"بِن أميركا" وغزة: تجميد صامت

شادي لويسالسبت 2026/07/18
منغيستو بعد فوزه بجائزة "لوسيان باريير الأدبية"، دوفيل الفرنسية، 9 سبتمبر 2015 (Getty)
منغيستو بعد فوزه بجائزة "لوسيان باريير الأدبية"، دوفيل-فرنسا، 9 أيلول 2015 (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد عقد من تأسيسها، وفي العام 1933، شهد نادي القلم الدولي صِدامه الأول بين الأدب والسياسة، حين قام بطرد رئيسة فرع النادي في ألمانيا بعد رفضها إدانة ممارسات حرق الكتب النازيةوفي سياق تبرير القرار آنذاك، علق الكاتب البريطاني إتش جي ولز، الذي كان رئيس المنظمة وقتها، بالقول: "حين تمتد يد السياسة لتعتدي على الأدب وحرية الفكر والتعبير الإنساني، يتحتم علينا الالتفات إلى السياسةوإلا، فماذا سيصبح نادي القلم؟ هل سيتحول إلى وكالة سياحيةأي منظمة تعني بتعريف الكتاب المعروفين بالمناظر الخلابةأم إلى فرع خاص من قطاع الفنادق؟

 

تلاحق نبوءة ويلز الساخرة، فرع المنظمة في الولايات المتحدة، وهو الفرع الأكبر ومركز الثقل المالي والسياسي للناديتأتي استقالة رئيس "بن أميركا"، ديناو مينغيستو، من منصبه يوم الخميس الماضي، بوصفها الحلقة الأخيرة من سلسلة أزمات داخلية في الرابطة الأميركية أطلقتها حرب الإبادة في غزةالسبب المباشر لاستقالة مينغيستو هو نشر المنظمة تقريراً بعنوان "تجميد صامتيساوى بين حركة المقاطعة وبين التمييز

 

التقرير الذي يحتوي على شهادات من كتّاب ومحررين ووكلاء أدبيين، يشير إلى حالة من العزلة والإقصاء يتعرض لها الكتّاب الإسرائيليون واليهودويعتمد كتّاب التقرير على شهادات منقولة عن الغير، والقليل من الشهادات المباشرةوحتى بين القلة من الشهادات المباشرة، لا توجد أمثلة متماسكة لحالات من التمييزعلى سبيل المثال، ثمة طالبة دكتوراه يهودية في مجال الكتابة الإبداعية، تقول إنها لم تقدم مخطوطة رواياتها المكتملة إلى دور النشر خشية رفضها

 

وحين ينتقل التقرير إلى البيانات، يكتفي بالإشارة إلى 350 بلاغاً ذاتياً عبر الخط الساخن مخصص لـ"الحوادث الأدبية المتعلقة بمعاداة السامية"، من دون تقديم أي تفاصيل عن نوعية تلك الشكاوى، وكيف ترتبط بحركة المقاطعةومن الأدلة التي يتذرع بها التقرير، جدول بعنوان "هل كاتبك المفضل صهيونيانتشر بشكل واسع في أيار 2024 عبر منصة "إكس". تنافي لوائح الكتب الأكثر مبيعاً الادعاء بأن "الوقت ليس مناسباً لكتاب يهودي"، فسوق النشر يبدو فاتحاً ذراعيه للكتّاب اليهود بل والإسرائيليين أيضاً

 

بشكل ضمني، يساوى التقرير بين تلك الأمثلة الهشة، وبين ما تعرض له الكتّاب الفلسطينيون والمؤيدون للقضية الفلسطينية من اضطهاد مؤسسي واسع بسبب تعبيرهم عن آراهم، وهي ممارسات "شملت الاعتقال والمضايقات والتهديدات ومحاولات الترحيل والاحتجاز، فضلاً عن إلغاء المشاركات والإقصاء في الأوساط الأدبية والثقافية". 

 

والأهم هو أن العامين 2024 و2025 كانا الأكثر دموية للكتّاب والصحافيين، إذ قتلت إسرائيل أكثر من 260 منهمثمة معادلة مفترضة بين طرفين يعاني فيها الكتّاب اليهود والإسرائيليون من "الإسكات ومجموعة من التهديدات والتبعات"، ويسعى التقرير إلى تسليط الضوء على معاناة الطرف المسكوت عنه

 

لكن الأمر الأخطر والأكثر إجحافاً، كما يصفه مينغيستو، هو تشويه التقرير لحركة المقاطعة التي تسعى بشكل استراتيجي ومحدد لاستهداف المنظمات والأفراد المتواطئين على للإبادة، وتصويرها وكأنها دعوة للتمييز ضد الكتّاب اليهود بشكل شامل وعشوائي

 

في العام 2016 ، هاجم نادي القلم الأميركي، حركة المقاطعة حين وصفها بأنها "اعتداء على هوية الطالب". لكن اليوم، وبعد أكثر من عامين تعرضت خلالهما المنظمة نفسها للمقاطعة من قبل الكتّاب بسبب صمتها لشهور حيال الحرب الإسرائيلية في غزة، أُجبرت في النهاية على الدعوة لوقف تصدير السلاح إلى إسرائيل، وبدأت تستخدم مصطلح "الإبادة الجماعيةلوصف ما يحدث في غزة. ومؤخراً، أصدرت تقريراً حول التدمير المتعمد الذي ألحقته إسرائيل بالمؤسسات الثقافية في القطاع خلال الأعوام الماضيةوتحت الضغط أيضاً، عدّلت سياستها المتعلقة بالمقاطعة لتنص على أنها، كمنظمة، تعارض المقاطعة الثقافية، وفي الوقت نفسه تدعم الحق في المشاركة فيها أو الدعوة إليها. 

 

ذلك التناقض في موقف المنظمة، أو ما يمكن وصفه بالرياء، يستند إلى سوء فهم متعمد لمفهوم المقاطعة بوصفها نقيضاً للحوار، ولهذا يقول مينغيستو بحصافة في خطاب استقالته، "المقاطعة حوار أيضاً".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث