرمه مهرجان سینمائي في بلده ولا في العالم العربي منذ رحيله في 1980. تربّع على عرش النجومیة والوسامة والموهبة. وقدّم للسینما 160 فیلماً وكان بينها أهم الأفلام المصریة. كان حالة خاصة في السینما المصریة لقب بـ"الدونجوان". انه أسطورة افلام الأسود والأبیض: رشدي أباظة.
وُلد رشدي سعید بغدادي أباظة في الزقازيق في عام 1926 لأب مصري كان ظابطاً في البولیس وأم ایطالیة هي تیریزا لویجي. درس في المدرسة المارونیة بحيّ الظاهر في القاهرة.
تقالید العائلة الأباظیة
عاش في طفولته ویفاعته صراعاً بین انفتاح والدته الایطالیة وتقاليد العائلة الاباظية الریفیة العریقة ذات الأصول الشركسیة. أدى كل ذلك إلى انفصال والدیه وزواج كل منهما، فطلب إلیهما إلحاقه بمدرسة سان مارك الداخلیة في الإسكندریة. كان شغوفاً بالریاضة وكمال الأجسام والبلیاردو، وفي التاسعة عشرة من عمره ترك المدرسة وعمل في شركة للغلال والحبوب، ثم في شركة قناة السویس، وحاول أن یؤسس مشروعاً تجاریاً، فاشترت له والدته أربع سیارات، فباعها وأسس متجراً لقطع غيار السيارات، وعلى الواجهة كتب "متجر رشدي أباظة لقطع غیار السیارات الأصلية". رغم جهوده، فشل المشروع ووجد نفسه في السهرات ولیل الملاهي ومعه صدیقیه عادل أدهم وعلي رضا، الباحثان أيضاً عن فرصة في عالم الفن. لم یجذبه العمل في الفن ولم يكن وارداً لديه. ولكن أثناء تواجده في أحد نوادي البلیاردو رآه المخرج بركات وعرض علیه دوراً في فیلم "الملیونیرة الصغیرة" (1948) مع فاتن حمامة. فشل الفیلم فقاطعه والده رافضاً أن یصبح ابنه سلیل العائلة العریقة ممثلاً. وواجهته والدته بحقیقة انه لم يُخلق لیكون ممثلاً، ولكن القدر سانده حین جاء المخرج الایطالي غوفریدو الساندرین إلى القاهرة وكان رشدي یتقن الایطالیة والفرنسیة والانكلیزیة والألمانیة والاسبانیة، ووقع عقداً معه لدور في فیلم "أمينة" وتقاضى عليه 500 جنيه. هذا الفيلم فتح له الباب لـ160 فيلماً من أهمها "الأسطى حسن" و"رد قلبي" و"جعلوني مجرماً" و"بحر الغرام" و"بور سعيد" و"تمر حنة" و"صراع في النیل" و"طریق الامل" و"كلمة شرف" و"جمیلة بوحرید" و"امرأة على الطریق" و"الشیاطین الثلاثة" و"في بیتنا رجل" و"لا وقت للحب" و"الرجل الثاني" (مع صباح وسامیة جمال وكان الأحب إلى قلبه) و"الزوجة 13" و"ایدك عن مراتي" و"أريد حلاً" و"كانت أیام" مع صباح ونادیا لطفي وفي الفیلم غنّت صباح من ألحان بلیغ حمدي "یانة یانة أبو تانة" و"عاشقة وغلبانه" و"النبي". وكان آخر أفلامه مع صباح "نار الشوق". وغنت له: "كل سنة وأنت طیب یا راجل یا طیب". لكن الفیلم الذي بثته في السینما كان "المؤامرة" لكمال الشیخ. والفیلم الذي نقله من رتبة البطل إلى النجم فكان "امرأة على الطریق". كان حضوره في ستوديو التصوير حيوياً وكان يلقّب بنصير العمال والفنيين لتواضعه وتباسطه معهم ومشاركتهم الطعام.
حمل رشدي أباظة وجهاً وسيماً أرستقراطياً، وعرف بعلاقاته الغرامية في السينما وخارجها، حتى أن الكتاب الوحيد الذي كتب عنه جاء عنوانه "الدونجوان"- أسطورة الأبيض والأسود - للكاتب أحمد السماحي، واعتبر فيه الكاتب أن رشدي أباظة كان يبحث عن امرأة تحتوي ألمه ولذلك تعددت علاقاته. ولكن هذا اللقب وحبه للخمر اثر عليه مما حمل بعض المخرجين إلى تفضيل غيره في ادوار تليق له وحده. ولا أزال اذكر صوب نهاية السبعينات انه اثار فضيحة في بيروت أثناء مقابلة تلفزيونية له مع الناقد السينمائي الراحل فريد جبر، حين سأله عن آخر مشاريعه. فأجاب وقد تعتعه السكر: "بدي ويسكي... بدي خبز" ولكن ماذا كان يريد فعلاً؟ وقد أجاب مرة على سؤال: "أنا في الحقيقة حائر لا اعرف قد يكون المجهول الذي ابحث عنه هو الاستقرار وقد يكون الحب".
نافس رشدي أباظة الملك فاروق خاطفاً حبيباته. من فلورانس إلى كاميليا. حتى انه قال غير مرة عن الملك فاروق انه "أشهر أبناء الذوات في مصر، ولكن لا يصلح ملكاً لأي عرش. العرش سجن وهو يحب الحرية". هذا الكلام نقلته الراقصة الفرنسية فلورانس إلى الملك. فردّ عليها: "سأعرف كيف أؤدب ذلك الوغد الاباظي".
وذات ليلة كان يجلس مع فلورانس فشعر بيد ثقيلة تهبط على كتفه فالتفت ليجد الملك فاروق مصوّباً مسدساً نحو رأسه. ساد الصمت لكن الملك وضع المسدس على الطاولة قائلاً: "هذا المسدس هدية مني لك حتى تستطيع الدفاع عن نفسك في المرة المقبلة". وأضاف:
"سأقتلك يعني سأقتلك". عاش تلك الفترة على أعصابه وأثناء تصويره فيلم "امرأة من نار" أمام فاتنة الشاشة كاميليا اشتعلت قصة الحب بينهما وكانت كاميليا على علاقة معروفة مع الملك.
بدأت ترده المكالمات الهاتفية بالتهديد وتشديد الشعور عليه بالمراقبة. لكن القصة انتهت بشكل مأسوي وذلك بوفاة كاميليا بحادث سقوط الطائرة عام 1950. انهار رشدي أباظة ودخل في غيبوبة مردداً اسم كاميليا. خرج من أزمته متابعاً أعماله الفنية وكان مهيئاً للعالمية.
ولكن، هل اضاء رشدي أباظة حقاً فرصته للعالمية؟
اشترك دوبلير للنجم العالمي روبرت تايلور في فيلم "وادي الملوك" وشارك في دور في فيلم "الوصايا العشر" للمخرج سيسيل دوميل.
وفي عام 1960 زار القاهرة المخرج البريطاني ديفيد لين وكان من المفترض أن يوقع عقداً معه لدور في فيلم "لورانس العرب" الذي كان يصوره في الأردن. ولكنه لم يحضر في الموعد المحدد وتمّ التعاقد مع النجم عمر الشريف وكانت انطلاقته نحو العالمية.
وهذا الموضوع كان سبباً لبرودة العلاقة مع عمر الشريف حتى وفاته.
تزوج رشدي أباظة ست مرات. زيجته الأولى كانت من المغنية الفرنسية آني برييه ثم تزوج الراقصة تحية كاريوكا. وتزوج من الأميركية بربارا وأنجب منها ابنته الوحيدة "قسمت". وطلقها ليتزوج الراقصة سامية جمال واستمر الزواج من 1962 حتى 1977. وتخلل هذا الزواج زواجه من الفنانة صباح لمدة أسبوعين. وتقول صباح انه الوحيد بين أزواجها الذي نافسها شهرة. وقبل وفاته بسنتين تزوج من ابنة عمه نبيلة أباظة. إلا أن طلاقه من سامية جمال ترك في نفسه جرحاً. قال لابن عمه حسين أباظة: "كدت انتحر ... يا حسين". وهو صرح غير مرة بأنه لم يحب في حياته سوى سامية جمال".
التقى عام 1966 بالفنانة نادية لطفي في فيلم "جريمة في الحي الهادئ". وبعد أربعة افلام معها نشأت بينهما صداقة حميمة وحب مختلف. وصارت نادية لطفي الأخت وصديقة العائلة الوفية والحاضرة دوماً في اللحظات المهمة.
عام 1979 وأثناء تصوير فيلم "بياضة" مع يسرا نشأت علاقة حب بينهما لكنه تراجع عنها بسبب فارق السن.
ولكن، ومع الظروف التي أحاطت بعلاقته مع النساء إلا انه كان يحب أن يكون مع العائلة وخاصة في "عزبته" على الطريق الصحراوي بين القاهرة والاسكندرية. ويحب أن يطبخ لضيوفه الإطباق الايطالية التي تعلمها من والدته. ويحب أن يرفع الكأس عالياً لكل أمر في الحياة.
كان لدى رشدي أباظة حلم تجسيد سيرة المطران ايلاريون كبوجي وظهر بصورة مرتدياً لباس المطران، ولكن لم تسعفه الظروف لتحقيق حلمه.
أثناء تصويره فيلم "الاقوياء" وهو آخر افلامه أحسّ بوجع في رأسه وسقط في احد المشاهد أمام عزّت العلايلي. وتبين انه ناتج عن ورم سرطاني. ولم يستطع إنهاء الفيلم وأكمله الفنان صلاح نظمي وقلد صوته الفنان احمد زكي.
سافر إلى لندن وخضع لجراحة عاجلة على يد الدكتور جون اندروز وعاد إلى القاهرة.
بعد أربعة أشهر تدهورت حالته الصحية ونقل إلى غرفة العناية المركّز في مستشفى العجوزة في القاهرة. وفي فترة مكوثه في المستشفى لم يرَ سوى شقيقه فكري وابنته قسمت والفنانة نادية لطفي. وكان يدخل في غيبوبة ثم يليها يقظة لفترة محدودة وفي واحدة منها قبَّل قدم حفيده ثم راح في غيبوبة عميقة. بقي في المستشفى 19 يوماً حتى وفاته في تموز 1980. أوصى بوضع نبات الحناء داخل قبره لأنه كان يؤمن بأن الحناء تسرع في تحلّل جسم الإنسان.
ومشى في جنازته في القاهرة أكثر من 200 ألف مواطن. عاش رشدي أباظة حياة حافلة بالفن والحب والاضواء. كان النجم الأول وقال عنه زميله فريد شوقي كان نجماً مميزاً من أول فيلم حتى آخر فيلم. وكان الدونجوان والمجنون والبرنس والذي يخاف على الممثل الذي أمامه وعلى الفيلم أن يسقط. ويخاف أن يفترسه القلق فيهرب تارة إلى مغامراته الغرامية وصولاً إلى غيبوبة الكأس أو ينغمس في شخصيات أفلامه.
تم تناول شخصيته في مسلسل عن السندريلا (2006) وآخر عن الشحرورة صباح (2011) وآخر عن تحية كاريوكا (2012). كما كتب حياته شقيقه فكري أباظة لمسلسل او فيلم لكنها لم يرَ النور.




