سومر شحادة يطرح سؤال الرقابة

سلمان زين الدينالسبت 2026/08/01
كتاب سومر
لطالما شكلت العلاقة بين المثقف والسلطة ثيمة روائية
حجم الخط
مشاركة عبر

لطالما شكّلت العلاقة بين المثقّف والسلطة ثيمة روائية، يعكف عليها الروائيون، ويقاربونها في رواياتهم، كلٌّ من موقعه، فتتعدّد المقاربات بتعدّد الروائيين، وتتنوّع الروايات بتنوّع المواقع، فالثيمات مطروحة في الطريق، كمعاني الجاحظ، والمعوّل عليه طريقة التقاطها ومقاربتها، ممّا يختلف من روائي إلى آخر. ولعلّ رواية "حكاية السيّد البرغي"، الصادرة عن دار الآداب في بيروت، للروائي سومر شحادة، هي إحدى أواخر تمظهرات هذه العلاقة. ذلك أنّ الأخير يرصد في روايته مسار علاقة بين رقيب وكاتب ومصيرها، في 143 صفحة، هي مساحة الرواية. فكيف يفعل شحادة ذلك، وما هي الوقائع المرصودة؟ وإلام تؤدّي عملية الرصد؟ الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها هي ما تتوخّاه هذه القراءة. 


مجرّد برغي
يُشكّل المقال الذي يقرأه موظف الإصلاحية الرقيب المنوط به قراءة الكتب والتوصية بنشرها أو منعها نقطة انطلاق الأحداث في الرواية، تترتّب عليها سلسلة من التداعيات، التي تفضي إلى نتائج معيّنة. ذلك أنّ المقال الذي يصف الرقيب بأنّه مجرّد برغي في آلة النظام، يتمّ استبداله حين يتآكل، يقلقل سكون الرقيب الذي يمارس مهنته في رقابة الكتب، منذ عشرين عامًا، فيعتبر أنّه المقصود به، ويروح يتقصّى المعلومات عن كاتب المقال الموقّع باسم ممدوح حدّاد ليبني على الشيء مقتضاه. ولعلّه، من المفيد الإشارة، في هذا السياق، إلى أنّ اسم ممدوح حدّاد مركّب من اسمي الروائيين السوريين ممدوح عزّام وفواز حدّاد، ركّبه الكاتب تحيّةً لهما، على ما أدلى به، ذات مقابلة تلفزيونية. 


عطر الليل
 خلال تقصّيه المعلومات عن كاتب المقال، يتبيّن له أنّه كاتب ابنته المفضّل، فيأخذ من مكتبتها  رواية "عطر الليل" للكاتب نفسه، ويشرع في قراءتها، فتفتح الرواية عينيه على عالم يجهله أو يتجاهله، هو عالم النظام الحديدي الذي يعتبر الموظّفين مجرّد براغٍ في آلته الحديدية، يستبدلهم بمجرّد تآكلهم، ويحكم على معارضيه بالملاحقة والموت، وهو ما ينطبق على النظام السوري السابق بامتياز. وبذلك، يستخدم شحادة تقنية تداخل الروايات، بحيث تحتوي روايته "حكاية السيد البرغي" على رواية إحدى الشخصيتين المحوريتين فيها، المعنونة بـ"عطر الليل". وتقوم علاقة جدلية بين الرواية المحتوية والرواية المحتواة، ويتحرّك السرد بين وقائع معيشة يعيشها الرقيب في بحثه عن الكاتب ممدوح حدّاد، ووقائع مقروءة يقرأها في رواية الأخير. ومن خلال الحركة المكوكية بين المعيش والمقروء، نقع على شخصيتين محوريتين، هما الرقيب والكاتب اللذان لا يعرف أحدهما الآخر. ومع هذا، تقوم علاقة غير مباشرة بينهما. تنطلق من نقطتين متباعدتين في بداية الرواية، ويتقدّم أحدهما من الآخر مع تقدّم السرد، ويلتقيان، في نهايتها، في منتصف الطريق. 


موظف الإصلاحية
 فمن جهة، ثمة موظّف إصلاحية، يراقب الكتب منذ عشرين عامًا، ويعدّ تقارير لمسنّنات الآلة موصيًا بنشرها أو سحقها، دون أن يشعر بتأنيب الضمير. وإذ يعثر، ذات صباح، على مقال في بريده، يصف موظّف الإصلاحية بأنّه "مجرّد برغي في آلة تسحق وعي الناس"،  يعتبر أنّه المقصود بالمقال، ويفقد استقراره النفسي، ويبدأ في البحث عن كاتبه ليبني على الشيء مقتضاه، حتى إذا ما علم من ابنته أنّه كاتبها المفضّل، وعثر في مكتبتها على رواية له، يقبل على قراءتها، لعلّه يضبطه بالجرم المشهود، ويرفع  تقريرًا عن كاتب المقال إلى الجهة العليا المعنيّة. غير أنّ حساب حقله لا يطابق حساب البيدر، فكلّما أوغل في عملية القراءة، يتغيّر موقفه من المقال شيئًا فشيئًا، ويغيّر رأيه من اعتبار المقال خطيرًا، واعتبار كاتبه مُرْبكًا، ولديه نوع من العنف، وقد يخفي ضغينة ضد النظام، في التقرير الأوّل إلى اعتبار المقال ليس خطيرًا البتّة، واعتبار كاتبه "مثالًا صادقّا للإنسان ذاتيّ الانضباط"، في تقريره ما قبل الأخير. 

 

والمفارقة أنّ الرواية المقروءة تجذب الرقيب إلى حقلها المغناطيسي، فيدخل حلقة الكاتب، ويُهيّأ له أنّ بعض المشاهد الروائية تنطبق على حياته الشخصية، فيتخلّى عن وشاحه الحديدي، ويتوجّس من إمكانية تآكله والاستغناء عنه، ويصبّ لعناته على الجميع، ويفتح عينيه على هشاشة وضعه الوظيفي، فيشارك الكاتب الخوف من الآلة والمسنّنات، ويدخل في حسبانه أنّ النظام يقرأ أفكاره، وأنّ الحساب آتٍ لا محالة، حتى إذا ما شارف على نهاية الرواية، يتحرّر من الأفكار في رأسه، ويتصالح مع نفسه، ويتقدّم باستقالته من الوظيفة متذرّعًا بأنّه لم يعد قادرًا على مواصلة عمله "بالكفاءة التي ترجوها الآلة"، فيتخفّف من عبء الوظيفة وسطوة الآلة وتهديد النظام. وبذلك، تحرّره الرواية من أوهامه، ويدرك، قبل فوات الأوان، كيف سرق النظام حياته، ويشعر بالسلام والحرية.


 نزوع إلى الحرية
 ومن جهة ثانية، ثمّة كاتب ينزع إلى الحرية، في ظلّ نظام "يُطبق على العيش، ويمنع أي قول أو سلوك يخالف قوائم التعليمات التي ينشرها بشكل دوري في إعلامه، ويجري تعميمها على نطاق واسع عبر تطبيقات الآلة المختلفة" (ص 23). ويدفع ثمن نزوعه طردًا من الجامعة، وهربًا إلى الجبال، ما يجعله يكره النظام، ويهرب إلى الكتابة لعلّه ينجو ممّا يحيط به.  ويكتب تداعيات معارضته عليه وعلى أسرته؛ فهو يشعر بالانسحاق والندم والعجز، وأمّه تموت قلقة عليه، وإخوته يتوجّسون منه، ففي ظل النظام الحديدي تتقدّم العلاقة بالنظام على العلاقة بالإخوة. وإزاء شعوره بالعجز، يقرّر الكاتب دراسة الفلسفة لتفكيك النظام، ويشهد على وصول البرابرة الذين أنتجهم، ويعمل في الدهان مع إخوته، ويمخر عالم الأفكار، على متن ذاته القلقة، ويعيش مغتربًا عن المجتمع الذي هو جزء منه.

 

وفي مواجهة هذه التحوّلات، يلجأ إلى تأسيس عائلة لعلّها تشكّل ملاذًا له من العداء للنظام والاغتراب الجماعي. وإذ تبوء محاولات الاعتراض، بأشكالها المختلفة، بالفشل، يقرّر، في خطوة مفاجئة، الخضوع للنظام، ويتقدّم بطلب للعمل في الإصلاحية، تتمّ الموافقة عليه. وهكذا، يلتقي الكاتب والرقيب عند النقطة نفسها، فيأتي الأول من المعارضة الإيجابية إلى الموالاة السلبية، ويأتي الثاني من الموالاة الإيجابية إلى المعارضة السلبية، ويشكّلان وجهين لعملة واحدة، من حيث الخوف من النظام والخضوع له، ويقعان تحت تأثير آلة النظام الحديدية، أحدهما من موقع المعارضة، والآخر من موقع الموالاة. وهكذا، لا ينجو أحد من براثن النظام الشمولي، سواءٌ أكان معارضًا أم مواليًا له.


هذه الوقائع تنتظمها ثلاثة أسلاك روائية، تتعاقب وتتداخل ضمن النسيج الروائي؛ الأوّل هو سلك الرقيب البرغي الذي يعهد الروائي برويه إلى راوٍ عليم، بصيغة الغائب. الثاني سلك الكاتب يروي حكايته بنفسه، بصيغة المتكلّم، باعتباره راويًا مشاركًا. والثالث سلك التقارير الاثني عشر التي يدبّجها الرقيب، بصيغة المخاطب / الغائب، ويرصد فيها تحوّلات الكاتب المراقَب، وتتدرّج من الإدانة في بداية الرواية إلى التبرئة في نهايتها. وهكذا، تقوم حكاية السيّد البرغي" على التعدّد في الأصوات الراوية، وأنماط التعبير، وصيغ الكلام. ويقوم الكاتب باستثمار هذه التعدّد، بطريقة مناسبة، فيأتي برواية تمتع قراءتها وتفيد.  
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث