ما من شك في أن سمير خدّاج يمتلك لغة بصرية خاصة، ومقاربة للعمل الفني لا تركن إلى قاعدة ثابتة، من دون أن يعني ذلك، أو يشير، إلى نوع من الضياع، بقدر كونه عبارة عن بحث دائم عن طرق مختلفة للتعبير. وقد تجلًى ذلك في معرض جديد، في مساحة تقارب 600 متر مربع، ويتخذ المعرض شَكل عمل تركيبي أنجز خصيصًا للمكان، وصُمّم في حوار وثيق مع عمارة الموقعين وذاكرتهما المادية.
يمثّل هذا المعرض امتداداً لتجربة خدّاج التي انتقلت من العمل على توثيق العنف الخارجي في الأعمال الجماعية لثمانينيات الحرب الأهلية، إلى تتبع حطام الجسد والمدينة في مرحلة ما بعد الحرب، والعناصر التي عمل عليها في معارض التسعينيات بباريس وبيروت (مثل معرض "Éclats" عام 1992، وساتيريكون في مبنى البيضة عام 2002) حيث ظهر مفهوم "الجسد-العمود" الشاخص والذائب الذي يدمج الفرد في البنية العمرانية للمدينة، فضلاً عن استحضار أجواء إدوارد مونك كما في معرض جماعي شارك فيه، واحتضنه غاليري أجيال قبل عشرين عاماً.
ربما كان الفنان يرفض، خلال مسيرته الفنية، أن يضع نفسه ضمن إحدى خانات التصنيف، من حيث انتمائه إلى هذا التيار أو ذاك، التي اعتدنا إلصاقها بكل فنان، بصرف النظر عن سلبياتها أو إيجابياتها. لقد انطلق معرض سمير خدّاج الحالي، الذي شغل فضاءي غاليري ضفاف والبيت التراثي المجاور لها، من عملية تفكيك لما ورد في كتابه المعنون "بابل". وكما درجنا على استعمال الكلمة – التعبير كدلالة على التشظّي وانهيار كل ما هو بشري أو غير بشري، أو تفرّق مجموعاته، فقد جاء معرض الفنان تحت عنوان: "العالم يهوي" كترجمة شخصية للفكرة.
ويجمع المعرض بين أعمال أعيد تشَكيلها، وأعمال جديدة، ومساهمات لفنانين مدعوين، محترفين وغير محترفين، فضلاً عن رسوم وكتابات أنجزت مباشرة داخل الفضاًء المذكور.
هذا، مع العلم أن معرضاً سابقاً له كان اتخذ تسمية "تشظٍ"، أما في الوقت الحاضر، فإن عنوان "العالم يهوي" لا يخرج عن هذا الإطار: أشلاء ورقية مختلفة الأحجام تلعب دوراَ في عمليات كولاج، يُضاف إليها استعمال اللون بحسب ما تقتضي الحاجة، كما الخدش والتجريح والتشطيب الذي قد يطاول المساحة التشكيلية، لتشكّل هذه الأشياء جميعها كلاً قد يفتقر إلى التماسك من حيث البنية، لكنه، في الوقت نفسه، يستجيب للفكرة الأساس: إنه عالم يهوي. وإذ تطالعنا العبارة المكررة: "واجتمع الناس كي يبنوا برجاً يطال السماء، ثم .." ... فإن هذه العبارة تبقى مفتوحة بلا خاتمة، واراد الفنان استعمال أسطورة "برج بابل" بوصفها استعارة عن الطموح الإنساني، والمشاريع الكبرى التي تبدأ دائماً بوعد عظيم قبل أن ترتطم بحتمية الانهيار.
هذه الخرائط الطازجة للخراب، كما سمًتها إحدى الصحف، تمثلت بأعمال كبيرة الحجم لم تدخل، من حيث تكوينها، ضمن النهج الكلاسيكي الذي يعتمد بنية محددة للوحة تنحو صوب التوازن والتناسق. فالتأليف الذي سار عليه خدّاج يتناقض مع المسار التقليدي المذكور، وهو بذلك يبتعد عن "النظام"، سيراً على سجية أخرى تتداخل فيها المساحات اللونية، مختلفة الزخم، مع لطخات داكنة او بيضاء، مترافقة مع تقميش ينزع نحو الخشونة. إلى ذلك، لا يمكن إهمال الدور الذي تلعبه الكتابة كعنصر شبه مستقل، قد يتناسب تارة مع العمل الفني، أو لا يرتبط به مباشرة. لذا، فهي تدخل، أي الكتابة، في تشابك مع المساحة اللونية، كمادة خطوطية ذات وزن في عملية بناء اللوحة.
كما يمكن القول إن الممارسة الفنية بطبيعتها قد تعتمد على الصدفة، والأحداث غير المتوقعة والوقائع العشوائية. وبينما لا يمكننا تجاهل هذا الجانب الأخير، ونجد أنفسنا مضطرين لذكر دور العفوية في ظهور العديد من الأعمال، وهذا الأمر يتصل بشكل أساسي بمفهوم الحادث، على أساس كونه إصابة أو ضرر أو خلل. وهناك العديد من الأمثلة في تاريخ الفن تتحدّى فكرة أن العمل الفني هو نتاج رؤية ذهنية مثالية وإيماءات لا تشوبها شائبة. وأخيرًا، ولأن الحدث لدى خداج غالبًا ما ينطوي على فكرة التشرذم، فإن العمل على تحقيق الانسجام هنا قد يكون متنافرًا لفترة من الزمن.
ويمنح خدّاج التجربة بُعداً جماعياً من خلال إشراك مجموعة من الفنانين والمصمّمين الشبّان الذين يساهمون في صياغة هذا الفضاء المشترك، وهُم: لين جابر، وكريمة جيلاني، وفادي سلّوم، وأنطوان صفير، وكرمة طعمة، وعلي فاعور، ومحمود قرق، وآلاء منصور، وحسين نخال، وريبيكا واكيم، إلى جانب سيران مخيبر ولميس عليق. لم تعد، في هذا الجهد الجماعي، الجدرانُ القديمة بطبقات طلائها المتآكلة خلفيات مُحايدة، بل أصبحت شريكاً تشكيلياً يستولد منه الفنانون وجوهاً تعبيرية تخرج من وحي العمارة نفسها.




