"أقرب ما يمكن" لطارق حداد: بُحور لبنان والأزرق المتفلّت

فاطمة بزيالجمعة 2026/07/24
بحور طارق حداد
حجم الخط
مشاركة عبر

بُحور طارق حداد، هادرة، هادئة، منسابة، غاضبة وثائرة. تتموّج بكل أشكالها ودرجات أزرقها وألوان الضوء والتماع الشمس على موجاتهم التي لا تكلّ ولا تتعب. بحر طارق حداد رمادي حزين، أزرق فاتح بلون الفرح، كحلي كئيب يُكمد القلب، ناعس وخفيف يُهدهد الروح. يحضن ضوء الشمس فتمنحه لآلئ ضوئية لأمواجه.


وثق المصور الفوتوغرافي طارق حداد الكائن الأزرق على امتداد الساحل اللبناني من شماله إلى جنوبه، بكل تغيراته وتقلباته. حمل في قلبه بحر لبنان الذي كبر معه، إلى فرنسا، وعاد إلى بيروت غارقًا في شوق واشتياق يفيضان عن اتساع روحه لحبه الأزرق. فصنع مكعبات تحمل صور البحور التي صوّرها ليجمع 280  مكعبًا أثناء إقامته الفنية مع مؤسسة "سرادار" العام 2023.

 

اليوم، في معرضه «As Close As It Gets» في غاليري «تانيت» وضع 36 مكعبًا على هيئة لعبة «puzzle» في حقيبة كما كانت إحدى ألعابه الطفولية التي احتفظت بها والدته. كل مكعب أطّر البحر بلحظيته ولونه وحالته. بذلك، خلق فوتوغرافيًا، بحارًا يضعها في حقيبته ليستطيع أخذها معه حيثما كان. خلق كائنًا بصوره من خلال مكعباته. رغم أنه المصور الذي تحكم بالصورة التي التقطها وظهّرها لكنه منح للبحر حياة لا يستطيع هو نفسه التحكم بها.

طارق حداد

في مقابلة خاصة مع "المدن"، قال حداد: "أحببت أن أخلق بازل لا تكتمل. أحببت فكرة البحر الديناميكي والمتحرك. أردت ألا يكون صورة ثابتة بل متغيرة".
 

المصور الفوتوغرافي الذي درس الماستر في التصوير في إحدى جامعات جنوب فرنسا القريبة من البحر، ظلّ بعيدًا منه، وهو الذي كان بحر لبنان جاره القريب والمقرّب. حداد الذي نشأ في بيروت كان على علاقة مباشرة ببحرها. وأثناء إقامته في فرنسا، بدت طويلة مسافة أربعين دقيقة ليستطيع رؤيته والوصول إليه.


يؤمن أن كل لبناني، وكل لبناني مغترب، لديه علاقة خاصة مع البحر. صوره ومكعباته هي محاولة "شِعرية صغيرة" كما يصفها، وشاعرية. ربما يستطيع المغترب حمل تلك المكعبات البحرية التي تحضن فيها كما يعبّر حداد، "كل ما هو مألوف والعائلة والأصحاب الذين نحاول أن يبقوا معنا عندما نغادر".

 

كاميرا حداد كانت الآلة التي يلتقط بها ذكريات العائلة أثناء المناسبات والاحتفالات والجلسات. هكذا تعرّف عليها وعلى تقنياتها لكنه درس علوم الكمبيوتر ليكتشف بعدها حبه للتصوير الفوتوغرافي ويدرسه في ما بعد. استخدم أحد البرامج الالكترونية لسلسلة «Sorted Seascape» التي تتألف من ثلاث صور. توحي الأولى أنها سماء ضبابية فوق بحر ضبابي، وأخرى بمغيب قاتم، وصورة بفجر نهار جديد ما زال يتخلص من ظلمة ليله. الصور الثلاث هي صور للبحر في أوقات مختلفة. لكن حداد أراد اللعب بـ"بيكسل" الصور فأعاد ترتيبها باستخدام برنامج إلكتروني من أكثرها قتامة إلى أكثرها سطوعًا.

بحور طارق حداد

لا يملّ طارق حداد من ألعاب الضوء، لا سيما ملاحقته للون الأزرق بتدرجاته. في محاولته طبع لون الورق الفوتوغرافي على الورقة بحد ذاتها، بالطبقة الزرقاء التي تغطيها، يسعى طارق إلى خلقها كما هي وليس كما يراها أو يتخيلها أو حتى يصورها. الصورة إلى جانبها تبدو كتوأمها، لكنها ليست كذلك. فهي الورقة التي لم يتم تظهيرها وستكون بتفاعل مستمر مع الضوء الذي تتعرض له وسيتغير لونها مع الوقت ولن تشبه الشكل الذي كانت عليه في الأساس.


أتت فكرة هاتين الصورتين من حالة الاشتياق التي يمر بها المصور، ومن عملية بحث عن "الترتيب" بسبب مغادرته وطنه ومحاولة التقرّب منه مجدداً، لكن من بعد، ولشيء غير موجود: "هنالك ذلك الشيء الذي يهرب من سيطرتك، ومحاولة التركيب أو الوصول إلى شيء ما، بأقرب مسافة ممكنة، لكنه يتفلّت من بين يديك".
 

تواجه تلك الصورتان صورة «Glitch» التي صورها حداد بكاميرا "المفروض أنها لا تخطئ"، كما قال. وإذ فاجأته بصنع هذا الخلل الميكانيكي الخارج عن سيطرته، وهو ما يدعم فكرته في التخلي عن التحكم، إن على صعيد الصورة أو التغيرات الحياتية.

 

"لا مكان قريباً" هي سلسلة من 15 صورة فوتوغرافية لجبال وهضبات صخرية. توحي الصور بالألفة لكنها لا تُفصح عن أمكنة صخورها وجبالها. رسالة المصور من تلك السلسلة: "أنت بعيد جدًا عن الشيء الذي تفعله، وفي الوقت نفسه هو مكان مألوف لك، رغم أننا لا نعرف أيننا". يختصر بذلك علاقته بما كان يراه في غربته الفرنسية.


يخلق حداد توازنًا في هذه المجموعة لما هي عليه من فعل الطبيعة التي لم تمسسها يد إنسانية واحتمالية الكسّارات التي يمكن أن تحطمها في الوقت ذاته. يرى العالمَين موجودَين في هذه الصور وأحب خلق التوازن في مقابل عنوان المعرض الذي يشكل تناقضًا مع عنوان المجموعة.


في صورة ««Still Life 08» يجمع حداد البحر بالصخور. تبدو الصورة للوهلة الأولى كخصلة عنب تلمع في المياه، لكنها مجرد فقاعات هوائية تتلألأ بالضوء. الضوء لحداد لم يعد فقط ما تراه الكاميرا بل كيف يطوّعه على ما يراه وما يحوّله فيه. إن كان من خلال البيكسل الرقمي، أو أفلام الفضة الحساسة للضوء، أو لمشاعر حداد التي تعداها الاشتياق لتخلق ما يحاول الوصول أو العودة إليه، لكنه دائمًا يتركه يفلت منه ويمنحه الحرية في اتخاذ شكل أو حياة خلاقة.

 

(*) يستمر معرض «As Close As It Gets» في غاليري «تانيت» حتى الرابع من أيلول 2026.

 
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث