مروة الصابوني مهندسة معمارية من مدينة حمص، يصدر كتابها الثالث بالإنكليزية قريبا تحت عنوان "المسجد: قراءة معمارية في الشكل والإيمان والمعنى". لا يخرج في موضوعه عن الشأن السوري، الذي كرست له كتابيها السابقين، رغم أن عنوانه يوحي بأنها انتقلت إلى مرحلة أخرى من البحث، كونه يتناول الوظيفة الاجتماعية للمسجد، بوصفه قلب المدينة والمؤسسة الأولى في الإسلام، وينتهي بفصل عن إعادة إعمار سوريا، ويرى أن المسجد إذا أعيد بناؤه على أساس صحيح، يمكن أن يلعب دورا في إعادة بناء النسيج الاجتماعي، ومثالها في ذلك الجامع الأموي في حلب الذي يقع في وسط المدينة بجوار السوق القديم.
معمارية صاحبة رؤية جديدة في ميدانها، وذات صلة عميقة بالتطورات السورية، وخاصة في العقد الأخير الذي شهد ثورة السوريين على نظام ديكتاتوري لم تقتصر ممارساته على قمع السوريين، بل أشاع نمطا من العمارة كانت من بين الأسباب التي أدت إلى الحرب. ورغم أن الكتاب الجديد هو الثالث بالإنكليزية في سلسلة أعمالها التي كرستها لمفاهيم جديدة في العمارة السورية، فإنها لا تلقى شهرة في بلادها كالتي وجدتها بالإنكليزية واللغات الأخرى.
أخذت الصحافة العالمية تتحدث عنها منذ عدة سنوات، وخاصة الناطقة بالإنكليزية، فقد خصصت لها صحيفة الغارديان البريطانية تحقيقا مطولا، ونشرت صورتها على الصفحة الأولى للملحق حين صدر كتابها الأول في أيلول 2016. وقالت في تحقيق حمل عنوان "معركة امرأة لشفاء مدينتها حمص" إنه "بينما كانت القنابل تتساقط من حولها، بقيت المهندسة المعمارية السورية مروة الصابوني في حمص طوال فترة الحرب الأهلية، عاكفةً على وضع خطط لبناء الأمل وسط الدمار. ووصفتها بأنها معمارية كتبت عن إعادة بناء المدينة من داخلها، لا من المنفى. واعتبرتها بي بي سي عام 2019 من بين 100 امرأة مؤثرة. وفي تحقيق الغارديان الطويل يتحدث عنها الفيلسوف روجر سكروتون، الذي كتب مقدمة كتابها الأول، ويصفها بأنها واحدة من أكثر الشخصيات تميزاً التي التقى بها (افتراضي) على الإطلاق. وعن رأيه بكتابها إنه يرى فيه ليس مجرد "عمل لمفكرة عميقة"، بل هو أيضاً "تعبير عن روح جميلة تأتينا حاملةً... رسالة أمل".
ركزت الكتابات الغربية التي تناولت تجربتها على أنها زوجة مهندس من حي بابا عمر الشهير الذي انتفض مبكرا ضد النظام، وأم لطفلين؛ ولدت ونشأت في مدينة حمص التي شهدت بعضاً من أعنف المعارك. ومع ذلك، وعلى عكس الكثيرين، لم تغادر سوريا، وحتى مدينة حمص نفسها، إبان الحرب. أما المكتب الهندسي الذي كانت تديره مع زوجها في الساحة الرئيسة للمدينة القديمة، فقد أُغلق أبوابه على الفور تقريباً، إذ تحول ذلك الجزء من المدينة بسرعة إلى منطقة محظورة الدخول. لكن منزلها القريب نجا بأعجوبة وبقي سليماً، وظلت عائلتها آمنة بداخله، لكنها عاشت حالة حصار وإقامة شبه جبرية لمدة عامين، حيث شكلت هذه المنطقة خطوط تماس، تمركز على أبنيتها العالية قناصة من النظام، كانوا يتسلون بقتل البشر.
