في مذكراته، قال النائب السابق وليد جنبلاط: "ميل لبنانيين للتقرّب من إسرائيل متجذّر في مشهدنا". وجنبلاط نفسه لم ينج من لقاء بشمعون بيريز في المختارة، وقال إنه لم يضيفه القهوة، وجرى اللقاء تحت عنوان مبعوث للاشتراكية الدولية، قبل أن يتضح لاحقاً عدم صحة ذلك. يومها كان جنبلاط مؤيداً لسوريا ولمنظمة التحرير.
في الكواليس، كانت كثيرة العلاقات بين لبنانيين (من كل الطوائف) وإسرائيليين، قبل اعلان دولة إسرائيل العام 1948، ونقل تفاصيلها بعض الكتب والمراجع، وتضمنت سقطات لفظية آثمة. وإذا كانت هناك شخصيات قد توقفت عن التواصل مع إسرائيليين بعد النكبة، فالبعض الآخر انتقل من المزايدة في دعم قضية فلسطين إلى التواصل مع إسرائيليين والتحالف معهم. وتؤكد الوثائق التي نشرتها صحيفة "هآرتس" أن علاقة إسرائيل مع بعض الأحزاب والشخصيات السياسية اللبنانية، بدأت في الخمسينيات. وتتحدث عن طائرة أرسلها شاه إيران، محمد رضا بهلوي، لشحن السلاح من إسرائيل إلى لبنان، دعماً لبعض الجهات اليمينية آنذاك في حرب 1958.
وتجددت العلاقات الإسرائيلية مع بعض اللبنانيين خلال حروب لبنان 1975–1990، وكان التنافس حاداً بين بعض الزعامات في التعامل مع إسرائيل من أجل غايات سلطوية وهيمنة، وضمن منطق الاستعانة بالاحتلال من أجل التفوق على شركاء الداخل، ومن أجل القضاء على الفلسطينيين والسوريين في لبنان.
وتعود إلى الواجهة سردية الماضي، بعد نشر صورة المصرفي ورجل الأعمال اللبناني أنطون صحناوي، على مائدة واحدة مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو. إذ أثار كشف صحافي إسرائيلي مأدبة عشاء أقيمت في واشنطن، جمعت نتنياهو والصحناوي، عاصفة من الجدل والغضب في الأوساط اللبنانية. وبحسب المنشور الصحافي الاسرائيلي، نظّم العشاء كل من الصحناوي، والمبعوثة الأميركية السابقة إلى لبنان مورغان أورتاغوس، وهي صديقة صحناوي أو عشيقته بعد انفصالها عن زوجها.
والصورة، في شكلها وتوقيتها، تدفع إلى قراءة تاريخها أو امتداداتها، والقصد هنا تاريخ الصور التي تجمع لبنانيين مع إسرائيليين. ومع أن شبح صورة الصحناوي متجذر في المشهد اللبناني، فقد صُدم البعض بالصورة لأنها مع نتنياهو بالتحديد الذي يُحمل مسؤولية استهداف المدنيين، وتدمير القرى والقبور، والنزوح وقتل الصحافيين. وقد أتت هذه اللقطة في خضم المفاوضات الغامضة بين لبنان وإسرائيل، وبعد امتناع الرئيس اللبناني جوزاف عون عن لقاء نتنياهو، رغم دفع من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفي ظل تصاعد الحملات من بعض الاعلاميين والسياسيين للمطالبة بالسلام والتطبيع مع إسرائيل والدعوات الساذجة إلى شرب البيرة في تل أبيب. ويقال إن الصحناوي يموّل جزءا كبيرًا من هذه الحملات، وكان، في ظهوره الأول مع أورتاغوس، أعلن دعمه لمتحف ضحايا الهولوكوست، وسبق أن اتُهم بالتطبيع إذ موّل فيلماً بعنوان "الصدمة" للمخرج اللبناني زياد دويري على خلفية تصوير مشاهد من الفيلم العام 2012 داخل أراضي إسرائيل، واستعانته بطاقم تمثيل وإنتاج إسرائيلي.
وصورة الصحناوي مع نتنياهو في واشنطن كأنها نتاج فريق يسابق مفاوضات السلطة ويريد فرض صورته عليها. هلّل بعض الإعلاميين اللبنانيين لها، ودعوا إلى إلغاء البند القانوني الذي يجرم التواصل مع العدو، معتبرين أن الصحناوي، صاحب النفوذ والعلاقات والشبهات المالية الكثيرة، "يعمل من أجل لبنان"، ومن أجل خلاص لبنان. ولم يحدد هذا البعض أي لبنان وأي خلاص.
العلاقات بين لبنانيين وإسرائيليين تحتاج مجلدات لتدوينها. وبما أن الحديث عن صورة الصحناوي، سنكتفي في عجالتنا بتناول بعض صور اللبنانيين مع إسرائيليين بالمختصر، مع ما تعنيه. ويتصدّر بشير الجميل المشهد، في هذا السياق. فتكشف المعلومات أن بشير اتخذ قرارًا العام 1976 بالتقارب مع إسرائيل. في العام 1981، كان اللقاء الأول لبشير مع وزير حرب الاحتلال أرئيل شارون الذي خطط ونفّذ الاجتياح الإسرائيلي لبيروت العام 1982. كان شارون برفقة وفد "الموساد" في زيارة إلى لبنان، جلس مع بشير لتناول العشاء في مطعم "البستان" في بيروت، حيث تناول شارون 12 طبقاً من الحمص. ومن باب المفارقة، اجتمع بشير الجميّل مع شارون 12 مرّة خلال حياته، لإبعاد المقاومة الفلسطينية وإيصال الجميل إلى رئاسة الجمهورية. ويختصر مشهد العلاقة كثرة الصور التي تجمع بشير وشارون، في أكثر من مكان، من شرفة البيت في بكفيا إلى غرفة العمليات.
عدا صور بشير - شارون وهي معروفة ومتداولة، هناك صورة داني شمعون الذي زار إسرائيل في آب/أغسطس1983، والتقى وزير خارجيتها آنذاك إسحق شامير. قيل إن شمعون أطلق مواقف لاذعة ضد الرئيس أمين الجميّل واتهمه بالتخاذل لعدم التوقيع على اتفاقيّة 17 أيار. والنافل أن الصراع كان شرساً وقاسياً بين بشير الجميل وداني شمعون حول من يحتكر العلاقة مع إسرائيل، ولم تكن مجزرة الصفرا التي ذهب ضحيتها العشرات من نمور شمعون إلا أحد تداعيات هذا الصراع.
وتبقى أشهر الصور تلك التي تظهر الجنرال ميشال عون في العام 1982، وكان وقتها برتبة عقيد، مبتسماً يصافح ممثل قيادة الجيش قائد وحدات الاحتلال الإسرائيلي التي أشرفت على حصار بيروت إبان الاجتياح واسع النطاق للبنان. وخلّد الصورة كتاب "حمائم الحرب" للمصور والرسام ستافرو جبرا. وردّ عون على نشر تلك الصورة، بقوله: "هذه الصورة ليست سراً، وقد نشرت ومثيلاتها كثيرات في الصحف اللبنانية والعالمية آنذاك، والتقطت أثناء الاجتياح الإسرائيلي إبان عملية استرداد مثلث قصر منصور الذي كان مقراً لمجلس النواب، والمحكمة العسكرية، وقيادة منطقة بيروت العسكرية، إضافة إلى المتحف الوطني، من جيش العدو". وبرر مقربون من عون الصورة بأنها كانت أشبه بأمر واقع، وكثرة تداولها يعود إلى أن عون عاد وتحالف مع حزب الله وصار يغطي سلاحه سياسياً، بعد سنوات من الحملات على السلاح غير الشرعي وتبني القرار 1559. وفي السياق، وافق حزب الله على التحالف مع عون رغم أنه كان يعتبره "حالة صهيونية".
لا ينتهي الحديث عن الصور، وهناك عشرات اللقاءات بين لبنانيين واسرائيليين، يُحكى عنها، لكنها ليست مؤرّخة بصُور، سواء أكانت سياسية أم استخباراتية. ثمة من قال إن طائرة إسرائيلية هبطت في بيت فلان، وهناك مَن نفى العلاقة مع الإسرائيلي، أو ذمّ الأخرين بأنهم عملاء، مع أنه استقبل إسرائيليين في بيته.
وهناك صور لجنود إسرائيليين من الطائفة الدرزية في دارة مجيد أرسلان، وهناك من نثر الرز على الجيش الإسرائيلي من بعض الشيعة، بزعم أنه يخلصهم من المقاتلين الفلسطينيين، وهناك صور لجمهور يحمل صورة الإمام موسى الصدر الذي قال إن "إسرائيل شر مطلق" جنباً إلى جنب مع سعد حداد المتعامل مع إسرائيل... باختصار، لبنان مستنقع الولاء للأغيار والاحتلالات.




