"أمي وصديقاتها": جنى أبي مرشد تخدش "قوقعة" درزية كي نسمعهنّ

ريتا باروتاالخميس 2026/07/30
مسرحية جنى أبي مرشد
حجم الخط
مشاركة عبر

التقيت جنى أبي مرشد منذ سبع سنوات. حين رأيتها للمرة الأولى، قلت لها: "أنا بعرفك. بعرفك من قبل. بعرفك من غير حياة". وهكذا بدأت حكايتي معها بإحساس غريب بالألفة، لا يحتاج إلى زمن سابق كي يبرّر نفسه، وبمعرفة لا أدرك تمامًا من أين أتت. حين علمت، في ما بعد، بأنها درزية، ابتسمت وقلت لها إن ثمة شيئًا مخيفًا ومُطمئنًا في الدروز، في آن واحد. أحبهم وأخافهم، ذلك الخوف اللذيذ، خوف مَن يعرف أنهم يعرفون. يعرفون مِن أين أتيت، ويعرفونني. ربما لهذا السبب خفت قليلًا حين طُلب مني أن أكتب هذا المقال. خفت لأني أعرف جنى، وأذكر متى بدأ حلم هذه المسرحية. ولأني شعرت بأني، بطريقة ما، جزء لا يتجزأ من مشوارها معي، من دون أن تدري، وحولي، من دون أن تدري.

 

شهدتُ على مشروع "أمي وصديقاتها"(*) في مرحلته الكتابية الأولى. كنت أسمع جنى تردّد، على الرايحة والجاية: "هيدول القصص حدا لازم يخبرن. هيدول القصص لازم قولن". لم تكن الجملة حينها إعلانًا عن مشروع مسرحي مكتمل. بل بدت لي أقرب إلى إلحاح داخلي يشبه الايتموتيف leitmotif، ترفض أن تصمت، صوت باطني -كما يعرفه أهل الباطن- لا يكفّ عن القول إن هؤلاء النساء لا يجوز أن يبقين مختبآت في الذاكرة ، وإن قصصهن لا بد أن تجد من يحملها إلى الخارج.

 

وهكذا، اتخذت جنى من مسرح "بيت بيروت" مكانًا أول لسرد هذه القصص. في عرض يمتد نحو ساعة ونيّف، تقف وحدها، ممثلة وحكواتية، حاملةً ذاكرة أمها وصديقاتها ونساء عرفتهن منذ طفولتها. تستعيد أصواتهن، وحركاتهن، وضحكاتهن، وأوجاعهن. تلبسهن، وهي تلبس المنديل الأبيض، وتفتح من خلالهن نافذة على حياة نساء الجبل ككل، وعلى ما يُقال وما لا يُقال داخل البيئة الدرزية. 

 

وعلى إيقاع رنيم البزري، ظلت الحكاية، كما جسدتها جنى وصوتها، العناصر الأساسية التي بُني عليها هذا العالم. والكثير من الصدق، والحرص، والألفة. هذا العرض صادق. ولأن الصدق غالباً ما يكون دافئاً، شعر كل من شاهد جنى وهي تتحول إلى أمها، وإلى نساء ذاكرتها، بألفة منديل يلفّه هو أيضاً، ويحتويه. 

Image-1785410798.Jpg

الدروز والقوقعة

لا يخلو الاقتراب من المجتمع الدرزي من شعور بأننا نقترب من قوقعة.  ليست القوقعة هنا حُكمًا على مجتمع بأنه مغلق، ولا وصفًا للاختفاء وحده، إنما صورة لآلية حماية طويلة: حماية السر، والذاكرة، والجماعة. لكن القوقعة، وهي تحمي، تحجب، جاعلة الكلام يدور في الداخل، تاركةً للخارج شذرات وإشارات وتخمينات. وقد يكون أكثر ما يثير الفضول في المجتمعات التي توصف بالمغلقة، هو ذلك الإحساس بأن كل شيء موجود، لكن شيئاً لا يُقال كاملًا.

 

يأتي عمل "أمي وصديقاتها" من داخل هذه القوقعة، من دون أن يقتحمها، ومن دون أن يزعم فضحها. لم يحوّل نساء الجبل إلى مادة غرائبية، ولم يعرض أسرارهن لإشباع فضول المتفرج، أو لتصوير مظلومية تراجيدية. جلّ ما فعله، هو أنه فتح فيها شقاً صغيراً، بما يكفي لنعبُر منه إلى حيوات لطالما بقيت في الظل.

