يستأهل "كتاب خالد" لأمين الريحاني، الذي صدر عام 1911 بالإنكليزية في نيويورك، قراءة جديدة من منظور التعاطي الأميركي الحالي مع المهاجرين في عهد دونالد ترامب، كما استأهل قراءات أخرى في زمن الحرب الباردة وما تلاها من أحادية القطب، وشيطنة المهاجرين المسلمين والإسلاموفوبيا بعد أحداث 11 أيلول... فقد عكس عمل الريحاني جذور التوترات الثقافية والسياسية التي شكلت وما زالت تشكل المشهد السياسي الأميركي. على الرغم من الفجوة الزمنية التي تتجاوز القرن، يمكن القول إن رحلة بطل الرواية خالد وصديقه شكيب من مدينة بعلبك إلى نيويورك تمثل مرآة تاريخية لسياسات "أميركا أولاً"، والخطاب الحمائي، وإشكالية الهوية الثقافية.
يربط النصّ، الذي صنّف رواية، مباشر بين فلسفة أمين الريحاني والواقع المعاش للمهاجرين في أميركا، حيث يبدأ من صدمة التوقعات و"الحلم الأميركي"، إذ يُظهِر الريحاني كيف يتحول "الحلم" سريعاً إلى شقاء مادي. لم يجد خالد وصديقه شكيب شوارع المدينة مفروشة بالذهب، بل بدآ العمل بائعين متجولين يحملان سلالاً ثقيلة على أكتافهما لبيع الصلبان والخرز في أحياء نيويورك الفقيرة. يصف الريحاني المدينة بأنها "عرين المادية" حيث تُقاس قيمة الإنسان بما يملك لا بما يحمل من فكر. في الواقع المعاصر، هذا ما يواجهه المهاجر، فالصورة الذهنية لأميركا كأرض الفرص اللامحدودة تصطدم بنظام اقتصادي رأسمالي شرس حتى لو اختفى بائعو "السل" أو "الكشّة". وفي ظل توجهات ترامب الاقتصادية، يركز على "نظام الهجرة القائم على الجدارة". ورأينا كيف يختزل هذا النظام المهاجر في قدرته على تحقيق ربح فوري للسوق، مما يضع المهاجرين العاديين أو طالبي اللجوء تحت ضغط معيشي ونفسي هائلين، ويجعلهم يواجهون الشقاء والإنهاك الجسدي اللذين واجههما خالد وشكيب في قبو نيويوركي تحت الأرض.
خطاب خالد
في الرواية، يوجه خالد خطابا نارياً ضد ما يسميه "وثنية القرن العشرين"، وهي عبادة المال والنجاح المادي الإجمالي على حساب القيم الإنسانية. يرى خالد أن أميركا نجحت في بناء ناطحات السحاب ومصانع الحديد، لكنها فشلت في بناء "الإنسان الأخلاقي"، محذراً من أن هذه الرأسمالية المتوحشة ستؤدي إلى استعباد الشعوب الأخرى وإلى صعود نزعة إمبريالية قاسية تفتقر للرحمة. واليوم، بعد أكثر من قرن، يتجسد هذا التحذير في جوهر عهد ترامب الذي يُدار بعقلية "رئيس مجلس الإدارة". إذ تقوم السياسة الخارجية والداخلية في هذا العهد على النفعية البحتة والمقايضة الاقتصادية (الحروب التجارية، فرض التعرفات الجمركية، وتقييم العلاقات الدولية بميزان الربح والخسارة المالي). خطاب خالد يُعرّي هذه النزعة مبكراً، فالمهاجر اليوم في نظر الإدارة المعاصرة ليس "إنساناً يبحث عن ملاذ"، بل هو "وحدة اقتصادية" إما أن تدرّ ربحاً صافياً للدولة أو تُعتبر عبئاً ينبغي التخلص منه وترحيله.
كما عانى خالد من النظرة الاستعلائية الغربية، فالوافدون من بلاد الشام (المشرق) آنذاك كانوا يُصنفون تارة كـ "أتراك" (توركو) بسبب التابعية العثمانية، وتارة كـ "آسيويين غير قابلين للاندماج". تعرض خالد للاعتقال والمحاكمة بتهم واهية، وعكست الرواية كيف ينظر المجتمع الأميركي بقلق إلى الهوية الثقافية والدينية المختلفة للمهاجر الجديد. قد لا نكون بعيدين عن الواقع إن قلنا إن هذه النمطية هي الجوهر الفكري لسياسات مثل "حظر السفر" وبناء الأسوار الحدودية في الولايات المتحدة بين عهدي ترامب السابق والحالي. كما أن خطاب ترامب السياسي يعتمد بشكل أساسي على تصوير "الآخر"، سواء أكان وافداً من الشرق الأوسط أو أميركا اللاتينية، كتهديد ثقافي وأمني للهوية الأميركية الأنغلوسكسونية البيضاء. ما عاشه خالد من شعور بالاقصاء لكونه "شرقياً" يتطابق مع مشاعر "الإسلاموفوبيا" والتشكيك في ولاء المهاجرين العرب والمسلمين اليوم، حيث يُطالب المهاجر باستمرار بإثبات براءته وحسن نياته وتخليه عن خصوصيته الثقافية ليتم قبوله.
تخطت عبقرية الريحاني الصراع بين المادية الغربية والروحانية الشرقية، واستشرفت طروحاً قابلة للتطبيق في الحوار، فتمثل الرواية محاولة فلسفية لدمج "مادية الغرب وعلمه" مع "روحانية الشرق وحكمته"، لكن المسألة ليست بهذه البساطة. يكتشف خالد أن أميريكا تفتقر إلى الروح، فالناس هناك يركضون خلف الدولار مثل الآلات. هذا الصراع يدفعه إلى "الجنون" بمقاييس المجتمع الأميركي، وينتهي به الأمر بنبذ المدينة والعودة إلى سوريا العثمانية ليعيش كزاهد ومصلح. اليوم، لا يمكننا القول إلى المهاجرين العرب بشكل عام والمشرقيين بشكل خاص يواجهون "أزمة الهوية" كمؤسسات وجمعيات، فعلى الرغم من وجودها يعيش المهاجرون كأفراد صراعاً وجودياً حاداً تحت عنوان "أزمة الهوية". إذا استثنينا الأجيال التي انصهرت بالفعل، فالسياسات والمناخ العام المحافظ اليوم يشجعان على "الانصهار الثقافي الكامل" بدلاً من "التعددية الثقافية". المهاجر يجد نفسه ممزقاً بين الرغبة في النجاح في مجتمع مادي يتطلب الانخراط الكامل في منظومته الاستهلاكية، وبين الحفاظ على قيمه الروحية، الأسرية، والأخلاقية المستمدة من خلفيته الشرقية. هذا التمزق يؤدي بكثير من المهاجرين المعاصرين إلى اتخاذ خيار "خالد" نفسياً: إما العزلة داخل غيتوات ثقافية لحماية أنفسهم، أو التفكير في "الهجرة العكسية" والعودة إلى الأوطان.
تحمل الرواية خطاباً فلسفياً بالغ الأهمية، إذ يوقف الريحاني بطلها خالد ليتساءل: هل عظمة أميركا تكمن في حجم تجارتها أم في مبادئ دستورها؟ يرى الريحاني على لسان بطلة أن أميركا تمتلك الإمكانات لتكون "منقذة العالم" إذا زاوجت بين علمها وقوتها وبين العدالة الروحية. ولكنه يحذر من أن تخلّي أميركا عن دورها الأخلاقي وتحولها نحو الأنانية القومية سيفقدها شرعيتها كقائدة للعالم الحر. وربما يمثل هذا الصراع الفكري لبّ النقاش الدائر اليوم حول شعار "اجعل أميركا عظيمة مجدداً". إن مفهوم "العظمة" من منظور ترامب يركز على القوة العسكرية، والحدود المغلقة، والهيمنة الاقتصادية، والانعزالية السياسية (أميركا أولاً). في المقابل، يمثل خطاب خالد صوت النقد الليبرالي والإنساني المعاصر الذي يرى أن عظمة أميركا الحقيقية تتراجع عندما تتخلى عن قيم التعددية، وحماية اللاجئين، والقيادة الأخلاقية للعالم.
كذلك لا يخفى أن الريحاني، ككاتب، كان معجباً جداً بالدستور الأميركي وقيم الحرية والعدالة التي نادى بها توماس جيفرسون وجورج واشنطن، وجعل بطله خالد ينهل من تلك الأفكار. لكنه لم يتوقف عند حدود الانبهار بالديمقراطية، بل غاص في تفكيك عيوبها البنيوية. وتظهر المفارقة عندما يكتشف أن هذه الحرية السياسية ملوثة بالفساد الحزبي، كما حدث له مع منظمة "تاماني هول" السياسية التي انتقدها الريحاني بشدة في الرواية، وأن الديمقراطية تُسخّر لخدمة الشركات الكبرى لا الإنسان المهاجر. ينخرط خالد في العمل السياسي في نيويورك ويصطدم بالآلة السياسية الحقيقية للحزب الديمقراطي في ذلك الوقت والتي كانت تتحكم في أصوات المهاجرين عبر الرشى والمحسوبيات. يلقي خالد خطابات يهاجم فيها تحول الديمقراطية إلى "تجارة"، وكيف يُستغل المهاجرون الجدد كأدوات وقود انتخابي لصالح نخب فاسدة لا تهتم بحقوقهم الحقيقية. ربما يتقاطع هذا النقد مع شعار ترامب الشهير "تجفيف المستنقع" ونقده الشرس للمؤسسة السياسية التقليدية في واشنطن. والمفارقة هنا هي أن الطرفين (خالد من منظور فكري، وترامب من منظور شعبي محافظ) يتفقان على أن "الديمقراطية الأميركية أصبحت أسيرة نخب بيروقراطية وجماعات الضغط (اللوبيات). لكن بينما أراد خالد تطهير الديمقراطية بالروحانية والعدالة، استغل الخطاب المعاصر هذا الاستياء لفرض سياسات حمائية وشعبوية تزيد من إقصاء المهاجرين بدلاً من تمكينهم. ويتجلى هذا المنهج بوضوح في النقد الموجه لإدارة ترامب بشأن حقوق الإنسان وحق اللجوء. أميركا، التي طالما قدمت نفسها كـ "تمثال الحرية" وملاذاً للمضطهدين في العالم، تبنت في عهد ترامب سياسات "فصل العائلات عند الحدود"، وتقليص دعم اللاجئين إلى أدنى مستوياتها التاريخية، والانسحاب من بعض المعاهدات الدولية ذات الصلة. هذا التحول يعيد إنتاج صدمة الديمقراطية والحرية (التي أصبحت مشروطة) لدى خالد. وذلك على مستويين، الأول مشرق للمواطن الأصلي (أو النخبة)، والثاني بيروقراطي وقاسٍ يواجه المهاجر على الحدود وفي المحاكم.
صرخة المهاجر وهزيمته
في خطاباته الأخيرة قبل تركه أميركا، يرفض خالد فكرة "الانصهار الكامل" الذي يمحو هوية المهاجر. يرفض أن يكون مجرد نسخة مكررة من المواطن الأميركي الأنغلوسكسوني. يطالب بحق المهاجر في أن يجلب معه "حكمته الشرقية" ليغني بها الثقافة الأميركية، بدلاً من أن يُجبر على تبني نمط الحياة الغربي كشرط للمواطنة. هذه الصرخة صياغة الصدام الثقافي الحالي في الولايات المتحدة بين مفهوم "الحروب الثقافية" وصعود القومية البيضاء. إذ ينظر الخطاب السياسي المحافظ إلى التعددية الثقافية لوصفها تهديداً لـ"النسيج الأميركي التقليدي"، ويضغط باتجاه دمج المهاجرين قسراً عبر تبني اللغة والقيم المحلية بدون مواربة. كانت خطابات خالد السياسية بمثابة أول "مانيفستو" (بيان سياسي) عربي أميركي يدافع عن التعددية ويرفض الاستلاب الثقافي، وهو ما قد يجعله ملهماً لحركات الدفاع عن حقوق المهاجرين في أميركا اليوم.
لكن خالد لم يصمد. انتهت رحلته بـ "هجرة عكسية" كحل يائس، فهل يمثل ذلك واقع بعض المهاجرين اليوم؟
إن قرار المهاجر بترك بلاد المهجر والعودة إلى وطنه الأصلي أو الانتقال إلى بلد آخر، تعتبر خاتمة وجودية وسياسية فاصلة، كما حدث مع خالد ومع الريحاني نفسه، باعتبار أن بطل الرواية يؤدي جزئيا أدواراً من بيوغرافيا الكاتب. وهذه الظاهرة آخذة في التصاعد بشكل لافت بين المهاجرين في أميركا اليوم. فعندما قرر خالد في نهاية الرواية حزم حقائبه والعودة إلى بعلبك، وقرر الريحاني العودة إلى الفريكة في جبل لبنان، لم يعودا فقط بدافع الشوق، بل كموقف سياسي وفلسفي رافض للنموذج الأميركي.
هل العودة نتيجة "الخيبة الوجودية" واغتراب الروح؟ ربما، فقد عاد خالد بعدما تيقن أن أميركا، على الرغم من ناطحات السحاب وحرياتها المكتوبة، هي "سجن كبير للروح" محكوم بالركض اللانهائي خلف الدولار. خطاباته لم تغير النظام، ومحاولاته للاندماج السياسي قوبلت بالرفض والمحاكمة. لقد اختنق روحياً وثقافياً، ورأى أن العودة إلى جذوره الشرقية هي السبيل الوحيد لاستعادة إنسانيته وإطلاق مشروعه الإصلاحي.
إلا أن عودة خالد لم تكن طوعية بالكامل بل كانت مدفوعة أيضاً بالملاحقة السياسية والقانونية التي تعرض لها في نيويورك. لقد شعر أن المنظومة الأميركية تضيق ذرعاً بالمهاجر المفكر والمتمرّد، وتفضّل عليه المهاجر الخانع الذي يعمل كآلة فقط. أليس هذا ما تشهده الولايات المتحدة اليوم، بعدما تحولت الهجرة العكسية من خيار شخصي إلى استراتيجية نجاة أو رد فعل على مناخ عام طارد (قوة طرد مركزية). إن تشديد قوانين الإقامة، وصعوبة تجديد تأشيرات العمل، وإلغاء برامج الحماية، إلى جانب تصاعد خطاب الكراهية والقومية البيضاء، جعل الكثير من المهاجرين يشعرون بأنهم "غير مرغوب فيهم". في هذا السياق، تصبح الهجرة العكسية المعاصرة صرخة احتجاج وانسحاباً كريماً من مجتمع يرفض الاعتراف بإنسانيتهم وقيمتهم المضافة.
نجد أن الريحاني وضع ضوءاً في آخر نفق عودة خالد، فقدمها كفعل إصلاحي ونقل للمعرفة إذ لم يَعُد بطل الرواية إلى الشرق لينعزل أو يستسلم، بل عاد حاملاً "المنهج العلمي والتفكير الحر" الذي تعلمه في الغرب، محاولاً توظيفه لإصلاح مجتمعه الشرقي وتخليصه من الجهل والتبعية. ينظر الريحاني هنا إلى المهاجر العائد كجسر تواصل يحمل بذور التحديث والحرية إلى وطنه الأم. من هذا المنطلق، ربما نلحظ في العقد المقبل نتائج حملة ترامب المستشرسة على المهاجرين، فكثير من رواد الأعمال، والأكاديميين، والأطباء العرب والآسيويين الذين يغادرون الولايات المتحدة، قد يؤسسون مشاريع رائدة، وجامعات، ومراكز أبحاث في بلدانهم، أو في مناطق جاذبة جديدة يتوفر فيها الحد الأدنى من احترام الشرائع الدولية. إنهم يعودون متسلحين بالخبرة الأميركية والتعليم الغربي، ليمارسوا دور "خالد" في إحداث نهضة وتغيير في مجتمعاتهم، مستفيدين من بيئات عمل قد تكون أكثر ترحيباً وأماناً واستقراراً لهم ولعائلاتهم اليوم، لم تتوفر لخالد قبل أكثر من قرن في زمن السلطنة العثمانية.
لو تسنى للريحاني أن ينظر في روايته اليوم، ربما يمثل هذا الأمل بقعة الضوء في آخر نفق الهجرة العكسية.




