قُدِم في مسرح القاعة متعددة الاستعمالات في دار أوبرا دمشق، العرض المسرحي "من يرمي الحجر الأول؟". العرض فكرة وإخراج: فادي الحواشي، كتابة ودراماتورجيا: ديما أباظة، تمثيل: خالد شباط، جفرا يونس، مجدي المقبل، أحمد شعيب الدرويش، غرام بو فاعور.
مَن يرمي الحجر الأول ليحرك المياه الراكدة ويبدأ حركة الحوار نحو التعافي الصعب؟
نظر القاضي إلى هيئة المحلفين (الحضور)، وطلب ممن يدين الجاني أن يرفع يده، لم أجرؤ على الالتفات للوراء لأرى إن كان أحد ما قد رفع يده. وكنتُ أجلس في الصف الأول لا تفصلني عن الممثلين مسافة خطوتين، كنت أستطيع أن أحدق في وجوههم، وأرى عروقهم وهي تنتفض وقلوبهم وهي تضخ كميات هائلة من الانفعال مع الدم الصاعد أعلى رؤوسهم، خصوصاً الشخصيتين الرئيسيتين في العرض المدعية (جفرا يونس) والمتهم (خالد شباط)، ونحن هنا داخل محكمة تترافع فيها حقوقية ضد جاني ومجرم تطارده منذ أربع سنوات لتتمكن من تقديمه للعدالة. لكن المفاجأة التي ستظهر تدريجياً أن الشخصيتين كانتا تعرفان بعضهما بعضاً من قبل، بل كانتا تعملان في المؤسسة نفسها، والقصة أكثر تعقيداً بكثير مما تبدو في البداية مجرد محاكمة لمجرم عادي أو لجناية عادية.
المسرح هنا كان في قلب المأساة التي يعيشها مجتمعه، بمعضلاتها الأخلاقية الكبرى، كان في قلب الوحل والدم الذي التصق بنا جميعاً. إحدى نقاط قوته تكمن عندما تضيق العدسة ونعرف أنه يتحدث عن مجتمع صغير يعرف كل واحد فيه الآخر. وبالتالي يطرح العرض تساؤلات عميقة على مستويات عديدة، علاقة الأفراد داخل المؤسسة حيث يعملون، مؤسسة لديها سكن خاص لموظفيها، وبالتالي أفرادها ليسوا على علاقة وظيفية فقط، بل لديهم علاقات اجتماعية وعائلية. وتطرح تساؤلات حول إشكالية علاقة الفرد بالمؤسسة وانتمائه لها، وعلاقة المؤسسة مع الأفراد العاملين فيها. والمؤسسة هنا كلمة ذات دلالات متعددة، إذ ستتعرض أيضاً للإدانة لأنها لم تدافع عن موظفيها بل تركتهم يواجهون مصيراً مروعاً من دون أي اكتراث أخلاقي أو مهني، وكأنهم مجرد أرقام، فائضين عن الحاجة.
يختار مخرج العرض فادي الحواشي كسر الجدار الرابع مع المشاهدين، وكسر الايهام بتوريط القاضي (مجدي المقبل) للحضور في المحاكمة التي تجري على الخشبة، ثم يطلب من المدعية البدء بالمرافعة ضد المتهم، وتقوم بسرد الاتهامات الموجهة له أمام القاضي والحضور، ومنها مشاركته في عملية خطف باص الموظفين الذين يعملون في مؤسسته منذ سنوات حيث خُطِفَ 25 موظفاً من قبل إحدى الميلشيات المقاتلة، ثم إقدامه على إعدام عدد من زملائه بنفسه. يطلب القاضي من المتهم توكيل محامٍ للدفاع عنه، لكنه يرفض، ويطلب أن يقوم هو بالدفاع عن نفسه، يوافق القاضي وينتقل المتهم من قفص الاتهام الى كرسي الدفاع ثم الى كرسي التحقيق، ويبدأ كل منهما سرديته والرد على سردية الآخر حتى تتكشف للحضور الظروف والتحولات التي مر بها كل منهما. فبينما تتهمه المدعية بالمشاركة في عملية الخطف، يوضح أنه لم يشارك فيها، ويدافع بأن اسمه خرج في القرعة لإجراء أول عملية إعدام لأحد زملائه وأنه كان مجبراً على ذلك، ونكتشف أن أول ضحية لأول عملية إعدام قام بها كانت لزوج المحامية المدعية، المهندس المتمرد على أعمال سخرة أجبرته الميليشيا على القيام بها مع رفاقه.
يعترف المتهم في ما بعد أن هذا الاجراء تكرر مع آخرين، لكنه يصر على أنه كان مجبراً على ذلك لأن حياته كانت مهددة وأنه أراد إنقاذ نفسه والرجوع لابنته. تطلب المدعية عرض فيديو الإعدام أكثر من مرة، لكن القاضي يؤجل ذلك. ثم تطلب المدعية استدعاء الشهود، والشاهدة الأولى هي ابنة المتهم، تحاول استجوابها عن علاقة أبيها وأمها في البيت، يقول المتهم أن زوجته قتلت برصاصة في جبينها وهي خارجة من سكنها الوظيفي، تحاول المدعية الإيحاء بأنه قد يكون الفاعل، لكن الطفلة الابنة تقول إن أبيها كان شخصاً طبيعياً جداً قبل الخطف، وعندما عاد كان شخصاً آخر، لكنه لم يكن يعنفها أو يعنف أمها. وتكشف الطفلة أنها أودعت في بيت المدعية لتهتم بها لكنها تخلت عنها وأرسلتها في الليل إلى بيت زميلة لها. وتتحدث الطفلة (غرام أبو فاعور) عن عزلها اجتماعياً من قبل جميع أبناء زملاء والدها بعد انتشار الفيديو الذي ترفض الطفلة أن تشاهده، ويمكننا هنا رصد تأثير ما يقترفه الكبار في عالم الأطفال، أي الأجيال الصاعدة.