 

تدعونا جنى، بهذا المعنى، إلى نوع من التلصّص. تلصّص الأذُن، لا تلصّص العين التي تريد انتهاك المستور. أُذنٌ تقترب من الباب لتسمع، لتصغي إلى ما قيل همساً، وما بقي عالقاً في المجالس والبيوت، وما مرّ بين النساء ولم يصل إلى الفضاء العام. نسمع عن الميراث والزواج والأولاد والذكورة والاختلاف والحرب والفَقد. نرى نساء خضعن وتمردن، صمتن وحكين، حملن الجماعة على أكتافهن، فيما بقيت حكاياتهن على هامش الحكاية الكبرى. ومن خلال خصوصية هذه البيئة، نكتشف، بفرح ممزوج بالحزن، أننا، نحن النساء، لا تختلف قصصنا كثيراً أينما كنا.

 

تتبدل أسماء القرى، واللهجات، وأشكال الممنوع والمسموح، لكن ثمة حكايات تتكرر: الأم التي تحمل أكثر مما تستطيع، المرأة التي يُطلب منها أن تحفظ البيت ولا تملك حقه، المرأة التي ورغم كل تفانيها، تُرمى كأي قطعة بالية، تلك التي تعرف ولا يُطلب منها الكلام، والتي تصير ذاكرتها ملكاً للجميع، فيما لا يعترف أحد بأنها صاحبة هذه الذاكرة.

 

ثقافة المنديل

يحضر المنديل الأبيض حضوراً كاملاً، وكأنه امتداد للأجساد التي حملته. فالمنديل عند الدروز، جزء من هيئة النساء، ومن ذاكرتهن الجسدية، ومن الطريقة التي يظهرن بها أمام أنفسهن وأمام الجماعة. يصمد على الرأس، يُعدّل، يسقط على الرقبة، أو يُطوى. هو علامة انتماء وحَدٌّ يفصل بين الجسد والعالم.

 

ليس المنديل تفصيلًا خارجيًا في عمل جنى أبي مرشد، لأنه يختزن ثقافة كاملة حول الستر والظهور، وحول ما تغطيه النساء وما تكشفنه. وما إن تضعه جنى حتى لا تعود قطعة القماش ملكًا لها وحدها، بل أثراً لأمها وصديقات أمها، ولنساء مررن في حياتها وتركن أشكالهن وروائحهن وحركات أيديهن في ذاكرتها.

 

لكن المنديل قد يحمل كذلك معنى الحصر. فالأشياء التي تغطي الرأس والجسد قد تمنح الأمان، وقد تتحول في الوقت نفسه إلى حدود. وبين المنديل بوصفه ذاكرة، والمنديل بوصفه قيداً، تتحرك جنى: تدخل الحكاية وتخرج منها، تكون في الداخل والخارج معاً، تنتمي إلى هذا العالم وتراقبه، تحبه وتُسائله. ٍ

 

سرد المرأة

ينتمي العرض إلى تراث الحكواتي، لكنه يقلب صورته المألوفة. فالحكواتي الذي اعتدنا تخيّله رجلًا يحتل وسط المجلس ويمتلك سلطة الكلام، يصير هنا امرأة تحمل حكايات نساء أخريات. لا تقف جنى لتروي مآثر الأبطال، هي التي ترعرعت وكبرت في ظل أخبار رجال "الضيعة"، مالكي المجلس والحكاية، مالكي المساحة كلها، ليبقى المطبخ مكان النساء. وقفت لتعيد الحياة إلى يوميات أمهات وصديقات وجارات، وإلى أحداث قد تبدو صغيرة أمام التاريخ، لكنها التاريخ نفسه بالنسبة إلى من عاشها.

 

حين تحترف المرأة السرد، تتخطى كونها مجرد موضوع داخل حكاية يرويها الآخرون، لتصبح صاحبة الصوت، مستعيدةً بذلك حقها في تسمية التجربة وترتيبها ومنحها المعنى. تختار من يدخل إلى المشهد، ومن يتكلم، وما الذي يستحق أن يُحفظ. فيتخطى السرد كونه مجرد وسيلة للتعبير، ويتحول الى فعل يعاد من خلاله توزيع السلطة داخل الحكاية نفسها.

