وسط نهار صيفي طويل ألجأ إلى البقعة المفضلة من بيتي، حديقتي الصغيرة التي تشعرني أنني على قيد الحياة، أشجارها تعتني بي وطيورها التي تتردد إليها اعتادت وجودي. بالكاد أرى الأشياء من حولي، كل ما حولي من أشجار وبناء يظهر بظلال رقيقة. أستمتع بهذه الظلال، الشجرة الواحدة تصير أشجارا وسور البناء يتحول إلى لوحة ألوان.
إن كان ضعف نظري جعل الأمكنة أجمل فضعف سمعي أخذني إلى عالم من السكون لا يمكن اقتحامه. أحيانا أفتقد الأصوات أستخدم ذاكرتي لاستعادة بعضها، وحين أعجز أصنع أصواتا خاصة، أطرق بالملعقة على صحن من البورسلان، أتابع الطرق ولا أتوقف، يدور بي الصوت المتكرر، أغمض عيني وأسمع طرق الملاعق فوق طاولات موائد الأعراس، أقرع بيدي على الطاولة، أسمع صوت قرع باب الماضي، وجوه تدخل ذاكرتي المشوشة، أرحب بها، أردد جملاً وعبارات تطفو على لساني، تأتي من عمر كان قد عشته.
صار يصعب عليّ متابعة الأحاديث التي قد تدور من حولي. حين أعجز عن سماع سؤال الطبيب أو إجابة بائع الدكان أتحول إلى شخص مرح يضحك من هؤلاء سليمي الحواس شديدي العصبية والساخرين من عجزي.
في مثل سني هذا تكون قد تخلت حواسي عن قدراتها الأعلى، فقدتها كما فقدت الكثير من حياتي. تضيق باقة الأصحاب والمعارف، غاب كثيرون عن هذا العالم، وآخرون يلازمون أسرّة أمراضهم. ليست الحواس وحدها ولا قلة الأصدقاء ما ينقص، إنها الحياة بكاملها تنقص مع كل يوم يمضي. أولئك الذين يحرصون على حياتي، يظنون أنهم كذلك. حرصُهم على صحتي يقتلني، يجعلني أمرض. يقتلني خوفهم من زيادة الملح في طعامي أو إكثاري من تناول السكريات. أُجبر على تناول وجبات معدة خصيصاً لي، أتعب من تناول الطعام ذاته كل يوم وفي الوقت نفسه. يصادرون حريتي وحياتي كي يطيلوا عمري وعذابي.
أكره نصائحهم وأن يذكرني أحدهم بتناول حبوب الدواء. أتعب من تناول حبوب الدواء، مجموعة ما قبل الفطور وغيرها بعد الغداء ومجموعة متزامنة مع وجبة العشاء. الحياة في قفص الشيخوخة قاتلة. يكرهون مرضي ويكرهون عافيتي. يحارون بوجودي، يحارون بجثتي التي ما زالت تتنفس أمامهم أين مكانها.
سُلِبتُ حياتي، الحياة التي كنت أقبض عليها، تلك التي كنت أدوّرها وأحرك أشرعتها. أصنع أناسها، أصنع أباً وأماً، أصنع طفولتي، أصنع صباحات صاخبة، أصنع عالماً يأخذني حيث أريدُ يخفف من عذابي، وحين أتعب من هذا كله أستسلم مرهقة لا شيء سوى السكون، لا أحد يدري كم مشيت وكم ركضت وكم كان صوتي عاليا في عالمي السابق. كانت يداي تصنعان سعادتي وتصنعان حبي الأول، فتى كان بعمر الزهور، أجمع وإياه حبات الطماطم، يقول لي: أنظري هذه الحبة، تطير جدائلي حولي وأنا أتلفت في كل اتجاه، ما عساه سيقول لي؟ ما عساني أفعل أو أردّ، وأمام إلحاحه أقول: "ما بها؟" أسمعه يقول "إنها بلون خديك الناعمين". يطير قلبي، تشتعل مفاصلي، اركض حيث النساء تجمعن. طفلة صغيرة نما قلبها بحبات الطماطم. مات فتى الطماطم قبل أن يبلغ السابعة عشرة. موت حب لا يعطل الحياة، لا يقطع شريان البقاء والاتصال.
تزوجت شاباً ضخم الجثة وأنجبت، أنجبت أولاداً وبناتاً وصار لي أحفاد، حين أعد حفيداتي على أصابع يدي اليمنى، يزيد عددهن، وحين أعدهن بأصابع اليسرى ينقصن. عقلي يخونني، أنسى الأسماء، أنسى مَن ابن مَن، ومَن بنت مَن، ومَن لم ينجب بعد، ومَن أنجب توائم. في ساعات الصحو وحين تعينني ذاكرتي أستطيع أن أصفَ بيوت قريتنا وزواريبها والأسطح التي كانت تتلاصق وأسماء لصوصها، أستطيع أن أسمي كروم الزيتون ومواقيت الحصاد.
الحفر في الذاكرة يعينني على تذكر صورتي الأولى، يعينني على تحمل ما آلت اليه حياتي، إنه ليس تذكراً للماضي، إنها حياتي التي عشتها. لم أعد قادرة كل الوقت على تذكر اسمي واسم أمي واسم أبي.
مع الوقت، تتساوى الأيام، تزول مشاعر القهر وتزول مشاعر الكراهية، أعود طفلة بجديلتين. وحده ندم اللحظة حين رفضت الهرب معه. حين أسأل هل كنا نجونا من مصائرنا التي فرقتنا، لا يحضرني جواب. مع انكسار ضوء الشمس واستطالة ظلال الأشجار كأنها شواهد قبور خفية، أشعر برغبة في حفر التراب بيدي لأصنع لي قبراً هنا في حديقتي وبين أشجاري، أقول لهم لا ترموني هناك حيث لا تعرفني الأشجار ولا يعرفني تراب الأرض. لكني أعرف أني سأنتهي هناك بين غرباء يفصلني عنهم التراب.




