لا تبدأ علاقة السوريين بزياد الرحباني من موقعه في التجربة اللبنانية، ولا من نسبه الرحباني، ولا من كونه موسيقياً ومسرحياً خرج من بيروت الحرب واليسار والمقهى والخذلان. هذه كلها، اليوم في الذكرى السنوية الأولى لرحيله، عناصر ضرورية لفهم زياد داخل سياقاته الأصلية، لكنها لا تكفي لفهم تحوله السوري، لفهمه بوصفه... سورياً.
كان استقبال زياد، في سوريا، استقبالَ لغةٍ احتياطية، أو جهازٍ جانبي للقول، استُخدم حين ضاقت اللغة اليومية عن وصف الخيبة، وحين فقد الخطاب السياسي قدرته على الإقناع، وحين لم يعد الحب نفسه قادراً على الظهور بصيغته الرومانسية البسيطة.
لذلك، ليست المسألة هنا في زياد بقدر ما هي في جمهوره السوري. في الطريقة التي انتقل بها من عمل فني إلى حالة اجتماعية، ومن مسرحية مسموعة إلى جملة متداولة، ومن أغنية إلى حالة نفسية، ومن فنان لبناني إلى مرآة غير مباشرة لوعي سوري مأزوم.
ما يستحق التأمل ليس لماذا أحب السوريون زياد، بل يتعدى ذلك إلى: لماذا احتاج السوريون زياد.
المحبة، وحدها، لا تفسر هذا النوع من الحضور. كثيرون أحبوا فنانين عرباً ولبنانيين، لكن القليل منهم دخلوا اللغة اليومية كما دخل زياد. والقليل منهم صار قابلاً للاستدعاء كلما تعطل الكلام.
هنا تحديداً يكمن الفرق بين فنان يُسمع وفنان يدخل في سياق الحاجة اليومية. زياد لم يبق في سوريا ضمن خانة الذائقة، بل انتقل إلى خانة الوظيفة. صار يؤدي دوراً في تفسير اليومي، في تمرير السخرية، في تسمية العجز، في تخفيف وطأة الهزيمة من دون إنكارها. وهذا ما يجعل حضوره السوري ظاهرة ثقافية لا مجرد امتداد طبيعي لجمهور لبناني أو عربي.
الكاسيت: الطريق السري إلى الجيل
وصل زياد إلى السوريين، أولاً، عبر الكاسيت. ليس هذا تفصيلاً تقنياً على الإطلاق.
فالكاسيت لم يكن وسيطاً محايداً، إذ بدا، في زمنه، شكلاً من أشكال التلقي. ما يصل عبره لا يصل دفعة واحدة، ولا يصل نقياً، ولا يصل دائماً ضمن سياقه الأصلي: شريط منسوخ عن شريط، صوت متآكل قليلاً، عنوان مكتوب بخط اليد، وربما عمل مسرحي مقطوع أو أغنيات بلا ترتيب.
في سوريا، كان الكاسيت طريقة في الالتفاف على الندرة الثقافية، وعلى مركزية البث، وعلى اختيارات المؤسسات.
لكن هذا النقص في الوسيط منح التجربة جزءاً من معناها. فزياد لم يأتِ بوصفه مادة مكتملة محفوظة في أرشيف: اخترق الفضاء السوري بوصفه شيئاً متداولاً، عابراً، شخصياً، قابلاً للنسخ والتصرف والتملك.
في سوريا، كان الكاسيت طريقة في الالتفاف على الندرة الثقافية، وعلى مركزية البث، وعلى اختيارات المؤسسات. لم تكن الأعمال تصل دائماً عبر القنوات التي تمنحها شرعية، إنما عبر الأصدقاء، محال التسجيل، غرف الطلاب، السيارات، والسهرات الطويلة.
بهذا المعنى، دخل زياد إلى الوعي السوري من خارج المؤسسة. رجل عصي على أن يكون جزءاً من برنامج ثقافي معلن، ولا من احتفاء رسمي، كان جزءاً من اقتصاد تداول صغير، شبه منزلي، يعطي العمل الفني قيمة إضافية لأنه وصل بجهد شخصي، لا بقرار من أحد.
هذا الوصول البطيء جعل التلقي أكثر حميمية. فالمستمع لم يكن يضع شريط زياد كما يضع أي أغنية في الخلفية. كان يصغي إلى عالم كامل يتسرب من المسجلة: شخصيات تتكلم أكثر مما تفعل، جمل تبدو ساخرة لأنها عاجزة عن أن تكون مباشرة، موسيقى لا تفصل الفرح عن الكآبة، وضحك يعرف أنه لا يغير شيئاً لكنه يمنع الانهيار الكامل. ومن داخل هذا الخليط، بدأ السوريون يجدون أنفسهم في مادة لم تُكتب لهم، لكنها بدت كأنها تعرفهم.
المدينة الجامعية: مصنع مبكر للخذلان
لا يمكن فهم زياد سورياً من دون المدينة الجامعية، فضائه الحميم، وذاكرة الجيل.
هناك، في ذلك المكان المؤقت تشكل جزء أساسي من جمهوره. المدينة الجامعية مختبر اجتماعي قاسٍ، يتكثف فيه الانتقال من الوهم إلى الخبرة. يدخلها الطالب محملاً بصورة واسعة عن الجامعة، المدينة، الحب، السياسة، والمستقبل، ثم يكتشف سريعاً أن هذه الكلمات أكبر من قدرته على احتمالها.
كانت مسرحيات مثل «بالنسبة لبكرا شو؟» و«فيلم أميركي طويل» تتجاوز، في هذا السياق، جدواها الفنية. كانت تعمل كقاموس، معجم يومي، أسئلة وأجوبة.
في تلك الغرف الضيقة، حيث يتجاور أبناء المحافظات والطبقات واللهجات، يصبح زياد مفهوماً بطريقة مختلفة. لا لأنه يشرح ما يحدث، ولكن لأنه يطابق النبرة الداخلية لذلك الجيل: الطموح المعلّق، الفقر الذي يدرّب صاحبه على السخرية، الحب الذي لا يجد مكاناً مستقلاً عن الخوف والمال والوقت، والسياسة التي تحضر في كل شيء من دون أن يستطيع أحد لمسها مباشرة.
كانت مسرحيات مثل «بالنسبة لبكرا شو؟» و«فيلم أميركي طويل» تتجاوز، في هذا السياق، جدواها الفنية. كانت تعمل كقاموس، معجم يومي، أسئلة وأجوبة. مسرحيات زياد لا تشبه المسرح كما يتخيله الطلاب، إنما هي من طينة جلساتهم نفسها: أناس يتكلمون كثيراً، يتجادلون، يخيبون، يضحكون، يمررون الحقيقة داخل النكتة، ويهربون من اليأس إلى السخرية.
هكذا، تحولت الجمل إلى إشارات، شيفرات اجتماعية. الاقتباس من زياد ليس استعراضاً ثقافياً، إنه طريقة في التعارف. من يفهم الجملة يفهم الخلفية النفسية التي صدرت عنها. ومن يضحك عليها لا يضحك بالضرورة لأنها مضحكة، بل لأنها تختصر عجزاً مشتركاً عن الكلام المباشر.
في المدن الجامعية، صار زياد نوعاً من الأدب الشفهي الحديث.
المقهى: المسرح السوري غير المعلن
إذا كانت المدينة الجامعية قد صنعت التلقي الأول، فإن المقهى وسّعه وحوّله إلى ممارسة.
المقهى السوري، في معناه الاجتماعي، ليس مكاناً للفراغ فقط، إنه تعويض صغير عن مجال عام غائب. فيه تُدار نقاشات لا تكتمل، وتُقال آراء بصوت منخفض، وتتحول الأخبار إلى مادة للسخرية، والهزائم إلى حكايات قابلة للتبادل. في هذا المكان، كان زياد حاضراً حتى حين لا يُسمع صوته.
المقهى السوري، في معناه الاجتماعي، ليس مكاناً للفراغ فقط، إنه تعويض صغير عن مجال عام غائب.
منح زياد رواد المقاهي شكلاً من أشكال الذكاء الدفاعي: أن تسخر من الواقع لا لأنك خارجه، إنما لأنك عالق فيه. أن تعرف أن النكتة لا تحل المشكلة، لكنها تمنع المشكلة من امتلاكك بالكامل. بهذا المعنى، كانت السخرية الرحبانية (الزيادية) عند السوريين بديلاً عن الخطابة، وعن الشكوى أيضاً. فهي لا تطمئن، ولا تواسي بسهولة، لكنها تحافظ على مسافة صغيرة بين الإنسان وهزيمته.
هذه المسافة هي جوهر التلقي السوري لزياد. لم يطلب السوري من زياد جواباً، ما أراده منه هو طريقة أقل ابتذالاً لصياغة السؤال، وقد منحه إياها. لم يكن السوري يريد منه بطلاً ثقافياً جديداً، وإنما أراد أن يمنحه شاهداً على أن العالم مختل، وأن إدراك هذا الاختلال لا ينبغي أن يتحول دائماً إلى مأساة معلنة. أحياناً يكفي أن يُقال الشيء بنبرة صحيحة كي يصبح محتملاً.
منح زياد السوريين، أو فئة واسعة منهم على الأقل، لغة ثالثة بين الصمت والخطاب.
السياسة خيبة شخصية
قُرب زياد من السوريين لم يأت من تطابق سياسي بين لبنان وسوريا، ولا من تشابه ميكانيكي بين الحرب الأهلية اللبنانية والتجربة السورية. جاء من منطقة أعمق: من فهم السياسة لا بوصفها خطاباً عاماً فقط، بل بوصفها ثقلاً شخصياً.
في أعمال زياد، لا تبقى السياسة في البيانات والاجتماعات والأحزاب، إنها تنزل إلى الطاولة، إلى الجيب، إلى العلاقة، إلى نبرة الصوت. تتحول إلى شيء يفسد اليوم العادي، لا إلى فكرة كبرى تقف خارجه.
هذه النقطة هي ما جعلته قريباً من السوريين. فقد عاشوا، لعقود طويلة، داخل لغة سياسية ضخمة، يقينية، شديدة الاطمئنان إلى نفسها، لكنها في الوقت نفسه فقيرة في قدرتها على تفسير الحياة. كانت الشعارات تقول كل شيء تقريباً، لكنها لا تقول شيئاً في آن واحد. هنا جاء زياد كضد غير مباشر للغة الخشبية. لم يقدّم خطاباً مضاداً بقدر ما كشف هشاشة الخطاب السائد نفسه.
لا نرى اليساري عنده (في زمن اليسار)، بطلاً مكتمل الملامح، بل يبدو أقرب ما يكون إلى كائن خائب، ذكي، متورط، ساخر من نفسه
لم يكن زياد يطلب من مستمعه السوري أن يعتنق موقفاً نهائياً. قوته، على العكس، كانت في زعزعة الاطمئنان إلى المواقف النهائية. شخصياته لا تعيش يقيناً صافياً، بل ارتباكاً دائماً.
لا نرى اليساري عنده (في زمن اليسار)، بطلاً مكتمل الملامح، بل يبدو أقرب ما يكون إلى كائن خائب، ذكي، متورط، ساخر من نفسه ومن العالم. وهذا ما التقطه السوريون جيداً. فخيبتهم السياسية، ليست نتيجة انقلاب مفاجئ، إنما سطت على حياتهم نتيجة تراكم طويل: وعود كبيرة، هزائم متكررة، مجال عام مغلق، ومثقف يتعلم مع الوقت أن سخريته قد تكون آخر ما بقي له من حرية داخلية.
الحب عطب يومي
غير أن اختزال زياد في السياسة يحجب نصف حضوره السوري، لأنه لم يدخل الوجدان عبر الموقف السياسي وحده، ولكن عبر الحب أيضاً:
إنه حب معطوب، متردد، ناقص، لا يملك رفاهية أن يكون بريئاً من شروط الحياة. لذلك بدا قريباً من جيل سوري لم يعرف الحب كمساحة مستقلة تماماً، إنما اختبره كشيء يعيش تحت ضغط السكن المشترك، الفقر، الرقابة، السفر، الخوف، وسوء التوقيت.
في أغنيات زياد، لا تبدو العاطفة منفصلة عن العالم. إنها تحمل قسوته داخلها. الجملة العاطفية عنده لا تذهب إلى البكاء الخالص، ولا إلى الرومانسية النظيفة: تبقى معلقة بين السخرية والاعتراف. وهذا ما جعل أغنياته قابلة للاستعمال السوري. لم تُسمع كأغنيات احتجاجية أو وجودية، ولكن كدفاع شخصي ضد عالم يحب الاتهام. لم تُسمع كتمرين ساخر في اللغة، إنما كتوصيف لمنطق عبثي يحاصر الحياة اليومية: بما أن الأشياء تسير بهذه الطريقة، فلا معنى للاعتراض، أو لعل الاعتراض نفسه جزء من العبث.
الحب هنا لا ينقذ صاحبه من السياسة، ولكنه يكشف مقدار حضور السياسة في الجسد واليومي. لذلك كان السوري يسمع زياد في لحظات الحب وبعدها؛ في بداية العلاقة حين تكون الكلمات كثيرة، وفي نهايتها حين لا يبقى إلا مقطع موسيقي أو جملة ناقصة. كأن زياد لا يكتب للحب، لقد كتب للمنطقة التي يبدأ فيها الحب بفقدان لغته.
يوتيوب: الذاكرة حين صارت مقطعاً
مع الإنترنت، لم يختفِ زياد القديم، فقط تغيّر شكل حضوره. خرج من الشريط إلى الرابط، ومن الجلسة الطويلة إلى المقطع القصير، ومن الذاكرة السمعية إلى التداول الرقمي.
الأجيال الجديدة لم تحتج دائماً إلى المسرحية كاملة كي تدخل عالمه. قد تبدأ بجملة مقتطعة، أو مشهد متداول، أو أغنية تظهر في لحظة خيبة شخصية أو عامة. وهذا التحول، رغم ما فيه من اختزال، لم يلغِ وظيفة زياد، ولكنه أكّدها.
الفنان الذي يتحول إلى مقاطع قابلة لإعادة الاستخدام لا يبقى في زمنه الأصلي. يصبح جزءاً من نظام تعليقات طويل على الحاضر. كل أزمة جديدة تبحث عن جملة قديمة تصلح لها. كل خيبة عاطفية تجد أغنية سبق أن قالت شيئاً قريباً منها. كل عبث سياسي يعيد استدعاء مشهد من «فيلم أميركي طويل» كأن الزمن لم يتقدم، دار حول نفسه.
هنا لم يعد زياد مادة نوستالجية فحسب، بل غدا أداة قراءة متجددة.
لكن هذا الاستخدام الرقمي كشف شيئاً آخر: أن الحاجة التي صنعت جمهور الكاسيت لم تنتهِ. الوسيط تبدل، أما العطب الذي جعل زياد مفهوماً فما زال ينتج نفسه بصيغ جديدة. لذلك لم يعد السؤال: كيف انتقل زياد إلى السوريين؟ بل: لماذا بقي قابلاً للانتقال بين أجيال مختلفة؟ الجواب، ربما، أن أعماله لم تكن مرتبطة بحدث واحد، ارتبطت ببنية شعورية قابلة للتكرار: انتظار الغد، انهيار المعنى السياسي، الحب غير المكتمل، والضحك بوصفه شكلاً أخيراً من أشكال السيطرة على الألم.
لماذا بدا سورياً؟
لأنه أتاح للسوريين أن يروا أنفسهم من مسافة آمنة، مسافة ضرورية. فالفن القادم من الجوار يسمح أحياناً بقول ما لا يمكن قوله في المرآة المحلية المباشرة. اللهجة اللبنانية، في هذه الحالة، لم تكن حاجزاً، أدت وظيفة: كانت غطاءً جمالياً وسياسياً. من خلالها استطاع السوري أن يضحك على ما يخصه من دون أن يسميه دائماً. لا يعني هذا مصادرة زياد من سياقه اللبناني. على العكس، سر حضوره أنه بقي ابن سياقه.
بيروت زياد، بما فيها من حرب ويسار ومقهى وخيبة ولغة يومية، لم تكن مطابقة لدمشق أو حلب أو حمص، لكنها فتحت ممراً نحوها. لم يكن التشابه في الوقائع، لكنه حضر في البنية: الفرد أمام السلطة، الحب أمام شروط العيش، اللغة الساخرة أمام الخطاب الكبير، والوعي حين يكتشف أن الهزيمة مناخ طويل، وليست حدثاً.
لهذا صار زياد جزءاً من الذاكرة السورية، صار جزءاً أساسياً من النظام الداخلي السوري في التعامل مع العطب، في القدرة على النظر إلى الخيبة والتحديق بها، صار سورياً ببساطة: لأنّ السوريين قالوا أنفسهم من خلاله. بدا سورياً لأنه كان يضحك، كي لا يقول إنه تعب.




