في الصورة التي التقطت عند إعلان ولادة لبنان الكبير 1920 في قصر الصنوبر في بيروت، يظهر الجنرال غورو وسط البطريرك الياس الحويك ومفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا، ويظهر المتصرّف نجيب بيه أبو صوان وهو يخطب مرحّباً بالجنرال الفرنسي في بداية الاحتفال.
والحال أن البطريرك الحويك الذي عاد إلى مسقط رأسه حلتا البترونية طوباويا وسط الزغاريد وقرع الأجراس ونثر الأزهار، في زمانه كان بحسب مدوني سيرته، سعى إلى حسن تطبيق الانتداب وعدم تحويله شكلاً من أشكال الاستعمار، وإلى وضع قانون أساسي موافق للبلاد ولطموحات أبنائها وطوائفها في المضمون والشكل كما في طريقة نصه. وطالب السلطات الفرنسية بعدم التدخُّل في الشؤون الدينية واحترام الخصوصية اللبنانية وعدم إدخال أفكار أجنبية إلى لبنان لا تتلاءم وواقعه. وأكد في الوقت نفسه على المحافظة على هيبة فرنسا واحترامها. وهو بقربه من الفرنسيين، لعب دوراً رئيسياً في إعلان لبنان الكبير، ولهذا مساره ومحطاته، ففي زمن متصرفية جبل لبنان، انتُخب إلياس الحويك بطريركاً في مطلع العام 1899 في بكركي، وزار في 1905، السلطان عبد الحميد، الذي قلّده وساماً رفيعاً. وبعد سنوات حاول جمال باشا "السفّاح" نفيه لكنه فشل. ثم طلب منه الحضور إلى مقره في صوفر يوم 13 تموز 1915. لكن اللقاء تمّ يوم 21 تموز وتناول في شكل أساسي علاقة الكنيسة المارونية بفرنسا. وفي أيار 1916، وبعد إعدامات بيروت ودمشق، طلب جمال باشا لقاء البطريرك مرة ثانية. ثم اتهمه بالوقوف وراء مقالات صدرت في الصحف الفرنسية عن محاولة إبادة اللبنانيين بواسطة المجاعة. طلب لقاء البطريرك مرة ثالثة في بحمدون خلال تموز 1917، وسأله المكوث في بحمدون فترة من الزمن. فأقام فيها من 25 تموز حتى 14 آب 1917. وفي بداية 1918، احتجز جمال باشا البطريرك في قرنة شهوان وكان يعمل على نفيه. ثم أطلقه بعد تدخُّل الفاتيكان وإمبراطور النمسا.
شهد الحويك نهاية الدولة العثمانية، وسافر في 1919 إلى باريس حيث حضر مؤتمر الصلح، حيث حمل مطلب اللبنانيين بإنشاء دولة مستقلة تتمتع بحدود تضمن لها مقومات الحياة والاستمرار. هذا المطلب أمام رئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمنصو. وكان الحويّك مقتنعًا بأن متصرفية جبل لبنان بصيغتها السابقة لا تملك الموارد الكافية للعيش، لذلك طالب بضم السهول الزراعية في البقاع وعكار، إضافة إلى المدن الساحلية والمرافئ الرئيسية.
وبعد أشهر من الجهود الدبلوماسية، أُعلن قيام دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول 1920، ليُسجَّل اسم الحويّك كأحد أبرز مهندسي هذا الكيان الجديد، وليحمل لقب "أب لبنان الكبير".
أتمّ الحويك مسعاه مع إعلان نشوء هذه الدولة في أيلول 1920. هكذا امتدّت حدود لبنان الصغير، لتشمل صيدا وصور ومرجعيون وطرابلس وعكار والبقاع مع أقضيته الأربعة، وباتت بيروت عاصمة لهذه الدولة التي حملت علماً مماثلاً للعلم الفرنسي بألوانه الثلاث، الأزرق والأبيض والأحمر، إضافة إلى أرزة في الوسط. "رفضت الحركة الوطنية السورية وأنصارها في لبنان، الاعتراف بالكيان اللبناني الناشئ، ودخلت المنطقة في صراع داخلي استمر حتى مطلع الثلاثينات حين اشترطت فرنسا على الحركة الوطنية السورية الاعتراف بالكيان اللبناني قبل التوقيع على معاهدة تقرّ فيها باستقلال دولتي سوريا ولبنان"(بالاستاد لمقالة لمحمود الزيباوي).
في مطلع 1929، في الذكرى الثلاثين "لارتقائه السدة البطريركية التي شاهدته منذ اُسعدت به يجاهد في سبيل استقلال لبنان وهناء أبنائه"، احتفلت الكنيسة المارونية والدولة اللبنانية بالبطريرك الحويك، وكتبت صحيفة "المعرض" في هذه المناسبة: "هو صاحب الكلمة الأولى في لبنان بما ناله من ثقة اللبنانيين أجمع، إكليلا لجهاده الطويل، وتقديرا لصنائعه التي لا تُحصى في الدفاع عن حقوقهم والعمل على حقوقهم والعمل على استقلالهم ودعوتهم إ"لى التضامن والألفة".
اعتبر البطريرك الحويك من النخبة المميّزة في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر ومن تاريخ الكنيسة المارونيّة نظرًا إلى الأعمال البارزة التي حقّقها على صعيد الوطن والكنيسة". خاصّةً وأنّه فتح أبواب بكركي لـ"جميع المحتاجين الذين وجدوا لديه كلّ عطف وأبوّة وحنان". فعندما ضربت المجاعة لبنان في الحرب العالميّة الأولى وذهب ضحيّتها عشرات الألوف من اللبنانيّين، "عمد إلى إقامة أفران يوزّع عليها الطحين مجانًا لمساعدة الجياع والمرضى والعاجزين".
سيرة
ولد البطريرك حويك في بلدة حلتا - قضاء البترون العام 1843، والعام 1851 دخل مدرسة يوحنّا مارون في كفرحي - قضاء البترون أيضًا، تلقى علومه في كلية اللاهوت، ثم انتقل عام 1859 إلى مدرسة غزير التي كان يشرف على إدارتها الآباء اليسوعيون، وفيها درس إلى جانب اللاهوت الفلسفة وقواعد اللغات العربية والسريانية والفرنسية واللاتينية واليونانية. ثم انتقل إلى إيطاليا حيث التحق بالمدرسة المارونية في روما وفيها تابع دروسه اللاهوتية وارتسم كاهنًا عام 1870. وفي العام 1872، عيّنه البطريرك بولس مسعد أمين سر البطريركية المارونية. في 14 كانون الأول من العام 1889 رفعه البطريرك بولس مسعد إلى درجة الأسقفية مطرانًا على عرقا شرفًا ونائبًا بطريركيًا. سافر في 8 أيار 1890 إلى روما بناءً على أمر البطريرك يوحنا الحاج، طلبًا لدرع التثبيت وليشرف على ترميم المدرسة المارونية وإعادة افتتاحها هناك، بعدما دمّرها نابليون الأول. ومن نتائج زيارته إلى فرنسا حصول الموارنة على كنيسة لهم في باريس ومركز للخدمات الاجتماعية. وتلقى مساعدة من الحكومة الفرنسية لتعليم ثمانية طلاب مجانًا في مدرسة سان سولبيس في باريس وفي المدرسة المارونية في روما. وقد زار مدن بواتييه وليل وروان وسواها، وعاد إلى روما جامعًا المال اللازم لصالح المدرسة المارونية.
في 13/5/1892 انطلق في زيارة ثانية من بيروت نحو القدس، ثم الإسكندرية فبحرًا نحو روما. وخلال زيارته هذه تم تدشين المبنى الجديد للمدرسة المارونية في 1/1/1894. بعد عودته إلى لبنان، أطلق مشروعه الجديد المتمثل في إنشاء رهبانية جديدة منظمة وفق التنظيمات الرهبانية الحديثة، بمساعدة من الأم روزالي نصر.
آخر رحلة للحويك قبل انتخابه بطريركًا كانت إلى روما، وامتدت نحو عامٍ ونصف العام من نيسان 1897 إلى كانون الأول 1898 للإشراف عن كثب على عمل المدرسة المارونية. واغتنم وجوده في أوروبا لزيارة فرنسا وبلجيكا أيضًا. في 24 كانون الأول 1898 توفي البطريرك يوحنا الحاج وكان الحويك إذاك في روما، فعاد إلى لبنان في 27 كانون الأول ووصل إلى مقر البطريركية في بكركي في 5 كانون الثاني 1899. وفي اليوم التالي انعقدت الخلوة الانتخابية، فاستقرت القرعة عليه. واحتفل برتبة تنصيبه في الأحد الأول التالي أي في 9/1/1899.
وفي نهاية 1931، رحل "بطريرك لبنان"، نظم كبار الشعراء أبيات في وداعه، امتدح بشارة الخوري "وحيد أمته تقى وهداية". ووضع أمين رشيد نخلة قصيدة مطلعها: "يا شيخ لبنان ورافع أرزه". ووضع أحمد تقي الدين قصيدة مطلعها: "يا شيخ لبنان لا تبكيك طائفة/ بل الطوائف تبكي خطبك العمما". ووضع الياس أبو شبكة قصيدة ختامها: "نم واحلم الحلم الكبير على ثرى/ بلد حلمت له بالاستقلال". رثا صاحب مجلة "المعرض" ميشال زكور "بطريرك لبنان"، وكتب في افتتاحيته: "اننا عندما ودّعناه الوداع الأخير تضاءلت واضمحلت فينا كل النزعات والأميال ولم تبق لنا الا النزعة اللبنانية تنحني وحدها امام هيكل الرجل الذي كان الدعامة الأقوى في كيان لبنان. هكذا يمضي من بيننا البطريرك الكبير، كاهناً قديساً، ووطنياً مخلصاً".