 

فالسرد أبعد من أن يكون وعاءً محايدًا توضع فيه الأحداث؛ هو الذي يقرّر ما يُعدّ حدثًا أصلًا، وأين تبدأ الحكاية، ومن يحتل مركزها، وأيّ التجارب تستحق أن تدخل الذاكرة العامة. ولزمن طويل، صيغت الحكايات الكبرى حول الحرب والسياسة والبطولة من منظور جعل حياة النساء اليومية خلفيةً صامتة لها، بدلاً من أن يعترف بها مادةً تاريخية قائمة بذاتها.

 

لذلك يكمن التحدي في أن المرأة، حين تروي، تدخل في مواجهة مع شكل سردي صُمّم غالبًا لبطولة فردية، ومسار خطّي، وحدث علني واضح. أما خبرتها فقد تكون متقطعة، ودائرية، وجسدية، وموزّعة بين البيت والعائلة والانتظار والعمل غير المرئي. وعليها، كي تحكيها، أن تبتكر شكلًا يتّسع لما أهمله السرد التقليدي. وهنا تكمن قوة السرد النسائي: فهو يتجاوز إضافة النساء إلى التاريخ القائم، ويصل إلى تغيير مفهوم التاريخ نفسه. يجعل اليومي حدثاً، والذاكرة معرفةً، والعلاقات العائلية بنيةً اجتماعية وسياسية، ويمنح ما اعتُبر هامشياً القدرة على إعادة قراءة المركز.

 

الإصغاء كأداة نسوية

لهذا اخترت، في كتابتي عن العمل وعن جنى أبي مرشد، أن أمارس الإصغاء بوصفه أداة نسوية، أن أستمع إليها، إلى ضحكتها وصمتها، وإلى ترددها حين تبحث عن كلمة، وإلى دموعها حين تعود الحكايات أثقل من أن تمرّ بسهولة. أن أستمع إليها بمناديلها، وبذاكرتها، وبالمسافة التي تقف فيها بين الداخل والخارج.

 

لم أرسل إليها الأسئلة مسبقاً، ولم أمنحها وقتاً لتحضير الإجابات. أردت أن أعطيها مساحة للكلام، لا مساحة لإنتاج خطاب مكتمل عن نفسها. سألتها، فأجابت. توقفت، وضحكت، وترددت، وعادت إلى الجملة، واكتشفت أحيانًا ما تفكر فيه وهي تتكلم. لعله الشكل الأكثر انسجامًا مع "أمي وصديقاتها": أن أكتب عن جنى من دون أن أختزلها في موضوع جديد للسرد، وأن أفسح المجال لصوتها كي يحضر. فالحكايات التي تطالب بالإصغاء لا يمكن أن نستقبلها بكلام إضافي عنها وحدها. وسألتُها:

 

* هل انتهيتِ، أم ما زال لديك ما تقولينه؟

 

ما زال لديّ كلام. ما زال لديّ الكثير لأقوله. ربما لا يكون ما قيل حتى الآن سوى جملة، وربما مجرد كلمة. 

 

* هل أنتِ في الداخل أم في الخارج؟

 

أنا في الداخل والخارج معًا. أدخل وأخرج. ثمة مدّ وجزر في هذا المكان. انا أعيش فعلًا، في بعض اللحظات، حالة المدّ والجزر هذه. 

 

* متى أدركتِ أنكِ درزية؟

 

لا أعتقد أن الأمر يتحدد بزمن أو بعمر. إنه يحدث ونحن نعيش. أنا من جيل الحرب، وقد فهمت خلال الحرب أننا دروز، لأن هذا الكلام كان يُقال ويُتداول. أصبحت مسألة مَن نكون أكثر حضوراً ووضوحاً، وصار الحديث عن هذه الهوية أكثر كثافة. لكني، في الحقيقة، لا أعرف إن كنت قد فهمت فعلًا أنني درزية. حتى الآن لا أعرف.

 

* هل تتخيّلين نفسك بالمنديل الأبيض؟

 

لا. لا أتخيّل نفسي بالمنديل الأبيض، ولا بمنديل من أي لون آخر. أشعر دائمًا بأن الأشياء التي تغطي رؤوسنا وأجسادنا تحاصرنا.

 

* هل أنتِ ممثلة أم حكواتية؟

 

أنا كلتاهما. أنا ممثلة وحكواتية، وما زلت أكتشف هذا الجزء من نفسي. منذ طفولتي، كنت أمثّل وأقف لأروي الحكايات. وحين كنت صغيرة جدًا، كنت أؤلف وأكذب، طبعًا، لأن خيالي كان واسعًا، وكنت أتخيّل كثيرًا. كانت الحكاية حاضرة لديّ دائمًا، كأنها جاهزة. التمثيل والحكاية مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، لذلك أمارس الإثنين معاً.

