يصدر قريباً عن شركة رياض الريس للنشر كتاب "عقد الستينيات الفريد"، للباحث والمؤرخ الأكاديمي والمدير السابق للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت، الدكتور خالد زيادة. ويتناول الكتاب محطات بارزة في الثقافة والسياسية والاجتماع والأفكار والثورات والتحولات التي حصلت في ذلك العقد، سواء التجربة الناصرية في مصر أو التجربة الشهابية في لبنان.
هنا حوار أجرته "المدن" مع زيادة حول هذه الكتاب.
- ما الملامح العامة التي تجعلك تعتبر الستينات عقدًا فريدًا؟
تغيرات كبرى حدثت في عقد الستينات على شكل انفجارات وثورات في ميادين شتى، اجتماعية، وعلمية، وسياسية، وفنية. أشير على سبيل المثال إلى تحرير النظرة إلى المرأة، والصعود إلى الفضاء، والهبوط على سطح القمر، الثورة الثقافية في الصين وثورات الطلاب في أوروبا، الموجات الجديدة في السينما.
وإذا أردنا تفسيرًا لذلك، نعود قليلاً إلى الوراء، انشغلت أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية بإزالة آثار الحرب والبناء، ومع بداية الستينات بدأت مرحلة الرخاء والازدهار وإنتاج السلع التي ساهمت في تغيير نوعية الحياة من التلفزيون إلى السيارات إلى الأجهزة المنزلية. ترافق ذلك مع مراجعة للأفكار العقلانية ونقد الأنظمة التوتاليتارية.
في العالم العربي، حدثت تغييرات كبرى بدأت ارهاصاتها بعد نكبة 1948، مع الانقلابات العسكرية التي شهدت أوّجها في الستينات، مع طغيان الأيديولوجية وانحسار الممارسة الدينية ونزع الحجاب والتحديث المتسارع. أما في لبنان، فبالإضافة إلى الازدهار وأسبابه متعددة، أصبحت بيروت عاصمة ثقافية، سعت الشهابية إلى تحديث المؤسسات والدولة. وبرزت ظواهر فنيّة غنائية وتشكيلية.
- ما الذي جعل بيروت تحديدًا عاصمة الثقافة في الستينات، هل هو فضاء الحرية في بحر الديكتاتوريات المجاورة؟ ولماذا فقدت بيروت دورها؟
إذا عدنا إلى القرن التاسع عشر، نجد ان النهوض الثقافي العربي، عُرف في مصر ولبنان، لكن مصر كانت أقدر على توفير مناخات من الحرية الليبرالية، جعلت من القاهرة عاصمة الثقافة العربية بلا منازع خلال مئة سنة (1860-1960) لكن تعطيل الحريات وإلغاء التعددية، وفرض الرقابة أتاح لبيروت ان تحتل مكانة ودورًا ثقافيين للأسباب التالية:
1. مناخ الحرية الذي كان يتسع كلما ضاق في القاهرة ودمشق وبغداد، ولهذا نجد أن بيروت أصبحت ملجأ المبدعين المشرقيين.
2. الانفتاح على الثقافات الغربية بحيث أصبحت ترجمة الأعمال الروائية والفكرية من اختصاص بيروت.
3. السجال الفكري بين التيارات الفكرية والأيديولوجية وقتذاك، أضفى حيوية فكرية ظهرت في تنوّع المجلات الثقافية.
أما أسباب فقدان بيروت لدورها، فأسبابه عديدة. بيروت لم تعد عاصمة النشر، فخلال خمسين سنة أصبح النشر شائعًا في العديد من العواصم. ولم تعد بيروت محطة للمبدعين العرب، وانتفت الحاجة إلى دور بيروت كمساحة للسجالات الفكرية والأيديولوجية بعد إفلاس القومية العربية والشيوعية. ولهذا أقفلت كل المجلات التي كانت ميدانًا لهذه السجالات.
- هل كانت الانقلابات في العالم العربي تخرج فعلاً من مقاهي بيروت، أم أن هناك مبالغات ومحاولات دائمة لرمي الأزمات على لبنان الذي يتمتع بجانب من الحرية؟
الحقيقة المجردة هي أن الانقلابات كانت تخرج من الثكنات. أما دور مقاهي بيروت فهو الثرثرة حول الانقلابات. كانت الحرية في بيروت مطلبًا عربيًا. وما لا تريد الأنظمة أن تقوله أو تسمعه في بلدانها، توظف في بيروت من يتكلم باسمها ويقوله، من صحافيين وسياسيين. وكانت الحرية متاحة في بيروت للجميع بما في ذلك الجواسيس، لكن الانقلابات كانت من صنع العسكر.
- حصلت في الستينات ثورة أيار 1968، كيف كان تأثيرها عربيًا، واليوم كيف تقرأ تلك الموجة؟
إن ثورة أيار الفرنسية لم يكن لها أي تأثير عربي. التأثير فقط في لبنان حيث كان يولد اليسار الجديد. وهذه مناسبة للقول إن اليسار الجديد هو ظاهرة لبنانية. في مصر كانت انتفاضة في شباط 1968، لكن سببها الأحكام المخففة بحق ضبّاط النكسة، مع المطالبة بالديموقراطية.
- بقدر ما يعتبر عقد الستينات فريدًا من النواحي الاقتصادية والثقافية.. بقدر ما كان عقد التمهيد للحرب الأهلية..
باختصار شديد، شهدت الستينات تغيرات كبيرة داخل طائفتين، المارونية والشيعية. كان فؤاد شهاب قد رفع من شأن حزب الكتائب الذي يمثّل الطبقة الوسطى، في مواجهة خصومه كميل شمعون وريمون إده. كما أن المارونية شجّعت حركة المحرومين، بشخص الإمام موسى الصدر، للحّد من نفوذ السنّة. حدثت تغيرات طبقية وأيديولوجية داخل الطائفتين اللتين كانتا بحاجة للحرب لترجمة التغيرات داخل كل طائفة. طبعًا، الذريعة كانت الوجود الفلسطيني. لكن الحرب استمرت في لبنان بعد خروج الفلسطينيين العام 1982، وشهدنا صراعات على النفوذ داخل كل طائفة من الطائفتين المذكورتين.
- لماذا لم تستمر التجربة الشهابية؟ ومَن أفشلها؟
الإصلاحات الشهابية كانت في الجوانب الإدارية والمؤسساتية، لكن من الناحية السياسية فإن القانون الانتخابي الذي أقرّته الشهابية، المعروف باسم قانون الستين، والذي جعل القضاء وحدة انتخابية، كرّس الإقطاعيات السياسية الطائفية وسدّ الباب أمام الأحزاب (التقدمية) من أن يكون لها أي حظ في مثل هذا القانون. يُضاف إلى ذلك أن الشهابية التي كانت تحظى بغطاء واقٍ من جمال عبد الناصر، خسرت هذا الغطاء مع هزيمة مصر في حرب 1967، لهذا ظهر الحلف الثلاثي، ثم الوجود الفلسطيني، والبقية معروفة.
- كيف كانت صِلتك بمجلات الستينات، مثل "الآداب" و"شِعر" و"حوار"؟ وكيف تلقيت خبر اتهام توفيق صايغ؟
كانت مجلة "الآداب" تدخل إلى المنزل بشكل منتظم شهريًا، وكذلك "حوار". ولعلّي أحسنتُ القراءة والكتابة، من خلال قراءاتي في المجلات والصحف التي تأتي من طريق أخوتي الأكبر سنًا. ولعل الخبر المتعلق بتمويل "حوار" صحيح. ولهذا أقفل توفيق صايغ المجلة وهاجر إلى أميركا.
والمسألة برّمتها كانت تعبيرًا عن صراع سياسي مجاله الثقافة، ومجلات بيروت كانت منقسمة سياسيًا، "الآداب" كانت عروبية ناصرية، و"دراسات عربية"(1964) بعثية عروبية، أما "حوار" و"شعر" فكانتا تدعوان إلى حداثة وُظّفت ضد العروبة السياسية والعروبة الكلاسيكية.
- كنت قريبًا من القوميين العرب، هل تبدّلت أفكارك بعد هزيمة 1967؟
انتسبتُ إلى حركة القوميين العرب بعد حرب 1967، وكنت في عمر السادسة عشرة، وتحوّلتُ إلى الماركسية مع تحوّل الحركة. إلا أن تجربتي السياسية كانت محدودة، وتوقفت بعد ثلاث سنوات. بعد ذلك اتجهت إلى دراسة الفلسفة في الجامعة، وقراءة فكر النهضة العربية، وهذا ما أثّر في توجهاتي الدراسية لاحقًا.
- كيف تقرأ الأفكار النقدية التي صدرت بعد حرب 1967، من ياسين الحافظ وصادق جلال العظم؟
قبل هزيمة 1976، كان ياسين الحافظ قد انفصل عن حزب البعث، وأسس مع آخرين حزب العمّال الثوري العربي، بخلفية ماركسية، وبهذا المعنى كان من أوائل اللذين أعلنوا انتماءً إلى الماركسية خارج الأحزاب الشيوعية. إلا أن مؤلفاته النقدية جاءت بعد هزيمة 1967، وكذلك كان تأثير العظم الذي كتب "النقد الذاتي بعد الهزيمة"، وكان صوتًا مختلفًا ومؤثرًا، ثم أصدر "نقد الفكر الديني" الذي أحدث ضجّة وأحيل إلى المحاكمة. لقد ساهم هؤلاء مع غيرهم في تغيير اتجاهات التفكير، ووضعوا حدًا لتأثير مصر الفكري والثقافي التي تراجع دورها منذ ذلك الوقت.
- في رأيك أيهما أكثر تأثيرًا في الستينات، مارلين مونرو أم جان بول سارتر؟
المقارنة غير محقّة، فلكل تأثيره في مجاله. ورأيي أن مارلين مونرو كان تأثيرها طاغيًا في صورة المرأة الغربية، وكانت أيقونة بمعانٍ عديدة. أما جان بول سارتر الذي كان الأبرز فكريًا في فرنسا كفيلسوف وجودي، فكان معروفًا من جانب المثقفين، وكانت الوجودية في طريقها إلى الأفول بسبب التيارات الفكرية التي ظهرت مع ميشيل فوكو وكلود ليڨي ستروس، ورولان بارت، مع الإشارة إلى الشهرة الأدبية الوجودية في لبنان والعالم العربي بفضل ترجمات دار الآداب لروايات سارتر وألبير كامو وسيمون دو بوڤوار.




