كان يمكن لزياد الرحباني أن يعيش حياةً أكثر راحة. كان يكفيه أن يبقى موسيقياً. أن يكتب لحناً جديداً كلّ عام، أو مسرحيةً كلّ بضع سنوات، وأن يترك الزمن يتكفّل بالباقي. لم يكن يحتاج إلى أكثر من ذلك ليضمن مكانه في تاريخ الموسيقى العربية. لكنّ الرجل، على ما يبدو، لم يكن يثق بأنّ الفن وحده يكفي.
لربما من هنا تبدأ المفارقة التي حكمت سيرته كلّها. كان لزياد الرحباني ميلاً واضحاً لأن يكون له دورٌ آخر بعد وراثته للمشروع "الرحباني". الانطلاقة بعد الإرث الرحباني سمحت لزياد أن يرث لبنان البعيد عن التصوّر الرحباني الذي حاول مراراً هذا الثنائي صناعته على المسرح وفي المخيال الجمعي، في حين انتقل الابن للبحث عنه في السياسة.
انجذب الرحباني الابن مبكراً إلى السياسة. وبقيت هاجسه المعلن والمضمر حتى سنواته الأخيرة. أدخلها إلى مسرحه ولم يكتفِ بأن تكون نزوته التي فرضتها عليه الحرب اللبنانية. لربما كانت السياسة اللبنانية، في تهافتها، جزءاً من الطريقة التي فهم بها الفنّ نفسه، أو بتعبير آخر فكرته عن الفن وعن البلد نفسه.
هرب زياد في أغنياته من السياسة ولكنه في مساره الهارب كان دوماً يصل إليها. ويجعلها مكاناً للاشتباك مع البلد وأسئلته وتناقضاته. لعله من الساذج التذكير بأنّ الرحابنة حاولوا ونجحوا في كتابة لبنان الحلم، أو لو صحّ التعبير لبنان المقياس. لبنان الرحابنة الأوائل هو لبنان الكامل. بقراه ومواسمه وحكاياته وذاكرته ومستقبله الذي قرروا رسمه كما رأوه أو كما كان مخططاً له أن يكون.
وجد الرحباني الابن نفسه أمام لبنان خاص. لبنان يتداعى أمام عينيه. هكذا رأى الفكرة التي ورثها عن لبنان ولكنه حين محّص فيها كثيراً وجدها مختلفة في صورتها عن الصّورة التي وصلتهُ من الأبوين. هذه اللحظة قد تكون لحظته هو في السياسة ومحرِّكه الذي دارت عليه الأمور والقرارات والمواقف الإشكاليّة الكثيرة.
بحث زياد، طوال الوقت، عن أثره الخاص الذي يريد من خلاله أن يتجاوز الأثر الفني. وكأنّ رداء الفنان الذي فيه وبعد كلّ ما أنجزه موسيقياً ومسرحياً لم يكن كافياً لصناعة اللحظة التي يريدها. لهذا، وحتى سنواته الأخيرة ما انفكَّ يحاول التفكير بإطارٍ سياسي جديد. "كوليكتيف" وكأنّ الرجل الذي غيّر وجدان اللبنانيين ظلّ مقتنعاً بأنّ مشروعه للتغيير الحقيقي لا يمكن أن يكون مقنعاً على خشبة المسرح، خارج صورته في المجال العام نفسه.
كان يمكنُ لزياد الرحباني أن يخرج من "سوسة" السياسة. إذ لم يبقَ من معظم السجالات التي خاضها سوى ما يتراكم في الأرشيف. بعد سنة على غيابه، يصعب العثور على انتصارٍ سياسي يحمل اسمه. كلّما أنهى مسرحيةً، كان يعود إلى النقاش العام وكأنّه يبحث عن وسيلةٍ أخرى لتغيير البلد. ظلّ يحاول أن يجد شكلاً للعمل السياسي، كأنّ نجاحه في الفن في صورته المعكوسة يحمل شيئاً من الهزيمة التي كانت تؤرقه. هزيمة البلد وتداعيه ولربما فكرته!
أعاد الزمن ترتيب حياة زياد على طريقته الخاصة. الرجل الذي لم يُرد أن يُختزل بالفن، أعاده التاريخ إليه. احتفظ بالموسيقى والمسرح ولم يعر اهتماماً بأي شيء آخر. يمكنُ للرحباني الابن أن يكون قد أخطأ في رهاناته السياسية وهذا دأب الجميع في رهاناتهم. وقطعاً هنا، ليس المقصود من ذلك إصدار حكمٍ متأخّر على خياراته السياسية، ولا المفاضلة بين الفن والسياسة فشتان بين الأمرين.
لربما السياسة التي أغرت زياد تتجلى في قدرته الخانقة على عدم احتمال المسافة بين ما يكتبه للناس ومنهم وبين ما يعيش اجتماع هذا البلد وأهله. فالرجل أمضى حياته محاولاً منح السياسة شيئاً من عصب فنه وقوته، لكن الزمن في كلمته الفاصلة كان يقول له شيئاً آخر.
سنة على غياب زياد، ونحن نعودُ إليه. في شخصياتنا/ته المهزومة، وضحكته/نا اللئيمة الساخرة التي تعيدنا إلى أنفسنا حزانى وسالمين. سنة مرّت، تدفعنا إلى النظر في المفارقة التي لم يكن زياد ليرضاها. زمنه لم يتعامل معه كما أراد. احتفظ بألحانه وبشخصياته، وكأنّ زمنه في لعبته النهائية، أعاده إلى المكان الذي حاول طويلاً أن يغادره. سنة على غياب زياد، ولا سياسة تكفي لتفسير زياد الرحباني، لكنّ الابن الرحباني "الأرعن" في روحه وقلبه ورؤيته ما زال، إلى حدّ بعيد، يكفي لتفسير كثير من أحوال هذه البلاد وأهوالها.




