يبدو عنوان ديوان الشاعرة المغربية عائشة بلحاج "ذهب أجسادهن"، للوهلة الأولى، وكأنه يعد القارئ بتجربة تنتمي إلى ما يُعرف بـ"شعر الجسد" أو "الكتابة الأنثوية"، غير أن القراءة تكشف سريعاً أن الأمر أعقد من ذلك بكثير. فالجسد هنا، كما تقول النصوص، هو الوسيط الذي تعبُر من خلاله الذات إلى العالم، وليس موضوعاً للقصيدة، ولا مركزاً للاحتفاء أو الاحتجاج، إنه نقطة الانطلاق لا نقطة الوصول، والعين التي ترى بها الشاعرة الأشياء، لا الشيء الذي تنشغل بوصفه.
إنه يحضر من خلال كونه مرآة للهشاشة الإنسانية، ووسيلة لاختبار الزمن والحب والفقد. والتفاصيل التي تبدو صغيرةً، كالفستان، والقُبلة، واليد، والظل، كلها تصبح محورية وتتحول إلى مفاتيح لفهم الإنسان:
أستسلم لمسافات تذوب
يتلاشى جسدي في ظلي
وجسدك في الظل ذاته.
ما الذي يجمع
كائنين
أحدهما في الآخر...
هما انعكاس الدهشة في المرايا
وحيرة الجواب
ربما لهذا يصعب إدراج هذه التجربة ضمن الشعر النسوي بالمعنى الإيديولوجي أو ضمن شعر الاعتراف بصيغته المعروفة، لأنها لا تنشغل بإثبات الهوية الأنثوية بقدر ما تنشغل بتحويل التجربة الشخصية إلى سؤال وجودي.
من هنا تتبدى السمة الأبرز للديوان، حيث العالم لا يُقرأ عبر الأفكار المجردة، وإنما عبر الأشياء الحاضرة في يومياتها، فهي تبدو وكأنها شخصيات كاملة تؤدي أدواراً رمزية داخل النص.
في قصيدة "نضج"، مثلاً، يتحول الباب إلى جدار، ثم يصبح ظلاً يساند المتعبين، في رحلة تجعل الأشياء نفسها تنمو وتتغير مثل البشر. وبهذا المعنى يقترب الديوان من الشعر الذي يمنح المادة حياة مستقلة، حيث تصبح الأشياء حاملة للعطب الذاتي، أو لنقل بؤرة توليد الموقف، أكثر مما تصبح مجرد استعارات لغوية.
ويلفت الانتباه أيضاً حضور علامات ثقافية راهنة داخل النسيج الشعري. فالإشارات إلى Google Maps، وودي آلن، وتوني موريسون، وLinkedIn، وFiller Hyaluron، والروديو، تُعدّ تكوينات من العالم الذي تتحرك فيه الذات المعاصرة. وهي إضافة إلى منحها النصوص طابعاً حداثياً، تؤكد أن القصيدة لا تعيش خارج زمنها.
ومع ذلك، في بعض النصوص، تستوقف المرجعية الثقافية القارئ منذ السطر الأول، قبل أن تتكشف ضرورتها داخل البنية الشعرية، فيبدو المرجع أكثر بروزاً من الصورة التي يحتضنها. غير أن الشاعرة تنجح، في معظم هذه النصوص، في استيعاب تلك المرجعيات وتحويلها إلى جزء من المعنى، كما في "يا Hyaluron" و"روديو":
تضع سيرتها في LinkedIn:
عملت مرمّمةً مدللةً لعظام الزمن.
قبلها كانت بائعة شطائر سريعة التحضير، على الطريق السريع للنهايات. استطاعت، لمدة لا علاقة لها بالزمن، أن تزرع الحشيش في الجبال، لزبائنها الجائعين إلى الطمأنينة.
هي امرأة تهوى البحث تحت أسرّة الفنادق، حيث يترك العابرون آثارهم مستغلةً غفلة المرور العابر. تعيش على ما تجد، إلى نهاية الرحلة
يعتمد الديوان من الناحية الفنية على اقتصاد لغوي واضح، فغالبية القصائد قصيرة، وبعضها لا يتجاوز بضعة أسطر، وهي تقوم على تقنية تقديم صورة واحدة تتطور نحو مفارقة أو خاتمة تفتح المعنى على احتمالات متعددة. وفي أفضل لحظاته، ينجح هذا التكثيف في إنتاج ومضات شعرية مؤثرة، من دون أن ينزلق إلى الحكمة المباشرة، وهو ما يمنح النصوص قدرة على البقاء في الذاكرة.
جزء من القصائد يقوم على البنية نفسها: صورة، ثم مفارقة، ثم سطر أخير يحمل الصدمة أو الانعطافة. ومع كثرة النصوص، يبدأ القارئ باستشراف الآلية قبل اكتمالها، وهو ما يخفف عنصر المفاجأة الذي تعول عليه قصيدة النثر من أجل التسرب أكثر فأكثر نحو القارئ.
ويضاف إلى ذلك حضور مجموعة من المفردات التي تنتمي إلى الحقل الوجودي نفسه، وتؤّسس وحدة الديوان، لكنها تتكرر وبما يجعل بعض القصائد تبدو امتداداً لقصائد سابقة.
الإيقاع في القصائد يحافظ على نبرة هادئة تكاد لا تتغير من بداية الديوان إلى نهايته. حتى القصائد التي تتحدث عن الألم أو الغضب أو الفقد، تُقال بصوت منخفض، كأنها تأمل داخلي لا يريد أن يتحول إلى صراخ. وهذا يمنح الكتاب، وحدة نفسية، واضحة، ومستقرة.
ومع ذلك، فإن أجمل ما في الديوان هو تلك القصائد التي تجعل الأشياء تتكلم. ففي نصوص مثل "بيت الذاكرة"، و"شجرة"، و"سجل عدلي"، و"أصابع شاغال"، تبلغ التجربة ذروة نضجها، لأن الشاعرة لا تكتفي بسرد مشاعرها، وإنما تبني عالماً شعرياً كاملاً تتحول فيه الأشياء اليومية إلى استعارات للمنفى، والذاكرة، والهوية، والزمن. فهنا تتجاوز القصيدة حدود الاعتراف الشخصي لتصبح بناءً شعرياً قائماً بذاته.
يثير كتاب عائشة بلحاج أسئلة إضافية من خلال موقعه ضمن سلسلة "إشراقات" التي صدرت أساساً لإبراز مكانة نصوص الشاعرات في المشهد الشعري العربي وإنصافها. فبعد مطالعة نصوص عائشة، يستحضر القارئ، على المستوى الأسلوبي، المنجز الذي راكمته شاعرات سبقنها، ممن سعين إلى تحرير القصيدة من حدود البوح المباشر، والانتقال بها من الجسد بوصفه موضوعاً إلى الجسد بوصفه أفقاً للمعرفة، ومن الألم الفردي إلى أسئلة الوجود والذاكرة والعلاقة بالعالم. ولعل ما يميز هذه التجربة أنها لا تكرر تلك المرجعيات، بقدر ما تدعو إلى إعادة قراءتها، ووضعها في سياق تقليد شعري نسائي ما زال يحتاج إلى مزيد من الدراسة والكشف عن امتداداته وتحولاته.
(*) "ذهب أجسادهن"- عائشة بلحاج
سلسلة إشراقات
دار كتب- بيروت - 2025