تدافع المدعية عن نفسها وتقول إنها أرسلت الطفلة إلى أسرة زميلة تثق فيها بعدما شاهدت فيديو إعدام زوجها من قبل زميلها والد الطفلة. يحاول المدعي رمي التهم عليها لكنها تستدعي شاهداً آخر (أحمد شعيب الدرويش) وهو زميل عمل لهما كان من ضمن الموظفين المخطوفين، يتحدث عن عملية الإعدام الأولى ثم يتحدث كيف أن المتهم تغير جذرياً بعد ارتدائه زي الميليشيا التي تحتجزهم وتجعلهم يقومون بأعمال السخرة، وكيف أنه أصبح بارد الأعصاب وهو يقوم بعمليات الإعدام، لكن المتهم يحاول أن يُظهر أن زميله هذا أيضاً ليس بريئاً بعدما ورطه في صناعة عبوات ناسفة بدائية.
من الحوارات المهمة في العرض، ما أبرز طريقة تعامل المؤسسة مع خطف موظفيها، إذ يرمي المتهم الاتهامات والمسؤولية الأولى على المؤسسة التي لم تبادر لإنقاذ موظفيها عن طريق دفع الفدية المطلوبة، بل أخذت تفاوض الخاطفين على سعر رأس كل موظف، الأمر الذي قالت المدعية أنه جعلها تستقيل من المؤسسة وتعمل بشكل مستقل وتناشد المنظمات الحقوقية لإنقاذ زوجها وزملائها، من دون فائدة. لكن ما حدث على أرض الواقع هو أن ميليشيا أخرى هجمت على موقعهم وهرب من بقي منهم حياً أثناء الهجوم. ويطلب المتهم من الشاهد الاعتراف بأنه ساعده على الهروب. ثم يحاول المتهم أن يعود إلى عمله الوظيفي بعد هروبه، ويحاول أن يأخذ مكان زميله الذي قتله في العمل أي زوج المدعية، لتقوم هي بمطاردته وفضحه حتى يُطرد من عمله، وتصر على تقديمه للمحاكمة، أي أنها تصر على المحاسبة القانونية أمام المجتمع، وليس على الانتقام الفردي خارج إطار القانون.
حاول المخرج فادي الحواشي والكاتبة ديمة أباظة، تمرير مبررات للشخصية المتهمة بالانتهاكات لمحاولة فهمها من دون نزع إنسانيتها. كان يمكن لكل ما سبق أن يمر من دون معرفة الآخرين حقيقة ما حدث أثناء فترة الاختطاف، لو أن الميليشيا لم تصور عمليات الإعدام وتنشرها في وسائل التواصل الاجتماعي. أي أن المتهم ربما لم يكن يجرؤ على تكرار عمليات الإعدام لو عرف أنه يُصوَّر وأنه سيحاسب في نهاية المطاف. حتى أن المتهم يلومها ببساطة على طرده من وظيفته ومن مسكنه بعد كل ما اقترفه بحق زملائه.
لكن هذا العرض لا يخلو من نقطة ضعف، إذ اشتغل على دائرة ضيقة من المجتمع، وليس على مجموعات لا تعرف بعضها بعضاً، وهذا أمر نجده في الواقع يحدث بطرق أخرى بعد سقوط نظام استبدادي، إذ يمكننا أن نرى كل يوم زملاء عمل سابقين يقومون بالقتل المعنوي لزملائهم، بمجرد أن يوضعوا بمكان سلطة صغير حتى لو كان هامشياً، ونجد موظفين جدد يطردون موظفين قدماء ليحلّوا مكانهم لأن تغييراً ما حدث داخل السلطة.
لم يستسلم المسرح في الداخل السوري طوال السنوات الـ15 الماضية، وبقي عدد محدود من المسرحيين يعملون بصمت خلال هذه الفترة، ضمن الحدود المتاحة والإمكانات المحدودة، قدموا عروضاً جيدة لكنها نادرة. لم تتوقف ورشات الكتابة للمسرح والقراءات، مع توخي الحذر الشديد في التعامل مع السلطات، وذلك بجهود محبي المسرح وبضع مؤسسات آمنت بضرورة استمرار الحركة المسرحية في دمشق تحديداً ولو بالحدود الدنيا.
فريق العمل: مساعد إخراج: براء بدوي، سينوغرافيا: يارا أبو كرم، تصميم الإضاءة: محمد نور درا، تصميم المشهد الصوتي: وجد النجار، تصميم المواد البصرية: آدم ديب، أنطون أيوب، تصميم البوستر والبرشور: غيث المرزوقي.




