الحسكة يفترسها العطش

بشير البكر الاثنين 2026/07/20
عناصر من الدفاع المدني والأهالي يخمدون الحريق الذي اندلع شرقي رأس العين بريف الحسكة
عناصر من الدفاع المدني والأهالي يخمدون الحريق الذي اندلع شرقي رأس العين بريف الحسكة
حجم الخط
مشاركة عبر

 صور وأخبار محافظة الحسكة بشرق سوريا التي تنتشر على وسائل التواصل منذ شهر، تُنذر بكوارث كثيرة. في البدء، وقبل أن يحل فصل الصيف، صارت حرائق المحاصيل الزراعية في صدارة العناوين، بدلا من الحصاد الوفير من الحبوب بفضل الأمطار الغزيرة التي هطلت في الشتاء الماضي، على أثر انقطاع استمر عدة أعوام نتجت عنه موجة جفاف شديدة، أصابت المنطقة بنكبة عامة أفقرت متوسطي الحال، ورمت الفقراء تحت خط الفقر عدة درجات.


ترافقت الحرائق مع ارتفاع في أسعار المحروقات، وهو ما أدى لزيادة تكاليف الحصاد، في وقت لم تكن تسعيرة الدولة للقمح مجزية، حسب ردود فعل المزارعين في عموم المحافظات السورية، وقد عبرت بعضها عن عدم رضاها. على الفور، تجاوبت السلطة، وعدلت في السعر، لكن شكاوى المزارعين لم تتوقف، وركز بعضها على مظاهر فساد إداري كالتي كانت مستشرية في زمن الأسد و"قسد". ومن اللافت أن محافظة الحسكة جاءت في الصدارة على مستوى كمية الإنتاج، وشكلت لوحدها نحو 40-54 في المائة من إجمالي إنتاج القمح بسوريا بأكثر من مليون طن، وأكثر من نصف مليون طن من الشعير.
 

الخبر الثاني الذي يستدعي التوقف أمامه مطولاً يتعلق بعدم وجود مياه صالحة للشرب في المدينة، وقلة ساعات وصول التيار الكهربائي، وقد استفحلت هاتان الأزمتان المزمنتان مع ارتفاع درجات الحرارة إلى حدود قياسية، لامست حدود 50 درجة مئوية في بعض المناطق. ويعود سبب غياب مياه الشرب إلى الجفاف الذي لحق بنهر الخابور مصدر المحافظة الرئيسي، وانتقال السكان للاعتماد على مياه الآبار أو شراء المياه المنقولة بواسطة الصهاريج. وقد حال ارتفاع أسعارها دون وصولها للغالبية العظمى من الأهالي.
 

من بين الصور التي تداولتها وسائل التواصل في الأيام الأخيرة بكثرة هجرة العديد من العوائل من مناطق مختلفة في محافظة الحسكة بسبب انعدام مقومات الحياة، وتحديدا بسبب عدم توافر مياه الشرب، وتحدث العديد من الرجال والنساء عن ظروفهم الحياتية البائسة، وناشدوا السلطات للتدخل العاجل من أجل توفير مياه الشرب والتيار الكهربائي، الذي تعطلت بسببه المرافق والبرادات والمراوح حتى صار الناس يهربون من منازلهم للنوم في العراء. وتبقى مشكلة المياه أخطر تحدٍ يواجه الحسكة، وربما أخطر من النفط والكهرباء. لأن المدينة يمكن أن تعيش مع تقنين الكهرباء، لكنها لا تستطيع أن تعيش بلا مياه.
 

تأمل الأهالي وانتظروا أن يتم إصلاح محطة مياه الشرب "علوك" القريبة من مدينة راس العين على بعد حوالي 60 كلم، وقد جرى تحديد الأول من الشهر الحالي موعدا لنهاية الأشغال وتدفق المياه من جديد في صنابير البيوت، ولكن الأمر تأخر، مما فاقم المعاناة. وأعاد طرح السؤال الذي يتردد منذ أكثر من عقدين حول البحث عن حلول دائمة لأزمة المياه التي غيرت جغرافية وتاريخ المنطقة. وهناك مفارقة صارخة تتمثل في عدم استفادة المحافظة من معظم مياه الأمطار الغزيرة التي هطلت في الربيع الماضي، بل إن بعضها أدى إلى فيضانات دمرت البيوت الطينية القريبة من سرير النهر، وأضر بالمحاصيل الزراعية على ضفتيه. ورغم أن وزارة الطوارئ حاولت نجدة السكان بسرعة وعلى نحو فعال، فإن المعالجة لم تنه المعاناة بسبب تهالك البنى التحتية وغياب الوسائل الكفيلة بمنع تكرر هذه الجوائح، وقد تبين أن السلطات التي أدارت المدينة خلال حكم "قسد" قد أفرغتها من الآليات اللازمة لبناء مصدات لمياه الفيضان.
 

تعاني المحافظة مشاكل مزمنة، بعضها يعود إلى زمن النظام السابق، والباقي إلى مرحلة حكم "قسد". وقد تضافرت مساوئ المرحلتين معا، لتوصيل المحافظة إلى وضع صعب جدا، من المرجح أن تكون له تداعيات على سورية ككل، إذا لم تسارع السلطات الرسمية لاتخاذ إجراءات تقود إلى حلول سريعة وجذرية للمشاكل الحياتية كالماء والكهرباء وتوفير الحد الأدنى من الخدمات الصحية في مرحلة أولى، ووضع خطة على المدى البعيد تعتمد على تخصيص جزء ثابت من موارد المنطقة النفطية والغازية والزراعية لتطوير البنية التحتية المحلية: المياه، والكهرباء، والطرق، والمستشفيات، والمدارس، ودعم الزراعة. وهذا النموذج مطبق في دول عديدة، حيث تحصل المناطق المنتجة للموارد على حصة تنموية محددة، مع بقاء الموارد نفسها ملكاً للدولة. وقد يكون هذا من أكثر الحلول توازناً للحسكة، لأنه يجمع بين وحدة الدولة وتحقيق قدر أكبر من العدالة التنموية.
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث