بعد عقد من تأسيسها، وفي العام 1933، شهد نادي القلم الدولي صِدامه الأول بين الأدب والسياسة، حين قام بطرد رئيسة فرع النادي في ألمانيا بعد رفضها إدانة ممارسات حرق الكتب النازية. وفي سياق تبرير القرار آنذاك، علق الكاتب البريطاني إتش جي ولز، الذي كان رئيس المنظمة وقتها، بالقول: "حين تمتد يد السياسة لتعتدي على الأدب وحرية الفكر والتعبير الإنساني، يتحتم علينا الالتفات إلى السياسة. وإلا، فماذا سيصبح نادي القلم؟ هل سيتحول إلى وكالة سياحية- أي منظمة تعني بتعريف الكتاب المعروفين بالمناظر الخلابة- أم إلى فرع خاص من قطاع الفنادق؟"
تلاحق نبوءة ويلز الساخرة، فرع المنظمة في الولايات المتحدة، وهو الفرع الأكبر ومركز الثقل المالي والسياسي للنادي. تأتي استقالة رئيس "بن أميركا"، ديناو مينغيستو، من منصبه يوم الخميس الماضي، بوصفها الحلقة الأخيرة من سلسلة أزمات داخلية في الرابطة الأميركية أطلقتها حرب الإبادة في غزة. السبب المباشر لاستقالة مينغيستو هو نشر المنظمة تقريراً بعنوان "تجميد صامت" يساوى بين حركة المقاطعة وبين التمييز.
التقرير الذي يحتوي على شهادات من كتّاب ومحررين ووكلاء أدبيين، يشير إلى حالة من العزلة والإقصاء يتعرض لها الكتّاب الإسرائيليون واليهود. ويعتمد كتّاب التقرير على شهادات منقولة عن الغير، والقليل من الشهادات المباشرة. وحتى بين القلة من الشهادات المباشرة، لا توجد أمثلة متماسكة لحالات من التمييز. على سبيل المثال، ثمة طالبة دكتوراه يهودية في مجال الكتابة الإبداعية، تقول إنها لم تقدم مخطوطة رواياتها المكتملة إلى دور النشر خشية رفضها.
وحين ينتقل التقرير إلى البيانات، يكتفي بالإشارة إلى 350 بلاغاً ذاتياً عبر الخط الساخن مخصص لـ"الحوادث الأدبية المتعلقة بمعاداة السامية"، من دون تقديم أي تفاصيل عن نوعية تلك الشكاوى، وكيف ترتبط بحركة المقاطعة. ومن الأدلة التي يتذرع بها التقرير، جدول بعنوان "هل كاتبك المفضل صهيوني" انتشر بشكل واسع في أيار 2024 عبر منصة "إكس". تنافي لوائح الكتب الأكثر مبيعاً الادعاء بأن "الوقت ليس مناسباً لكتاب يهودي"، فسوق النشر يبدو فاتحاً ذراعيه للكتّاب اليهود بل والإسرائيليين أيضاً.
بشكل ضمني، يساوى التقرير بين تلك الأمثلة الهشة، وبين ما تعرض له الكتّاب الفلسطينيون والمؤيدون للقضية الفلسطينية من اضطهاد مؤسسي واسع بسبب تعبيرهم عن آراهم، وهي ممارسات "شملت الاعتقال والمضايقات والتهديدات ومحاولات الترحيل والاحتجاز، فضلاً عن إلغاء المشاركات والإقصاء في الأوساط الأدبية والثقافية".
والأهم هو أن العامين 2024 و2025 كانا الأكثر دموية للكتّاب والصحافيين، إذ قتلت إسرائيل أكثر من 260 منهم. ثمة معادلة مفترضة بين طرفين يعاني فيها الكتّاب اليهود والإسرائيليون من "الإسكات ومجموعة من التهديدات والتبعات"، ويسعى التقرير إلى تسليط الضوء على معاناة الطرف المسكوت عنه.
لكن الأمر الأخطر والأكثر إجحافاً، كما يصفه مينغيستو، هو تشويه التقرير لحركة المقاطعة التي تسعى بشكل استراتيجي ومحدد لاستهداف المنظمات والأفراد المتواطئين على للإبادة، وتصويرها وكأنها دعوة للتمييز ضد الكتّاب اليهود بشكل شامل وعشوائي.
في العام 2016 ، هاجم نادي القلم الأميركي، حركة المقاطعة حين وصفها بأنها "اعتداء على هوية الطالب". لكن اليوم، وبعد أكثر من عامين تعرضت خلالهما المنظمة نفسها للمقاطعة من قبل الكتّاب بسبب صمتها لشهور حيال الحرب الإسرائيلية في غزة، أُجبرت في النهاية على الدعوة لوقف تصدير السلاح إلى إسرائيل، وبدأت تستخدم مصطلح "الإبادة الجماعية" لوصف ما يحدث في غزة. ومؤخراً، أصدرت تقريراً حول التدمير المتعمد الذي ألحقته إسرائيل بالمؤسسات الثقافية في القطاع خلال الأعوام الماضية. وتحت الضغط أيضاً، عدّلت سياستها المتعلقة بالمقاطعة لتنص على أنها، كمنظمة، تعارض المقاطعة الثقافية، وفي الوقت نفسه تدعم الحق في المشاركة فيها أو الدعوة إليها.
ذلك التناقض في موقف المنظمة، أو ما يمكن وصفه بالرياء، يستند إلى سوء فهم متعمد لمفهوم المقاطعة بوصفها نقيضاً للحوار، ولهذا يقول مينغيستو بحصافة في خطاب استقالته، "المقاطعة حوار أيضاً".