 

* في ماذا تفكرين قبل أن تغمضي عينيكِ ليلاً؟

 

إذا كنا نتحدث عن هذه الفترة، فأنا أرى العرض في ليالٍ كثيرة قبل أن أنام. أرى النساء وأنظر إليهن، ولا أعرف ما الرابط بين رؤيتهن وبين لحظة النوم. أشعر في هذه المرحلة كأني عشت معهنّ خلالها أكثر مما عشت معهنّ طوال حياتي. هذا العرض يجعلني أفكر: ماذا بعد؟ أسأل نفسي كثيرًا: ماذا سيحدث غدًا؟ ما زالت هناك أشياء كثيرة يجب أن تُحكى وتُقال وتُنجز. نعم، أفكر في الغد.

 

* لمن هذه القصص؟

 

هذه القصص لمَن عاشوها، ولي أنا، ولمن يريدون سماعها، ولمَن ما زالوا يعيشونها، ولمَن تستطيع أن تمسّ حياتهم. هي لمن يعيشون على الهامش، ولمن يعيشون بيننا ولا نراهم، ولمَن لا نسمع أصواتهم، ولمن يصعب عليهم الكلام. وهي أيضًا لمن لا يعرفون، وربما لمَن يعرفون، حجم المعاناة، وحجم انعدام العدالة، وحجم المظلومية القاسية. هذه القصص لنا. لنا جميعاً.

 

* القهوة أم المتّة؟

 

بحسب اللحظة. كلتاهما، ولا أستطيع أن أختار بينهما. للقهوة طعمها، وللمتّة طعمها وطقسها. بين القهوة والمتّة هناك الرائحة والطعم والذكرى. وأنا أتحدث الآن، شممت رائحة الأشياء: رائحة القهوة، ورائحة أمي، ورائحة المكان، وروائح النساء اللواتي أحببتهن وعشت معهنّ.

 

* أين يقع الحب في هذا العمل؟

 

هذا العمل آتٍ من الحب. الحب حاضر في كل شيء فيه. هذه الحكايات جاءت من حالة حب، لأني أحب تلك النساء. أحببتهن حين كنت طفلة، وبقيت أحبهن حين كبرت. أسعدني أن يقول لي أحدهم: "جعلتِنا نحبهن". وأن يقول شخص آخر: "رأيتُ سليمة وتعرّفت إليها". وحين قال لي أخي: "رأيتُ أمي على المسرح، رأيتها"، أو قال لي أحدهم: "رأيتُ أمي وأخواتي وصديقاتي".

شعرت بأن الفترة التي قضيتها في التدريبات كلها كانت حالة حب. لكنه حب صعب. احتجت إلى وقت طويل كي أتجاوز الوجع والألم وأنا أتدرّب، وكي أستطيع قول ما أريد قوله من دون أن أنهار.

 

* هل تؤمنين بأنك ستعودين؟

 

يضحكني السؤال. نعم، أعتقد أننا لا نعيش حياة واحدة فقط، وأننا كنا في حيوات أخرى. لا أعرف كيف، أو أين، لكني أؤمن بأني سأعود. أؤمن بأن هناك حياة بعد الحياة، بل حيوات. لا أعرف كيف أو لماذا أو أين، لكن نعم، أؤمن، سأعود.

مسرحية جنى أبي مرشد

*ما الذي تغيّر بين ما قبل المسرحية وما بعدها؟

 

قبل المسرحية، كان هناك ثقل كبير. لا يعني هذا أن الثقل اختفى، لكنه صار يأخذ شكلًا وحجمًا مختلفين. كان هناك شكل من أشكال الصمت. شهدتُ صمت أولئك النساء، وشعرت بأني أنا أيضًا صمَتُّ. كان هناك اختفاء وغياب ولعبة من التخفّي، وشعور بأني أقف في الظل. لم أكن وحدي. كنت، من خلال علاقتي بهذه الحكايات، جزءاً من ذلك المستور. بعد المسرحية، تعرّفت من جديد إلى حياتي من خلال هذه الحكايات، وإلى جزء من عيشي وذاكرتي كنت أظن دائمًا أني أقف خارجه. 

ثم اكتشفت العكس تماماً: لديّ صلة قوية بالناس، وبالذاكرة، وبالمكان، وبالأشياء. بعد المسرحية، أصبحت أقوى، وأكثر ثقة وحباً وفرحاً. وشعرت بأني أمتلك شجاعة أكبر. أشياء كثيرة بدأت تخفّ عني. أنا أخفّ الآن. هناك أيضًا شغف كبير وتماهٍ مع شيء أكتشف نفسي من خلاله. أكتشف أموراً لم أكن أعرفها في داخلي، من خلال هذا العمل ومن خلال المسرح. صرت أشعر بالمعنى وبالحضور. لا أقصد حضوري الشخصي، بل حضور المعنى.

 

* هل ستروين قصصًا أخرى، أم انتهيتِ؟

 

سأروي قصصًا أخرى، وسأتكلم كثيراً. لم أتخيّل أن يصل صدى هذا العمل إلى هذا الحد. وصوله جعلني أفكر في أننا نتوهّم أحيانًا أن الكلام لن يغيّر شيئًا، وأن كل ما يمكن قوله قد قيل، وكل ما يمكن حكيه قد حُكي. لكننا لا نعرف. أحيانًا لا نعرف ما الذي يمكن أن يفعله الكلام. ما زالت هناك قصص كثيرة لم تُقل، وكلام كثير لم يُحكَ. سأُراهن على أن الصدى سيصل. وما يحدث الآن ليس سوى البداية، لكنه يثبت أن هناك صدى. لهذا سأكمل، وسأظل أروي القصص.

 

* إذا رويتِ القصة، هل يكون الموت قد مات؟

 

لا أظن أن الموت يموت حين أروي القصة. ربما أعود، من خلالها، لأتعرّف إلى الموت بصورة أخرى ومختلفة. خلال عملي على الحكايات، شعرت بأني أُحيي هذا الموت أكثر مما أتغلب عليه. كان هناك استرجاع وإعادة وتحوّل، واختبار جديد، ومقاربة مختلفة للموت.

 

* هل علينا أن نفضح أم أن نحكي؟

 

هناك شعرة دقيقة بين الأمرَين. حين نحكي، من المهم جدًا أن نحافظ على هذه الشعرة التي تصون الكرامة الإنسانية لكل ما نتحدث عنه. لا أعرف إلى أي حد يحق لنا أن نكشف كل شيء. حين نقرر قول الأمور، تبقى هناك خطوط حمراء يصعب تجاوزها، لأننا نفكر دائمًا في الموجودين، وفي الذين رحلوا. علينا أن نكون حريصين ومنتبهين. وقد عذّبني هذا الأمر كثيراً. كانت هناك أشياء كثيرة ينبغي أن تُقال، لكني كنت أزن كلامي دائمًا وأسأل نفسي: ماذا أقول؟ وهل سأؤذي، إن قلت هذا، الذين ماتوا أو الذين ما زالوا أحياء؟ أعتقد أن هذا الإطار يمكن أن ينضج مع الوقت والعمل، لكن علينا دائمًا أن نعرف ماذا نريد أن نقول، ولماذا، وكيف.

 

* هل الحديث عن الدروز موضة أم ضرورة؟

 

إنه موضة وضرورة معاً. لكنه في الحقيقة ضرورة، لأن هذا المكان ليس فيه الكثير من الكلام. كان الحديث دائمًا يجري على الحافة. وحتى ما أقوله أنا، ما زال على الحافة، ولم يصل بعد إلى العمق أو الجذر. الكلام ضرورة لأنه يحرّك الساكن، ويزعزع الجمود والركود اللذين اكتسبا طابعاً يوحي بأنهما نهائيان. وهذا لا يخص الدروز وحدهم، بل ينطبق على أماكن كثيرة. ثمة حاجة إلى هذا الكلام، خصوصًا أن عملًا يجري الآن، وانطلاقات وتغيرات تحدث. لذلك يصبح الكلام ضرورة. لماذا يجب أن تظل الأشياء جامدة، ما دُمنا نحن نتحرك؟

 

(*) بعد عرضه الأول في بيروت، يستعد "أمي وصديقاتها" لجولة تشمل صيدا ومنطقة الجبل. وتقدّم جنى أبي مرشد العرض في محطته المقبلة في الشوف، مساء السبت الأول من آب، الساعة السادسة مساء، في المكتبة الوطنية في بعقلين.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث