من الدقائق الأولى للفيلم الوثائقي "رسائل من بغداد"، يبدو جلياً أنه ليس مجرد عمل عن شخصية تاريخية هي غيرترود بيل، المعروفة بلقب "خاتون العراق"، بل هو مرثية بأثر رجعي تربط بين الواقع المتشظي للعراق المعاصر وبين الأصول الاستعمارية لعملية تأسيسه.
تستبدل المخرجتان سابين كراينبوهل وزيفا أولباوم، البنية الوثائقية التقليدية التي تعتمد على صوت المعلق المحايد، بآلية الاعتماد على صوت بيل نفسها وأصوات معاصريها، عبر مقتطفات من رسائل شخصية ومذكرات ومراسلات دبلوماسية وسرية بريطانية وشهادات ممن عايشوها من العراقيين والعرب، وأصدقاء ومعارف لها من جنسيات أخرى. وبالإضافة إلى لقطات فوتوغرافية صوّرتها بيل أثناء أسفارها في الشرق الأوسط، يضم الفيلم مقاطع مصورة نادرة لبغداد والبصرة والقاهرة والجزيرة العربية وإيران من مطلع القرن العشرين.
ويزيد الفيلم على تلك المشاهد الصامتة، تعليقات من بيل بصوت الممثلة تيلدا سوينتون، ليمنح تلك المقاطع الأرشيفية تأويلاً ذاتيا وكولونيالياً، وينفي فكرة الأرشيف النقي. وعلى المنوال نفسه، يؤدي ممثلون أدوار الشخصيات التاريخية التي عاصرت بيل، ومن بينهم الملك فيصل ولورانس العرب، وهم يقرأون مقتطفات من الأرشيف بألسنتهم، بينما ينظرون إلى الكاميرا مباشرة. المزج بين الدرامي والوثائقي مع تقنية كسر الإيهام، يحض المشاهد على التعامل مع الأرشيف بحميمية، لكن بحرص. فالوثيقة هنا ليست أكثر من تراكم لأصوات فردية داخل أروقة السلطة، والتاريخي هو شبكة من العلاقات تتقاطع فيها عوامل كثيرة من بينها الاستعماري والجندري كما سنرى.
بيل هي المرأة الوحيدة في عالم يديره الرجال، وكما تخترق بادية الجزيرة العربية بشجاعة فائقة، تخترق أيضاً كواليس الخارجية البريطانية، مع احتفاظها بمنصب إداري متواضع، لكن نفوذها في الإدارة الانتدابية على العراق راح يتنامى، وفرضت رأيها على الجنرالات.
نتابع تلك المرأة العزباء التي فقدت حبيبَين بالموت، وهي تقع ضحية لوحدتها وطباعها الفظة. وفي الوقت نفسه، تساهم في صياغة دستور للعراق الحديث وترسم خريطته بمد خطوط مستقيمة واعتباطية على الورق (لاحقاً ستكون تلك الحدود نفسها خطوط صراعات لا تنتهي)، وتدفع من خلف الستار لتنصيب فيصل ملكاً على العراق، وتقوم بدور راعيته قبل أن يسقط في نظرها وتفقد اهتمامها به. وجدير بالذكر أن الفيلم يعرض تعليقاً لبيل تحبذ فيه خضوع العراق ذي الغالبية الشيعية لحُكم سنّي، حتى لا تتحول إلى ثيوقراطية، بحسب تعبيرها. تلك الفكرة الاستشراقية القطعية ستحدد مصير العراق، أو بالأحرى خرابه لأجيال لاحقة.
الإنجاز النسوي الفريد والمثير للإعجاب الذي حققته بيل في عصرها، لا يمكن فصله عن المنظومة الأبوية الاستعمارية لمطلع القرن العشرين. فتلك المرأة التي عاملها باستخفاف كثيرٌ من رؤسائها وزملائها في وزارة الخارجية البريطانية، أتيحت لها ممارسة مثل تلك السلطة الهائلة فقط على المشرقيين وبلادهم. في النهاية، لم تكن بيل متمردة نسوية، بل اليد الناعمة للسلطة الاستعمارية في العراق. وتكتمل التراجيديا الشخصية، بالتهاوي السريع لنفوذ بيل في الإدارة البريطانية، وعلى خلفية شعور بالمرارة والغبن، تلقي بطاقاتها كلها في مشروعها الأخير، وهو تأسيس متحف وطني للعراق. يشير الفيلم بشكل موحٍ إلى أنه المتحف ذاته الذي سيتم نهبه أثناء الغزو الأميركي للعراق، وكأن الدائرة التاريخية تكتمل وتغلق أقواسها باحتلال جديد.
يعيدنا "رسائل من بغداد" إلى ثنائية المعرفة والسلطة. فشغف بيل، عالمة الآثار والمترجمة والمصورة الفوتوغرافية، بالشرق وماضيه وبتحويله إلى مادة للدراسة، هو أيضاً أداة للسيطرة عليه وإخضاعه. لا يغرق الفيلم في التفاصيل التاريخية لتأسيس العراق الحديث، بل يكتفي بتقديم سيرة ذاتية لغيرترود بيل، تجسد الأسس الاستعمارية الهشة والمضطربة للدولة الحديثة في منطقتنا.




