في قلب الجامع الأموي الكبير بدمشق ينتصب مقام النبي يحيى بن زكريا، الذي يعرفه المسيحيون باسم القديس يوحنا المعمدان. يقع المقام في القسم الشرقي من حرم الجامع، ويظهر على هيئة مقصورة رخامية تعلوها قبة خضراء صغيرة، ويحيط بها سياج مزخرف يسمح للزائرين برؤية الموضع الداخلي. ويقصده المسلمون للدعاء وقراءة الفاتحة واستحضار سيرة النبي يحيى، كما يزوره المسيحيون تكريماً للقديس يوحنا المعمدان، السابق للمسيح ومعمّده وشهيد كلمته في مواجهة السلطة.
يحمل هذا المقام قيمة دينية وتاريخية استثنائية، لأنه يجمع في مكان واحد شخصيتين متطابقتين في الذاكرة الإسلامية والمسيحية: يحيى بن زكريا في القرآن الكريم، ويوحنا المعمدان في الأناجيل والتقليد الكنسي. ويصف القرآن يحيى بالحكمة والطهارة والحنان والعفة، بينما تقدمه الأناجيل ناسكاً عاش في البرية ودعا الناس إلى التوبة وعمّد السيد المسيح في نهر الأردن. وقد انتهت حياته مقتولاً بعد موقفه الصريح من الحاكم هيرودس، فتحول رأسه ورفاته إلى آثار مقدسة ارتبطت بها كنائس وأديرة ومزارات عديدة في أنحاء العالم المسيحي.
يقوم الجامع الأموي فوق موقع ديني بالغ القدم، تعاقبت عليه طبقات متعددة من تاريخ دمشق. فقد كان المكان في العصور الآرامية مرتبطاً بمعبد الإله حَدَد، ثم أقام الرومان فيه معبداً ضخماً لجوبيتر الدمشقي، وتحول جزء من المجمع في العهد البيزنطي إلى كنيسة كبرى مكرسة للقديس يوحنا المعمدان. وعندما شرع الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك في بناء الجامع في مطلع القرن الثامن الميلادي، دخل موضع القديس ضمن التكوين المعماري والديني الجديد للمكان.
وتنقل المصادر الإسلامية، وفي مقدمتها الأخبار التي أوردها ابن عساكر في تاريخ دمشق، رواية العثور على رأس النبي يحيى أثناء أعمال بناء الجامع. ويذكر يزيد بن واقد، الذي أشرف على بعض أعمال البناء والعمال، أن العمال عثروا على مغارة أو حجرة خفية، فأُبلغ الخليفة الوليد بالأمر. وتقول الرواية إن الوليد دخل إلى المكان ليلاً على ضوء الشموع، فوجد كنيسة صغيرة أو حجرة قديمة، وفيها صندوق يحتوي إناءً حُفظ فيه رأس منسوب إلى النبي يحيى. فأمر الخليفة بإبقاء الرأس في موضعه، وأقيم فوقه معلم يدل عليه ويحفظ حرمته.
وقد انتقلت هذه الرواية في كتب تاريخ دمشق وآثارها، ومنها كتاب «نزهة الأنام في محاسن الشام»، الذي نقل أخباراً عن ابن عساكر وغيره من مؤرخي المدينة. وساهمت هذه الأخبار في تثبيت تقليد ديني يرى أن جزءاً من رأس يوحنا المعمدان بقي محفوظاً داخل الموقع منذ العصر البيزنطي، ثم صار مقامه جزءاً أصيلاً من الجامع الأموي.
أما المقام القائم اليوم، فهو بناء رخامي صغير يتوسط جزءاً من قاعة الصلاة، ويتألف من قاعدة مستطيلة تحيط بها أعمدة رشيقة وأقواس مزخرفة، وتعلوه قبة خضراء ذات هيئة معمارية ترجع في صورتها الحالية إلى ترميمات متأخرة. وتظهر داخله كسوة خضراء تغطي موضع القبر الرمزي، بينما تعكس زخارفه الرخامية والمعدنية عناية العصور المتعاقبة بالمقام. وقد شهد الجامع الأموي عبر تاريخه حرائق وزلازل وترميمات عديدة، لذلك تمثل الهيئة الحالية للمقام غلافاً معمارياً متأخراً لموضع مقدس أقدم زمناً.
وترتبط بالمقام حكاية شعبية مسيحية دمشقية تتحدث عن محاولة نقل رأس القديس أو إزالة ضريحه من موضعه داخل الجامع. وقد نشر هذه الحكاية الأب رومانوس حداد، مقدماً إياها باعتبارها جزءاً مما حفظته الذاكرة الشعبية المسيحية الدمشقية، وأشار إلى ورودها أيضاً في مخطوط تاريخي محفوظ في دير سيدة البلمند البطريركي في لبنان. كما أعاد الدكتور أمير فهمي زخارى تداول الرواية في نص تعريفي عن القديس يوحنا المعمدان. وتظل نسبة الرواية إلى مخطوط البلمند بحاجة إلى تحديد اسم المخطوط ورقمه وتاريخه وموضع النص فيه، لذلك تُعرض الحكاية ضمن إطار التقليد الشعبي الكنسي، إلى حين نشر الوثيقة المخطوطة وتحقيقها تحقيقاً علمياً.
تقول الرواية إن الحادثة وقعت في زمن الحكم الفاطمي لدمشق، حين أصدر أحد الولاة أمراً بإزالة مقام يوحنا المعمدان أو نقل الرفات من داخل الجامع الأموي. وتوجه العمال إلى الضريح يحملون المطارق والمعاول، وشرعوا في تفكيك أجزائه. ومع الضربات الأولى اندفع من موضع المقام سيل غزير من الدم، ثم جرى خارج الجامع وامتد في شوارع دمشق باتجاه المنطقة التي عرفت لاحقاً بباب مصلّى.
وقف رجال الكنيسة قرب المقام وبدأوا بتلاوة الصلوات الخاصة بالقديس يوحنا المعمدان. ومع استمرار الصلاة أخذ الدم يتراجع تدريجياً
أمام هذا المشهد أصيب العمال بالذعر والذهول، وتوقفوا عن العمل وتراجعوا عن الضريح. وانتشر الخبر سريعاً في أحياء دمشق، فتجمع الناس حول المكان، وحضر الوالي بنفسه لمعاينة ما جرى، كما جاء الأئمة والمشايخ وأقاموا الأدعية والصلوات طلباً لتوقف الدم. واستمر السيل، وفقاً للحكاية، في امتداده عبر الطريق، وأصبح الأمر في نظر الحاضرين علامة سماوية مرتبطة بحرمة النبي الشهيد.
ثم استُدعي مطران دمشق، فتوجه إلى المكان برفقة عدد من الكهنة والشمامسة والرهبان الأرثوذكس. وقف رجال الكنيسة قرب المقام وبدأوا بتلاوة الصلوات الخاصة بالقديس يوحنا المعمدان. ومع استمرار الصلاة أخذ الدم يتراجع تدريجياً، ثم انكفأ باتجاه الضريح حتى انقطع جريانه وعاد السكون إلى المكان. وعندها تراجع الوالي عن قراره وأمر بإبقاء المقام في موضعه داخل الجامع.
وتقدم الذاكرة الشعبية المسيحية جواباً واضحاً عن سبب عجز العمال عن نقل الرأس: قداسة رفات يوحنا المعمدان أوقفتهم، وخروج الدم كان علامة على رفض القديس إخراج رفاته من المكان الذي استقرت فيه. وتحول الضريح، في لحظة ضربه بالمعاول، من بناء حجري إلى صورة جسد حي ينزف، فشعر العمال بأنهم يكررون بصورة رمزية حادثة قطع رأس القديس. ومن هنا جاء الذعر، لأن المشهد ارتبط في وعيهم بخطر العقاب السماوي وبحرمة الاعتداء على قبر نبي يكرمه المسلمون والمسيحيون معاً.
تحول الضريح، في لحظة ضربه بالمعاول، من بناء حجري إلى صورة جسد حي ينزف
ويمكن قراءة الحكاية أيضاً ضمن أدب الكرامات المنتشر في التراثين المسيحي والإسلامي. فقد تناقلت كتب المناقب وسير القديسين والأولياء قصصاً عن أجساد الشهداء التي تنزف، والقبور التي تفوح منها روائح طيبة، والرفات التي تستعصي على النقل، والأماكن المقدسة التي تدافع عن نفسها في وجه من يحاول تغييرها. ويؤدي الدم في هذه الروايات دوراً رمزياً، إذ يعبر عن استمرار حياة الشهيد وحضوره الروحي، ويمنح المكان حصانة تتجاوز قرارات الحكام وسلطة العمال.
وتعكس صياغة الحكاية داخل الذاكرة الكنسية دوراً مركزياً لصلوات مطران دمشق والكهنة والرهبان في إيقاف سيل الدم. وتظهر الرواية تتابعاً درامياً يبدأ بقرار الوالي، ثم محاولة العمال، ثم خروج الدم، ثم حضور علماء المسلمين وأئمتهم، وصولاً إلى استدعاء رجال الكنيسة وانحسار الدم بعد صلواتهم. ويكشف هذا البناء السردي عن البيئة التي حفظت الرواية وعن الرسالة الروحية التي أرادت نقلها، وهي تأكيد قداسة يوحنا المعمدان وفاعلية الصلاة وحرمة مقامه.
وتربط بعض التقاليد الشعبية بين هذه الحادثة واسم مقهى النوفرة القريب من الجامع الأموي، إذ تفسر كلمة «النوفرة» بأنها مشتقة من «نفور الدم» من داخل الضريح. كما تربط الرواية اسم باب مصلّى بالصلوات التي أقامها رجال الدين قرب الموضع الذي بلغ إليه سيل الدم. وتحمل هذه التفسيرات طابعاً فولكلورياً يعكس طريقة الذاكرة الشعبية في ربط أسماء الأماكن بالأحداث المقدسة.
تحمل هذه التفسيرات طابعاً فولكلورياً يعكس طريقة الذاكرة الشعبية في ربط أسماء الأماكن بالأحداث المقدسة.
أما الدراسات المتعلقة بأسماء دمشق فتربط اسم النوفرة عادة بالنافورة أو فوارة الماء الموجودة في ساحة المقهى، بينما يرتبط باب مصلّى بالمصلى التاريخي الكبير وميدان الصلاة الذي كان قائماً خارج سور المدينة. ولهذا تبقى صلة الاسمين بحادثة الدم جزءاً من الموروث الشعبي، وتحتاج إلى شواهد نصية ووثائقية أقدم قبل اعتمادها تفسيراً تاريخياً لأصل التسمية.
ويحمل مقام النبي يحيى حقيقتين متداخلتين. تتمثل الأولى في حقيقة تاريخية مؤكدة، وهي وجود مقام مكرس للنبي يحيى أو القديس يوحنا المعمدان داخل الجامع الأموي منذ قرون طويلة، واندماج هذا المقام في الهوية المعمارية والدينية للجامع. وتتمثل الثانية في حقيقة إيمانية تقوم على الاعتقاد بوجود جزء من رأس القديس أو رفاته داخل الموضع. أما حادثة تدفق الدم، فتنتمي إلى الذاكرة الشعبية الكنسية، وتحمل قيمة دينية وثقافية كبيرة حتى مع غياب السند التاريخي المفصل المنشور حتى اليوم.
وقد حافظ المقام عبر العصور على مكانته لدى المسلمين والمسيحيين. فالمسلم الذي يقف أمامه يستحضر نبياً كريماً ورد ذكره في القرآن، والمسيحي يستحضر السابق للمسيح وشهيد الحق، والمؤرخ يرى أمامه طبقات متراكمة من تاريخ دمشق، من المعبد الآرامي والروماني إلى الكنيسة البيزنطية والجامع الأموي. ويجعل هذا التداخل من المقام واحداً من أبرز الرموز الدينية المشتركة في المدينة.
حكاية الدم الذي خرج من الضريح وأوقف عملية نقله، فبقيت حاضرة في الرواية الشعبية المسيحية الدمشقية
وبقي مقام النبي يحيى بن زكريا، أو القديس يوحنا المعمدان، قائماً في قلب الجامع الأموي، شاهداً على ذاكرة دمشق الروحية وعلى قدرة الأماكن المقدسة على عبور التحولات السياسية والدينية. أما حكاية الدم الذي خرج من الضريح وأوقف عملية نقله، فبقيت حاضرة في الرواية الشعبية المسيحية الدمشقية، كما نقلها الأب رومانوس حداد بالإحالة إلى مخطوط محفوظ في دير سيدة البلمند، لتؤكد في وجدان المؤمنين أن رأس الشهيد اختار موضعه، وأن قداسة المكان غلبت المعاول وأوامر الولاة.




