هل يمكن للسياسي أن يكتب مذكرات عارية، أم أنه لا مفر من تعريضها للحذف والتشذيب؟ أم يكتبها ليكون الماضي درساً للمستقبل أو لتكون وصية للجيل الجديد؟ أم يكتبها لتكون استثماراً لواقع مستجد، أم يتهرب من كتابتها بالمطلق ويفضل الصمت على شوائب الماضي؟ بالطبع تتفاوت المعطيات في هذا المجال، خصوصاً إذا كانت السياسة متشابكة بالحروب المعقدة، ويكتنفها سؤال "من قتل من"؟ ومعظم القادة السياسيين عاش واقعاً تراجيدياً، تقلبات في التحالفات والأدوار في بلد كان (وما زال) ساحة حروب الآخرين، وبلد الأزمات منذ نشأته. بإزاء هذا، ثمة محطات يمكن كتابتها بسهولة، فهي متداولة، وهناك محطات يتحكم فيها الغموض والألغاز والمكائد.
في بداية مذكراته "قدرُ في هذا المشرق/ من الحرب الاهلية إلى السلام المستحيل" يعلن وليد جنبلاط أنه طوال خمسين عامًا من حياته السياسيّة، التي بدأت في العام 1977، لم يعرف سوى الصراعات. يعيش "عبء التاريخ" وشبح حرب 1860. قلة من عائلة جنبلاط كانت وفاتها طبيعيّة. فوالد وليد جنبلاط وجدّه، ماتا قتلًا، وكذلك عمته ليندا، أمّا هو فقد نجا من أكثر من محاولة اغتيال، واغتيال والده دفع به "إلى قلب الحرب دفعًاً"، واليوم يشعر بأنّ الوقت حان لينقل إلى أولاده وأحفاده هذه الذكريات أو المذكرات، لتكون بمثابة شهادةٍ على ما عاشه في "هذا المشرق المثقل بالعنف". يعتبر سيرة حياته هذه ترياقاً، ورسالة أملٍ بالرغم من الأوقات الصعبة.
و"عبء التاريخ" يتبدى من سؤال جنبلاط: "ألم تكن الحرب الأهليّة اللبنانيّة إعادةً لأحداث 1860، وللمجازر التي وقعت بين المسيحيّين والدروز وأدمت جبل لبنان؟ قد تختلف الظروف في ظاهرها، لكنّ الجروح القديمة لا تندمل. في السياسة، نحن مضطرّون إلى أخذ الزمن في الحسبان". والعبارة التي قالها الروائي الأميركي فوكنر، تنطبق تمامًا على لبنان: "الماضي لا يموت أبدًا، حتّى إنّه لم يمضِ". والسيرة التي يقدّمها جنبلاط هي على صورته ومثاله، أي إنّها تَعاقُبٌ من "اللحظات" التي تندرج في مشهدٍ أوسع، في محاولةٍ لجعل القارئ يفهم بشكلٍ أفضل ما مررنا به منذ العام 1975، والمسار الذي سلكه ويسلكه جنبلاط في حروبه وسياسات وتحالفاته وتكويعاته وطلعاته ونزلاته، وغايته الحفاظ على الدروز.
وليد جنبلاط في مذكراته هو مرآة لواقع لبنان بكل تكويناته، هذا البلد الحافل بالجمال والعنف الجحيمي والأزمات والقتل، شهد مقتل عشرات الرؤساء والقادة ومئات الصحافيين وآلاف المواطنين، سواء من حلفاء جنبلاط أو خصومه، وكان بين أطماع العدو الإسرائيلي والشقيقة سوريا، ومكائد آل الأسد، ولعنة الطوائف في استدعاء الخارج أو العمالة له.
وليد جنبلاط الذي ولد العام 1949، أي بعد عام من النكبة الفلسطينية، بدا كما يقول "يعيش حروباً لا تنتهي"، وفي أحداث صيف 1958 كان في التاسعة من عمره، وهي أقدم ذكرياته السياسيّة. "كانت مغامرةً استثنائيّة لطفلٍ في التاسعة من عمره، اكتشفتُ خلالها أنّ والدي شخصيّةٌ ذات أهمّية، فزاد إعجابي به". في هزيمة 1967 كان في الثامنة عشرة من عمره، وورث عبء الحرب الثقيل بعد اغتيال والده، وصار أحد أركان الحروب المتعاقبة، خاضها أو صنعها أو حارب من أجل البقاء أو حارب من أجل الآخرين أو كان شاهداً عليها، من الاجتياح الإسرائيلي العام 1982 إلى حرب الجبل 1983 وحروب شوارع بيروت، 6 شباط وأخواتها، وحروب المخيمات، إلى إرسال مقاتلين إلى ليبيا وحرب التحرير، وبعد الطائف الحروب الإسرائيلية والاغتيالات السياسية من رفيق الحريري إلى محمد شطح و7 أيار، وعدا ذلك هناك الطيف الدائم لحرب 1860.
كانت الحرب إرثاً ثقيلاً منذ البداية، حين تقلى خبر اغتيال والده، "لم يتسنّ لي الوقت لأبكي (...)، مع اقترابنا من الوصول، بدأتُ ألاحظ على جانبَي الطريق عددًا متزايدًا من السيّارات المحترقة، والتي تحمل ثقوب رصاصٍ كثيرة. شعرتُ بأنّ ثمّة مأساةً تجري فصولها حينذاك. حين وصلتُ إلى منزلنا أخبرني رجالنا أنّ تلك السيّارات كانت لمسيحيّين قتلهم دروز غاضبون، انتقامًا لمقتل والدي". يضيف: "أدركتُ، مع هذا الرحيل المباغت لوالدي، أنّ واجبًا ثقيلًا ينتظرني"، "إنّها دورة الأقدار التي لا تتوقّف، وها هو رجلٌ آخر من آل جنبلاط يتعرّض للاغتيال، كوالده من قبله، أي جدّي فؤاد جنبلاط، ومن قبلهما بزمنٍ بعيد، جدّنا الأكبر الواسع النفوذ بشير جنبلاط، الذي أعدمه العثمانيّون في عكّا بتهمة التمرّد على السلطنة في العام 1825 خلال ما اشتُهر في التاريخ بـ"حرب البشيرين"، أو الصراع على السلطة بين زعامتين، الجنبلاطيّة والشهابيّة".
ويوم جنازة كمال، ألبس الزعيم الروحيّ العباءة لوليد، معلنًا أمام الحشود المجتمعة في المختارة تنصيبه زعيمًا جديدًا للطائفة الدرزيّة. في ذلك اليوم، تسلّم "جبلًا" ممزّقًا وخاليًا، بعدما كان حتّى الأمس موحّدًا. يقر جنبلاط: "كنّا مضطرّين إلى مصالحة الأسد، تفاديًا لعزلةٍ زاحفة قد تودي بنا إلى الاضمحلال. فالدروز لا يشكّلون إلّا 6 بالمئة من سكّان لبنان، ويقطنون منطقةً هي أشبه بجيبٍ محاصَر بين الجبال"، فسلك طريق دمشق مجدّدًا برغم اغتيال والده. "كان أعدائي كُثُرًا، وليس أمامي سوى تطبيع علاقاتنا مع النظام السوري، الذي يشكّل بحكم الواقع مصدر الدعم الوحيد لنا". وذلك في حين كانت الزعامات الطائفية الأخرى تبحث عن طرق لتفوقها، وقد اختلط الحابل بالنابل وعمت الفوضى، من السلاح الفلسطيني إلى النفوذ السوري إلى التواطؤ مع إسرائيل إلى المال الليبي والعراقي والدور السوفياتي، كل محارب يبرر حروبه بأنه يدافع عن وجوده أو مبادئه.
من الست نظيرة إلى مي أرسلان
دور المرأة بارز في المختارة في مذكرات جنبلاط، لا سيما نظيرة جنبلاط، جدة وليد لأبيه، والتي عُرفت بألقابٍ مختلفة منها "سيّدة القصر"، و"حارسة المختارة". وقد تميّزت بشخصيّةٍ تغنّى بها الكتّاب، والدبلوماسيّون، ولبنانيّون كثيرون ممّن تسنّت لهم فرصة لقائها خلال حياتها. فالمرور بالمختارة في فترة زعامة الستّ نظيرة كان أمرًا لا غنى عنه. ففي العام 1921، غيّب الموت زوجها فؤاد جنبلاط قبل أوانه، وتركها أرملة وأمًّا لولدين، كمال وليندا. فتولّت تلك الأرملة الشابّة الزعامة في قلب الجبل الذي ورثت أمانته فجأة، لتؤدّي دور "الرجل الكبير" كما كانت تصفها ابنتها ليندا. لقد شهدت الستّ نظيرة جنبلاط حقبةً سياسيّة بائدة. فهي وُلدت في زمن السلطنة العثمانيّة، ورحلت خلال الفترة التي أصبح فيها لبنان بلدًا حرًّا وذا سيادة، قبل أن تنهال عليه الكوارث الكبرى. وكانت تنتمي إلى جيلٍ حاول بناء لبنان الحديث، والحرص في الوقت نفسه على التوازنات التي أورثنا إيّاها التاريخ، تلافيًا لتكرار مآسٍ كانت تعرف مرارتها حقّ المعرفة.
بعد مقتل زوجها فؤاد جنبلاط في حادثة غامضة، اعتبرت نظيرة أنّ واجبها يملي عليها حفظ دارة جنبلاط إلى أن تؤول الزعامة إلى ابنها كمال. وفي تلك المرحلة الانتقاليّة، قامت سياسة نظيرة على الحفاظ على التحالف التقليدي بين الموارنة والدروز، وهو العمود الفقري للبلد الجديد. ولتحقيق ذلك، تقرّبت من العائلات اللبنانيّة الكبرى التي تعرفها جيدًا، وعقدت مع البطريركيّة المارونيّة حلفًا كان مطران الشوف، أغوسطين البستاني، صلة الوصل فيه. وقد سعت الستّ نظيرة، اقتناعًا منها بصوابيّة هذا الحلف، إلى ضمان استمراريّة دور آل جنبلاط الجامع في الجبل، وهو ما كان أمرًا بالغ الأهميّة بعد ما خلّفته مجازر 1860 من انقساماتٍ عميقة بين الطائفتين.
الدور الآخر للمرأة في قصر المختارة يتجلى في مربية وليد جنبلاط، يقول: "في السابع من آب/أغسطس 1949، أبصرتُ النور في المستشفى الألمانيّ سان شارل في بيروت. وبعد سنواتٍ من العيش معًا، قرّر والداي أن ينفصلا. بغياب والدتي، اعتنت بي مربّيةٌ فرنسيّة تُدعى إيفون نيودو، يعود إليها الفضل في تربيتي، إذ كان دورها بالغ الأهميّة في مطلع صباي، نظرًا إلى انجراف والدي في دوّامة حياته السياسيّة. كحال كُثُرٍ من الأوروبيّين المقيمين في مصر، البلد الكوسموبوليتيّ الجامع في النصف الأوّل من القرن العشرين، ولا سيّما في مدينتيه الإسكندريّة والقاهرة، اضطرّت إيفون إلى الرحيل مع وصول الرئيس عبد الناصر إلى الحكم".
يتابع: "بوصولها إلى بيروت، علمت إيفون أنّ كمال جنبلاط يبحث عن مربّيةٍ لابنه. ولم تلبث أن فرضت حضورها في بيتنا، حتّى في عينَي والدي الذي لم يكن من السهل حمله على تغيير عاداته. لا يزال التأثّر يغمرني كلّما تذكّرتُ دورها في حياتي، وأشعر بأنّني أدين لها بالكثير. دائمًا ما كانت تقول "أنا التي تهتمّ بوليد". وقد أصبحتْ فردًا من العائلة، وحظيتْ بثقة والدي الكاملة. كانت "السيّدة إيفون" تدير شؤون المنزل وتفاصيل الحياة اليوميّة في ظلّ غياب والدتي". وعند وفاتها في العام 1967، أمر والده بدفنها في ضريح جدّته الستّ نظيرة، تكريمًا لها على إخلاصها.
وقبل المربية وبعدها، كانت الأم مي أرسلان، ابنة المفكر شكيب ارسلان، يقول وليد: "لقد جمع الحبّ بين والديّ بالتأكيد، لكنّ علاقتهما لم تنجح. فجدول أعمال أبي اليوميّ الحافل بالانشغالات، بصفته زعيمًا لحزب، ونائبًا، ووزيرًا، جعل لقاءاته بوالدتي نادرة، فضلًا عن أنّها كانت أكثر حداثةً وعفويّة منه، تعيش حياةً اجتماعيّة حافلة، بينما يعيش هو حياة التقشّف، وينام على فراشٍ بسيط على أرض غرفته". يضيف جنبلاط: "يوم اغتيال والدي، سارعتُ إلى الاتّصال بوالدتي التي كانت في باريس، وطلبتُ منها العودة إلى "منزلها"، أي المختارة، في أسرع وقتٍ ممكن. كان وجودها إلى جانبي ضروريًّا جدًّا، إن من أجل الاهتمام بإعادة ترتيب أوضاع الحزب، أو الإشراف على شؤون دارتنا، كما كان من الضروريّ أن تستعيد موقعها الطبيعيّ في منزل العائلة".
وإذا كانت نظيرة جنبلاط قد عملت على ترسيخ التحالف مع المسيحيين في الجبل من اجل لبنان، يقول جنبلاط "بعد استشهاد والدي، كان أوّل قرارٍ اتّخذناه معًا هو مصالحة النظام السوري. واستعدادًا لتلك الزيارة الأولى لدمشق، عملتْ والدتي على إقناع المتشدّدين من رفاق أبي المخلصين، بجدوى هذه الخطوة، فقد أدركت أهمّية سوريا وضرورة المساومة مع النظام. لم يكن بوسعنا الاستمرار في الحرب بمفردنا، والشوف معرّضٌ للحصار من كلّ جانب". "وفي الواقع، تملّكها هاجس أن ألقى مصير والدي، وكم كانت على حقّ". هكذا، وخلال مرحلةٍ مفصليّة، أسهمت ميّ أرسلان في استمراريّة آل جنبلاط وعدم اندثارهم سياسيًّا، هي التي لطالما ردّدت أنّ "روابط الدم صلبةٌ على نحو مخيف".
الثقافة والكتب
الجانب الأخر الذي يمكن التأمل في فحواه، في مذكرات جنبلاط، هو الثقافة والكتب والزواج خارج سرب الدروز. كان والده مثقفاً، اكتسب العلم في معهد فرنسي "خلال دراسته في ذلك المعهد الحريص على إكساب طلّابه اللغة الفرنسيّة لدرجة أنّه حُظر عليهم التحادث بغيرها، برع كمال جنبلاط بلغة موليير، فكان يعود إلى المختارة كلّ صيفٍ ليلتهم الأدب الفرنسي التهامًا: فيكتور هوغو، موليير، راسين، لامارتين، قصائد ألفرد دي موسيه وروايات بيار بنوا المدهشة". لاحقًا، مع اكتشافه كتاب المهاتما غاندي، "حياتي هي رسالتي"، تعمّق شغفه بالثقافة الهنديّة. ومن الجمل التي كتبها غاندي وتركت فيه أثرًا لا يُمحى: "لقد قلتُ في الماضي إنّ الله هو الحقّ، أمّا اليوم فأنا على يقينٍ بأنّ الحقّ هو الله". ومنذ أن تحوّل كمال جنبلاط سليل عائلة جنبلاط الإقطاعيّة إلى الاشتراكيّة، لم تتقبّل الستّ نظيرة أن يُنادى ابنها بلقب "رفيق"، برغم إصراره عليه. ولم تستوعب كيف يمكن لوريث سلالةٍ كهذه أن يصبح "اشتراكيًّا"، فكانت تعتبر ذلك خطأً كبيرًا، ولا يتناسب مع الواقع والحقيقة. فقد كان الأهمّ بالنسبة إليها أن تورث الأجيال الجديدة السلام الذي ورثته هي عن أسلافها.
أما وليد جنبلاط فتلقى علومه الابتدائيّة في "الليسيه عبد القادر" ببيروت، قبل أن ينتقل إلى "الإنترناشونال كوليدج" لمتابعة دراسته الثانويّة، وخلال الدراسة يقول "منع أبي في العام 1963، وكان وزيرًا للداخليّة، المغنّي جوني هاليداي من تقديم ثلاث حفلات مقرّرة في كازينو لبنان، تحت مسمّى «حفلات التويست»، معتبرًا أنّ موسيقاه تمثّل شكلًا من أشكال الانحطاط الغربي الذي يجب حماية الشباب اللبناني منه. لم يكن يستوعب تمامًا تطلعات جيل الشباب آنذاك. ولم يتمكّن المغنّي الذي وصل إلى لبنان من مغادرة المطار، وهذا ما عرّضني لانتقاداتٍ كثيرة من رفاق صفّي الذين لاموني على قرارٍ لا علاقة لي به، لا سيّما أنّي في تلك الفترة كنت أقضي وقتًا طويلًا خارج المنزل، وأطيل شعر سالفيّ وأرتدي السراويل العريضة من الأسفل، التي كانت تدفع أبي للنظر إليّ بعينين تقدحان شررًا، لكنّها كانت الموضة السائدة". وبعدها انتقل جنبلاط إلى الجامعة الأميركيّة في بيروت، حيث تخرّج العام 1971 مجازًا في العلوم السياسيّة. رغب بعد نيله تلك الإجازة في مواصلة دراسته في جامعة "وأكسفورد"، والاستفادة من تعليم البروفسور ألبرت حوراني، المستشرق الكبير، ولكن كحال الكثيرين من الشباب اللبناني، منعته الحرب الأهليّة من إكمال دراسته.
في الجانب الثقافي كان كمال جنبلاط غائصاً في التصوف الذي كان "بالنسبة إليه سبيلًا لتجاوز القيود الاجتماعيّة والسياسيّة التي يفرضها عليه انتماؤه الدرزي، ثمّ ذهب إلى الهند سعيًا للتجدّد الروحيّ". و"قرأ أعمال كبار المفكّرين، من القدّيس أغسطينوس، والقدّيس توما الأكويني، وتيلار دو شاردان، وصولًا إلى الاشتراكيّين مثل جوزيف برودون وجان جوريس". أما وليد فكان يفضّل التاريخ. وقرأ أيضًا "الروايات الفرنسيّة الكلاسيكيّة الكبرى لفيكتور هوغو وألكسندر دوما، فقد كنت بحاجةٍ إلى المغامرة. ثمّ اهتممت بالحرب العالميّة الثانية ونتائجها، كما جذبتني قراءة تاريخ الأنظمة الفاشيّة، واستوقفني كيف يمكن لشعوبٍ اعتبرناها متحضّرةً أن تنقلب بسرعة نحو الوحشيّة والدكتاتوريّة. قرأت أيضًا لأندريه مالرو وألبير كامو، وأعجِبت بفكرهما الحرّ وبقدرتهما على أن يجعلا من حياتهما مغامرةً غنيّة. كذلك كانت والدتي تنصحني بمطالعة الكتب التي تستهويها، وأتذكّر مثلًا أنّها قدّمت لي رواية "صحراء التتار" لدينو بوزاتي".
الزواج
زواج جنبلاط الأوّل تمّ في أواخر ستينيّات القرن الماضي، وكان بممثّلةٍ إيرانيّة فتنتنه بجمالها الأخّاذ، تُدعى مارينا، وتكبره سنًّا. ذلك الزواج تمّ خلافًا لرغبة والده، الذي منذ البداية حذّره من الإقدام عليه، وقال له: "لن تكون سعيدًا مع هذه المرأة"، وهو ما أثار حنقه عليه حينذاك. بعد سنواتٍ قليلة من الزواج، انتهت حياة مارينا بطريقةٍ مأسويّة. خصص له والده آنذاك راتبًا شهريًا ضئيلًا ليتدبّر شؤونه، وكان يقضي نهاره في العمل لدى غسّان تويني، رئيس تحرير جريدة "النهار".. كان عمله تصحيح المقالات في الطابق السفليّ للجريدة حيث تقع المطابع. وكانت الساعة الأحبّ إلى قلبه هي تلك التي تلي انتهاء يوم العمل، حين يصعد إلى الطابق الأخير من الجريدة حيث يقع صالون غسّان تويني. "هناك، كنّا نحتسي كأسًا، ونحلّل الواقع السياسيّ مع زوّاره المسائيّين من ذوي النفوذ، والنوّاب، والدبلوماسيّين. في ذلك الصالون، تعلّمت أيضًا فنّ الزعامة. وبعد ذلك، كنت أقود درّاجتي الناريّة الـ«هوندا» الضخمة، عائدًا إلى منزلي في الحازميّة. وكنت أقود بجنون للأمانة".
يضيف جنبلاط "في مطلع السبعينيّات، كانت زياراتي للمختارة نادرة، بسبب خلافي مع والدي حول مسألة زواجي، وعدم رغبتي في مواجهته، وأيضًا بسبب التقشّف الشديد الذي اتّسم به منزلنا. كنتُ بحاجةٍ إلى بيروت والطاقة النابضة فيها، ففضّلتُ البقاء فيها مع أصدقائي وعيش حياة اللهو والصخب. لكنّني، خلافًا للأسطورة البشعة التي نُسجت حول وليد جنبلاط، لم أكن الفتى المدلّل على الإطلاق. فوالدي كان صارمًا جدًّا معي، وأرادني أن أتعلّم دروس الحياة كأترابي، بدون أيّ امتيازات".
تزوّج جنبلاط للمرة الثانية سنة 1981 وهو في الحادية والثلاثين، استجابةً لإلحاح والدته التي قالت له: "ماذا سنفعل بك؟ يجب أن تفكّر في استمراريّة العائلة، سأقصد أنسبائي الشركس في الأردن لأبحث لك عن زوجة". كان ذلك بالنسبة إليّ زواجًا تقليديًّا لا حاجة فيه إلى الحبّ، زواجًا مدبّرًا كما هي العادة حينذاك.
هكذا، للمرّة الثانية، تزوّج بامرأة من خارج الطائفة، وهي سنيّةٌ من أصولٍ شركسيّة. ويقول "كنت في السابع من آب/أغسطس 1980، اليوم الذي تقع فيه ذكرى مولدي، قد التقيت نورا، ابنة عائلة الشراباتي الدمشقيّة، وذلك في «أنتيب» قرب مدينة كان الفرنسيّة. وكنت قد استغللت فترة من الهدوء تخلّلت الحرب الأهليّة آنذاك، للسفر إلى فرنسا وزيارة أحد أنسبائي، وكان زوجًا لنورا وله منها ولدان هما نجيب، وبشير. على الفور شعرتُ بانجذاب نحوها، وأسرّت لي لاحقًا بأنّها شعرت هي الأخرى وكأنّ بيننا معرفةً قديمة. لم نعد للّقاء إلّا بعد سنوات، وكان زواجي وجيرفيت قد انتهى. وقد اخترنا إسطنبول لعقد قراننا في العام 1989".
بالطبع لا يمكن سرد كل تفاصيل مذكرات جنبلاط وركزنا على الجانب الشخصي والثقافي ولا الحربي، والمذكرات تسرد الوقائع المنتقاة من ولادة جنبلاط إلى توريثه الزعامة لنجله تيمور، ومن قضية فلسطين إلى السلام المستحيل، ومن ممارسة الأنظمة الدكتاتورية العربية إلى ممارسات الميليشيات في بيروت، وكل شيء يدور في محور البقاء.




