في الدقائق الأولى من الوثائقي "وثيقة الذكاء الاصطناعيّ، أو كيف صرتُ متفائلاً بالقيامة" The AI Doc: Or How I Became an Apocaloptimist، يرفض رجلٌ أن يكون الراوي: «صوتي ليس جيداً»، يجيبه صوتٌ من خلف الكاميرا: «صوتك رائع، افعلها فحسب». بهذه المشاكسة العائليّة يفتتح المخرجان الكنديّان دانيال روهر وتشارلي تايريل وثائقيّهما، إذ يروي أحدهما حكاية الآخر. روهر، الفائز بأوسكار أفضل فيلم وثائقيّ 2023 عن "نافالني" Navalny، صار على أعتاب الأبوّة، فساقه القلقُ على طفله المُنتظر إلى رحلةٍ يطلب فيها جواباً واحداً: ما الذكاء الاصطناعيّ، وأيّ عالمٍ سيرثه ابنه؟
يلتقي في هذا العمل مساران، روهر صاحب "نافالني" و"كانوا إخوةً ذات يوم" الذي افتتح مهرجان تورنتو 2019؛ وتايريل الكنديّ صاحب الفيلم القصير "أشرطة أبي الراحل الإباحيّة" الفائز بجائزة الشاشة الكنديّة، ويوقّع هنا أولى تجاربه الطويلة. كلاهما ينتظر مولوداً، فجاء الفيلم سجلّاً لذلك القلق المشترك ومن بين منتجيه دانيال كوان أحد صانعَي فيلم الأوسكار «كلّ شيء في كلّ مكان دفعة واحدة» (Everything Everywhere All at Once).
يطرح روهر على ضيوفه سؤالاً يبدو بسيطاً: ما الذكاء الاصطناعيّ؟، يردّ كلٌّ منهم بضحكةٍ تُقرّ بأنّ الجواب يستعصي على الاختصار. من تلك الضحكة يتشعّب الفيلم إلى معسكرين. في معسكر التشاؤم باحثون وناشطون من الجامعات ومراكز الأبحاث، يتقدّمهم تريستان هاريس مؤسّس (مركز التقنية الإنسانيّة) وإليعازر يودكوفسكي (صاحب نبوءة الهلاك الأصليّ) الذي يشتغل على مشكلة المواءمة منذ العام 2001، والمؤرّخ يوفال نوح هراري. يقول أحدهم لروهر بلا مواربة، إنّه يعرف عاملين في حقل مخاطر الذكاء الاصطناعيّ لا يتوقّعون أن يبلغ أطفالهم المرحلة الثانويّة. أمّا في معسكر التفاؤل فيجلس مديرو الشركات الكبرى الذين نجح في استدراجهم أمام عدسته: سام ألتمان من OpenAI وداريو ودانييلا أمودي من Anthropic وديميس هاسابيس من Google DeepMind؛ ويسجّل الفيلم بطرافةٍ غياب إيلون ماسك ومارك زوكربيرغ عن هذا اللقاء.
يستعيد العمل في خلفيّته حلماً قديماً؛ فحين عبّر آلان تورينغ عن مبتغاه بقوله: "ما نريده هو آلةٌ يمكنها أن تتعلّم من الخبرة" كان يرسم خريطة الطريق إلى هذه اللحظة. ورافق ذلك الحلمَ على امتداد العقود سحرٌ موعود صاغه آرثر سي. كلارك في عبارته الشهيرة: "أيّ تقنيةٍ متقدّمةٍ بما فيه الكفاية لا يمكن تمييزها عن السحر". غير أنّ الفيلم يردّ هذا السحر إلى أصله البارد على لسان أحد خبرائه، لا شيء سحريّاً في الذكاء... إنّه مجرّد حساب.
ينتقل روهر بين وجهَي التقنية بإيقاعٍ لاهث. يطالعنا الوجه المضيء أولاً، مزارعون في مالاوي يسألون تطبيقاً ذكيّاً عن محاصيلهم ووعودٌ في الطبّ ومعلّمٌ خصوصيّ لكلّ طفل. ثمّ ينقلب المشهد إلى وجهه المظلم، روبوتات دردشةٍ دفعت مراهقين إلى الانتحار وتقريرٌ عن أن "ميتا" أباحت لآلتها أن تغازل طفلاً في الثامنة، وبرامج تعرية الصور ومراقبةٌ شاملة تجعل عالم أورويل في روايته "1984" قابلاً للتحقّق أخيراً.
ومن هنا يصعد الفيلم إلى ذروته الجيوسياسيّة، سباقٌ بين واشنطن وبكين، تايوان التي تصنع نحو 90 في المئة من الرقائق المتقدّمة، وحربٌ يتوقّع قائدٌ عسكريّ أميركيّ وقوعها خلال السنوات الستّ المقبلة. عند هذه العتبة يستدعي أحد المتحدّثين سباقَ التسلّح النوويّ في الأربعينيّات؛ إذ ما كان سهلاً أن يُقال لروبرت أوبنهايمر يومها: تمهّل. وبهذا التشبيه يبلغ العمل مفتاحه، حين يصف مديري الشركات الخمس بأنّهم أوبنهايمرات هذه اللحظة، هم من يبنون القنبلة الجديدة، تماماً كما حذّر بيانٌ من 22 كلمةً وقّعه كبار الباحثين من أنّ خطر الذكاء الاصطناعيّ يوازي خطر حربٍ نوويّة عالميّة.
وفي العنوان نفسه يكمن المعنى. كلمة «Doc»، التي تحمل الوثائقيّ والطبيب معاً، تبدو صدىً ساخراً لفيلم ستانلي كوبريك "دكتور سترينجلوف، أو كيف تعلّمتُ أن أكفّ عن القلق وأحبّ القنبلة". أمّا Apocaloptimist فنحتٌ يجمع نهاية العالم Apocalypse والتفاؤل Optimist، صكّه أحد ضيوف روهر المتفائلين الذي يسمّيه المخرج مصطلحه المفضّل. بهذا تنزاح قنبلة عام 1964 لتصير خوارزميّة عام 2026، ويغدو الخوف من القيامة فنّاً في التعايش معها.
على أنّ خريطة القلق في الفيلم مرسومةٌ بالكامل بين كاليفورنيا وبكين. غزّة لا تُذكر ولا الحرب على إيران ولا فلسطين، وكأنّ خطر الذكاء الاصطناعيّ لم يبلغ منطقتنا بعد. بيد أنّ الميدان الذي جُرّبت فيه هذه التقنية على أجساد البشر يقع هنا تحديداً، أنظمة استهدافٍ تنتقي ضحاياها في غزّة، ومشاركةٌ للذكاء الاصطناعيّ في الحرب (تكشّفت — كما لاحظت مجلّة إكسكليم Exclaim الكنديّة — بفعل الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة على إيران، وتواطؤ شركاتٍ مثل OpenAI). يخشى روهر ألّا يبلغ طفلُه المدرسة الثانويّة، في حين تقرّر الخوارزميّة في إقليمنا من يبلغ الغد أصلاً.
نال الفيلم استقبالاً نقديّاً إيجابيّاً في معظمه منذ عرضه الأول في مهرجان ساندانس مطلع العام، ووصف بأنّه موعدٌ أوّل مع الذكاء الاصطناعيّ، فيما أخذ عليه آخرون أنّه يمنح المتفائلين — وهم أصحاب المصلحة الماليّة — تمريرةً سهلة من دون مساءلةٍ حقيقيّة.
نعود في الختام إلى تلك المشاكسة الأولى بين صوتين، من يروي الحكاية ومن يُحجَب صوته؟ تفاؤل الفيلم رفاهيةٌ جغرافيّة قبل أن يكون موقفاً فلسفيّاً؛ فمن يملك أن يحبّ القنبلة هو من تسقط قنبلته بعيداً منه. صنع روهر وتايريل عملاً ذكيّاً وإنسانيّاً وصادقاً في حيرته، يعلّم مخرجه أن يتصالح مع المستقبل من دون أن يسأل: على حساب حاضر مَن يُبنى هذا المستقبل؟ أوبنهايمرات العصر يصنعون السلاح في الضوء، ونحن مَن يختبره في العتمة.