واللافت أن الصحيفة اعتبرت كتابها الأول "معركة من أجل الوطن" نبع جزئياً، من الحاجة إلى فهم كيف يمكن لمجتمعاتٍ كانت تنعم بالسلام أن تنحدر إلى ما تصفه هي بـ "المجزرة الوحشية". وقالت إن الكاتبة عن الهندسة المعمارية قد تقدم جزءاً من الإجابة؛ ففي عام 2010، كان تسعة ملايين سوري — أي ما يقارب نصف السكان — يعيشون في أحياء عشوائية ومساكن غير نظامية. وأضافت إن رؤية التاريخ يعيد نفسه أمرٌ يبعث على القلق، حتى قبل أن تنتهي دوامة العنف.
تجمع الكتابات من حول أعمالها الصادرة بالإنكليزية، وغير المترجمة للعربية حتى الآن، على أنها جريئة ومختلفة في مقاربتها للعمارة. ومصدر جرأتها أنها ناقشت وقدمت رؤية حول كيفية بناء المدن بعد الحروب، وهي ترى أن العمارة ليست نتيجة المجتمع فقط، بل قد تكون أحد أسباب انقسامه وتماسكه، فبطريقة أو بأخرى، كان ذلك هو السبب الذي أوصل سوريا إلى هذا الحال "إذ استبدلنا قيم عمارتنا الإسلامية الأصيلة بنمط استهلاكي مسرف، وفقدنا ذواتنا في خضم ذلك". وتعكس المعمارية السورية في كتبها وأحاديثها رؤية نقدية متكاملة لنمط العمارة الحديثة الذي باعد بين السكان على عكس التقليدي الذي قارب بينهم عن طريق تضييق المسافات والشراكات في تفاصيل الحياة اليومية. وفي رأيها تقتصر العمارة في الشرق الأوسط خلال القرن الحادي والعشرين -في الغالب- على نمطين اثنين: "نموذج دبي" الخالي من الروح والمُفصَّل على مقاس الأثرياء وحدهم، و"النموذج الإسلامي الزائف" الذي يتألف غالباً من كتلة مستطيلة يعلو سطحها المسطح قبةٌ وُضعت -أو لم توضع- فوقها "كما توضع القبعة".
تتطرق من زاوية مختلفة في كتبها لمسألة الترميم الذي قام به النظام السابق بعد استرجاع بعض المناطق من المعارضة المسلحة وخاصة الأماكن الأثرية في تدمر. وتقول إنه تم على عجل ولم يراع حياة الناس. ولا تشاطر الارتياح السطحي نوعاً ما لدى أولئك الذين يسارعون للإشادة بضرورة إعادة بناء المدن المدمرة فوراً باستخدام التكنولوجيا الرقمية. يعود ذلك جزئياً إلى أنها لا تستطيع إلا أن تفكر في السكان الذين يعيشون أوضاعاً صعبة. وفي كتابيها "معركة من أجل الوطن" و"البناء من أجل الأمل" الذين صدرا على التوالي بالإنكليزية 2016 و2021 تستعرض الدور الذي يمكن أن تلعبه العمارة في مستقبل سوريا من دون أن تخفي رأيها في أن البيئة العمرانية في سوريا ساهمت في تأجيج الحرب ذاتها نظراً لعيش أعداد كبيرة من الناس فيما يشبه "الغيتوهات" الطائفية، وأن على الحكومة تجنب تكرار هذا الخطأ عند الشروع في إعادة الإعمار.
صدر هذا الرأي قبل سقوط نظام الأسد، لكنه صالح وأكثر إلحاحا اليوم بعد أن تحررت سوريا من سلطة الدكتاتورية التي دمرت قسما كبيرا من العمران السوري التقليدي في المحافظات التي ثارت ضد النظام في دمشق وحمص وحلب ودير الزور وإدلب، كما أن العمارة التي عرفتها سوريا خلال حكم حزب البعث تعد بلا رؤية، وفقيرة وسطحية وقبيحة وشوهت الطابع الشرقي للعمارة السورية التاريخية عن طريق البناء السريع بالإسمنت المسلح الذي لم يراع الطابع المحلي، كما بنت السلطة غيتوهات طائفية تتجلى بصورة أكثر وضوحا في محافظة حمص مسقط رأس الكاتبة ومصدر تأملاتها، في وقت تعتبر "قوانين البناء عتيقة وتقييدية وتحد من الإبداع؛ ولا تخدم أحداً سوى العاملين في قطاع العقارات".




