الأرجنتين شيطان العالم!

شادي لويسالسبت 2026/07/25
الأرجنتيني لياندرو باريديس يضرب اللاعب الإسباني غافي (غيتي)
الأرجنتيني لياندرو باريديس يضرب اللاعب الإسباني غافي (غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يُخلَق الشيطان شريراً، بل كان ملاكاً أو رئيساً للملائكة بحسب التقليدي اليهودي التي توارثته الأديان الإبراهيمية. تراجيديا "زهرة بنت الصبح" كما يسميه العهد القديم، الملاك الساقط من علو العرش الإلهي إلى قاع الجحيم، هناك ما يماثلها في آداب العالم وقصصه. في الدراما المقدسة، كما في كل دراما أخرى، الشر ليس أصيلاً وكذا التراجيديا، بل كلاهما من فعل السقوط.

 

مدهش أن نتابع في المونديال الأخير، كيف سقط فريق الأرجنتين في عيون الجماهير حول العالم، من واحد من أكثر الفرق المحبوبة إلى رمز للشر الكوكبي. لطالما كانت الأرجنتين جنباً إلى جنب مع البرازيل، نموذجاً لتحدي الاستئثار الأوروبي بريادة كرة القدم، ومثالاً للانتصارات الممكنة لدول الجنوب العالمي والفقراء. وصل الوله العالمي بالأرجنتينيين ذروته في كأس العالم 1986، وبالنسبة للكثيرين كانت المواجهة مع الفريق الإنكليزي التي حسمها مارادونا بهدف "اليد الإلهية"، هي مباراة بين الإمبراطوريات القديمة وبين المستضعفين، ورداً رمزياً على حرب الفوكلاند. للحظة، وكما تفعل الكرة دائماً، صار المستطيل الأخضر ساحة لتصفية المظالم القديمة، ولتتويج ابن الأحياء الفقيرة، مارادونا قديساً لكرة القدم.

 

هذه المرة، لعب الأرجنتينيون بشكل سيء، إحصاءات المباراة الأخيرة على وجه الخصوص كانت فضائحية، ولعلها الأسوأ في تاريخ البطولة. لعب الفريق أيضاً بخشونة متعمدة تحولت معها المباراة الأخيرة إلى مباراة لتبادل اللكمات والركلات مع الفريق الإسباني. بلا شك لم تستحق الأرجنتين البطولة، وعلى الأغلب لم تستحق حتى التأهل للمباراة النهائية. لكن تلك الأسباب وحدها لا تبدو كافية لتبرير مقدار الكراهية التي اجتذبها فريق الأرجنتين حول العالم.

 

اعتمدت "الفيفا" للمرة الأولى نظام التسعير الديناميكي لتذاكر المباريات، بحيث تخضع الأسعار لمعادلات العرض والطلب. على خلاف نظام التسعير السابق، تربط الخوارزميات الآن بين السعر وبين الإقبال على مباراة بعينها، بحسب شعبية الفريقين المتنافسين، وأهمية المباراة، ومخزون التذاكر المتبقي. ضاعف النظام الجديد أرباح "الفيفا" من بيع التذاكر، لكن محاباة تحكيمية لصالح الأرجنتين بدت متعمدة أحياناً أو نابعة من تحيز غير واع أحياناً أخرى، أقنعت الكثيرين أن الفريق الأرجنتيني هو الفتى المدلل "للفيفا"، فالجميع يريد أن يشارك ميسي في النهائي. كان ذلك استعراضاً عالمياً، وعلى بطله الأشهر ألا يغيب عن العرض الأخير، بأي ثمن. انقلب السحر على السحر، لكن الغضب الجماهيري لم يوجه ضد الفيفا بل تجاه الأرجنتين، الفريق والبلد أيضاً.

 

أربعة عقود تفصل بين أرجنتين مارادونا وأرجنتين ميسي، لم يعد الفريق نائباً عن "معذبي الأرض" حيث يحترف لاعبوه بشكل تقليدي في فرق الصفوة الأوروبية، وإن كانت الأرجنتين نفسها لا تبارح موقعها كبلد من الجنوب العالمي وربما يتدهور موقعها، بينما تضربها أزمة اقتصادية بعد الأخرى. فوز اليميني المتطرف خافيير ميلي بالرئاسة قبل عامين، دفع لوصم البلد كله بالصهيونية ومعاداة الحقوق الفلسطينية، وبات وصفها بـ"إسرائيل أميركا الجنوبية" وكأنه حقيقة لا تقبل النقاش. 

 

ثمة تنميطات متبادلة بين الأرجنتينيين وجيرانهم اللاتينيين، سرعان ما تم تدويرها على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي. فتحت السجلات التاريخية، وتم تصوير البلد العالم ثالثي شبه المعزول جغرافياً، وكأنه جحيم للعنصرية، ووريث تاريخ طويل من الإبادات العرقية ضد السود والسكان الأصليين. هذا غير الادعاءات غير الصحيحة حول استقبالها للعدد الأكبر من النازيين الفارين من أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وإرسالها العدد الأكبر من المتطوعين إلى الحرب في غزة. اللافت هو أن تُقدّم تلك الدفوع، "المابعد كولونيالية" في معظمها، لوصم الأرجنتين في مواجهة أمام الفريق الإنكليزي على سبيل المثال.

 

يعد فوز فريق أوروبي بالكأس، أو استضافة دولة غربية للبطولة، أمراً طبيعياً، لا يستدعي بالضرورة الكثير من اللغط. لكن تلك الأريحية لا تنسحب على بقية العالم. في المونديال السابق، حظيت قطر، الدولة المضيفة، بالقدر الأكبر من النقد في وسائل الإعلام الغربية، وانضم عدد من الفرق المشاركة إلى الاحتجاج الصامت. في المقابل، لم تشهد البطولة الحالية أي احتجاجات مماثلة ضد السجل المشين للدولة المضيفة، أي الولايات المتحدة. وتنال حملة الكراهية من الأرجنتين، البلد الآخر البعيد من المركز، ويتم تصويره وكأنه شيطان العالم، فكل العيوب البعيدة من المركز يتم تضخيمها.

 

عن استحقاق، تخسر الأرجنتين المباراة النهائية واللقب. أما "الفيفا" فهي الرابح دائماً. تراجيديا السقوط التي شاهدناها في البطولة الأخيرة تثير مشاعر الكراهية والحسرة والإثارة والتشفي لدى الجماهير، وتشبعها، وتظل كرة القدم في عيون عشاقها وكأنها دراما للعدالة والمصير.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث