أقام الروائي السوري حسين سليمان في الولايات المتحدة عقوداً طويلة، وظل المكان السوري حاضراً في رواياته، ذاكرةً تتجدد مع كل عمل جديد، ومصدراً تتقاطع فيه الطفولة مع أسئلة الإنسان والزمن والهوية. ومن مسافة الاغتراب اتسعت رؤيته، فغدت التجربة أكثر قدرةً على استيعاب المكان واستحضاره في سياقات سردية متعددة. تتحرك رواياته بين الذاكرة والتأمل، وتنمو شخصياتها انطلاقاً من الواقع ثم تمضي في مساراتها الخاصة داخل النص، فيما تقود الكتابة صاحبها إلى اكتشافات متواصلة تتشكل مع تطور السرد. وتنسجم هذه الرؤية مع لغة هادئة تحتفي بالفكرة، وتمنح المكان والإنسان حضوراً متوازناً في بناء العالم الروائي.
في هذا الحوار، يتحدث حسين سليمان عن أثر الطفولة في تكوين الكاتب، وإقامته الطويلة في الولايات المتحدة، وعلاقته بالمكان السوري، وحضور الذاكرة في أعماله، والقراءات التي أسهمت في تكوينه الفكري والأدبي، ورؤيته لفن الرواية، كما يكشف جانباً من مشروعه الجديد الذي يستعيد الجزيرة السورية بما تحمله من تنوع إنساني وثقافي.
- بدأت حياتك بدراسة الهندسة، ثم اتجهت إلى الرواية. كيف أثّرت خلفيتك العلمية في طريقة تفكيرك وكتابتك الأدبية؟
* أرى أن التأثير الذي يمكن أن يلعب دوراً رئيساً هو تأثير عالم الطفولة، السنوات الأولى هي التي تشكل الإنسان. وما الاتجاه في الدراسة إلى العلوم أو الآداب سوى محاولة للارتباط من جديد بعالم الطفولة. نوع الدراسة لا يشكل الإنسان بل الإنسان هو الذي يشكلها ولعله يعدلها كي تتلاءم مع ظرفه الروحي. لقد جئت الى الأدب من خلال قراءات متنوعة وفي الغالب كانت كتباً في الأدب والفلسفة.
- تقيم في الولايات المتحدة منذ سنوات طويلة، لكن معظم أعمالك ينبض بالمكان السوري. كيف تحافظ على هذه العلاقة الحية مع المكان رغم البعد الجغرافي؟
* الإنسان هو ابن طفولته وبالتالي ستكون الطفولة هي المخزون الذي يمتح منه الكاتب وقد قدر لي الحظ أن أعيش أيام الطفولة في منطقة بـِكر، المسيحيون فيها أكثر من المسلمين، والأكراد أكثر من العرب، ثم الحياة فيها أكبر من التقاليد، كنا نعيش الحرية في بيوت بعضنا البعض، لم يستوقفنا دين ولم تستوقفنا قومية. حين قدمت أميركا جلبت معي هذه الروح التي دفعتني أن أشكل المكان على طريقتي وليس على طريقة الآخر، ولم أجلب معي الشرق المتزمت بل الذات التي تنظر الى أبواب من الممكن فتحها على المستقبل. أما البعد الجغرافي عن مكان الكتابة فهو حالة إيجابية تتحول بالبعد إلى رؤية شاملة، فإن ابتعد الظرف اتسعت الرؤية وتحول الاعتيادي الى ملحمة أو شبه ملحمة.
- في رواية "الزمن البرّي" تبدو الذاكرة وكأنها بطل خفي للرواية. لماذا تشغل الذاكرة هذا الحيز الكبير في مشروعك الروائي؟
* ماذا نقول إذن عن "البحث عن الزمن المفقود"؟ كان مارسيل بروست هو السباق في هذا الميدان وقد قطع شوطاً عالمياً ولم يُكتب لأحد الوصول الى ما وصل إليه. من دون ذاكرة نتحول الى أولياء عابدين، مصطفين. الذاكرة هي الحياة، هي جل الحياة، من دونها تبطل الأيام أن تكون أياماً. وبالمناسبة، الذين يكتبون الخيال العلمي هم بالأساس يكتبون المستقبل لكنهم يعتمدون على لغة الماضي، يعتمدون على الذاكرة كمركز ومرجع.
- شخصياتك غالباً ما تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تحمل عوالم داخلية معقدة. كيف تولد هذه الشخصيات؟ وهل تستند إلى أشخاص حقيقيين؟
* أبدأ بأناس حقيقيين، يحملون أحياناً في السطور الأولى أسماء حقيقية، لكن كلما سافر المتن وتوغل في الغابة، فقدوا ماهيتهم الحقيقية وتحولوا الى شخصيات أنا بالكاد لا أعرفها ولا أفهمها.
- تميل لغتك إلى التأمل والهدوء أكثر من الاعتماد على الأحداث المتسارعة. هل ترى أن الرواية يجب أن تطرح أسئلة أكثر مما تقدم من إجابات؟
* الذي يقدم إجابات هو العلم، أما الأدب فلم يكن يوماً يبحث عن الأجوبة، إنه ميدان الأسئلة الكبرى. وهنا يجب أن ألاحظ أن الأسئلة التي يطرحها الأدب لا تشبه الأسئلة التي تبحث عن أجوبتها، بل هي الأسئلة التي تحمل في رحمها الأجوبة.
- بين "الضجيج" و"رموز العربة" و"الزمن البرّي"، كيف ترى تطور تجربتك الروائية؟ وهل تشعر أن لكل رواية عالمها المستقل؟
* هناك روايتان قبل هذه، هما الأساس: "صدى الزور البعيد" وهي روايتي الأولى، لنقل باكورة الأعمال، ورواية أخرى نشرتها العام 2006 تحت عنوان "ينزلون من الرحبة". لم تأخذ رجعها بعد، ما زالت نائمة وهي بحاجة الى قراء ماراثون. الصفحات الخمسون الأولى كانت للإقلاع وهي كما أظن السبب الذي سيجعل القارئ العادي يمل منها ويتركها. قرأتها بعد عشر سنوات من كتابتها فلاحظت هذه الصفحات الأولى وقد بدت لي ضرورية للدخول إلى عالمها الزمني المركب. أما "الضجيج" فهي "نوفيلا"، تتداخل فيها أيضاً الأزمنة والأمكنة، لكن مع رواية "الزمن البري" حاولت أن أكتب رواية خطية شبه مباشرة مع أن بعض المحررين رأوا أنها رواية مركبة، فلسفية لها القارئ المتذوق.
- مَن هم الكتّاب العرب والعالميون الذين تركوا الأثر الأكبر في تكوينك الأدبي، سواء على مستوى الأسلوب أو الرؤية ولماذا؟
* في مرحلة ما قبل الشباب قرأت إرنست هيمنغواي وفيكتور هيغو، نجيب محفوظ ومحمد عبد الحليم عبدالله... لكن الكتاب الذي أثر فيّ هو "قصة الإيمان" لنديم الجسر و"هكذا تكلم زرادشت" لنيتشه، وكنت في ذاك الزمن أميل الى الزعم أن كتب جبران وخصوصاً "النبي" هي محاولة لنسخ رؤى نيتشه. حاولت أن أقرأ "ألف ليلة وليلة" وأمّهات الأدب لكنها ظلت غافية في نفسي. مال مزاجي بشكل ملحوظ الى أفكار كارل غوستاف يونغ، وقد تدربت على يد الأستاذ نهاد خياطة الذي استقيت منه أفكار يونغ ومحي الدين ابن عربي. لكن الكتاب الذي أثر فيّ كثيراً هو "تدهور الحضارة الغربية" لشبنغلر، أنفقت سنتين كاملتين في قراءته ولا أظن ان هذه الكتب هي كتب غير أدبية. في الرواية، كان وليم فوكنر وهيرمان مليفل وخوان رولفو. الرواية العربية لا تسبق الأوربية أو أنها لم تدخل العالمية بعد، ولهذا لم تترك أثراً في داخلي، ما زال الكاتب العربي شاعراً أكثر منه روائياً.
- كيف تبدأ كتابة رواية جديدة؟ هل تنطلق من شخصية، أم من فكرة، أم من مشهد أو ذكرى لا تفارقك؟
* لا أدري إن كانت إجابتي عن هذا السؤال سيعتريها الوهم أم لا! تأتي بداية الكتابة من إلحاح مجهول المصدر. وكما جاء في سؤالك، هل الكتابة تنطلق من فكرة او شخصية أو ذكرى هذا يصح لكتابة قصة قصيرة لكن ليس رواية، لأن الفكرة تنتهي والذكرى ستكون لحركة واحدة، تصفها بصفحة أو صفحتين ثم ينتهي الأمر، لكن الرواية هي أن تقف على شاطئ وترحل في بحر غوصه عميق ومداه لا نهائي.
- هل تكتب وأنت تفكر بالقارئ، أم أنك تترك النص يقودك إلى نهايته من دون الالتفات إلى توقعات الجمهور أو النقاد؟
* لا تفكير خارج النص. الكتابة هي غياب، لعله غياب عن القارئ والجمهور وعن الأنا بالذات لهذا يختفي الزمن، هي غياب عن الواقع بالمعنى الشامل، الإيجابي منه وليس السلبي. حين تكتب فأنت تذهب في دروب أكثر ما تكون غير واعية ولا تدري من هو الجوهر الذي يقودك.
- كيف أثّرت سنوات الغربة في رؤيتك للإنسان والمكان؟ وهل منحتك مسافة أفضل للتأمل أم أنها زادت من وطأة الحنين؟
* عندما تخرج من المكان فإنك سترى المكان. خرجت من الشرق فرأيت الشرق... ربما رأيته على حقيقته. أما بالنسبة للحنين، فخلال كل هذه السنوات الطوال تراه تحول الى معنى أكبر، استحال إلى سؤال مجرد عن معنى الحياة التي عاشها الأسلاف ونعيشها نحن وسيعيشها الوافدون الجدد.
- بعد هذه المسيرة الروائية والحياتية في الوطن والمهجر، هل تفكر بكتابة سيرتك الذاتية؟
* حالياً لا أملك الجرأة على كتابة سيرة ذاتية، لأنني أفكر في أن تكون عميقة، صريحة، كاشفة، بالأسماء، فيها ظلام ونور، عن المعنى العام من وجودنا في الشرق على أرض هي غربية في الأصل.
- بعد "الزمن البرّي"، ما المشروع الذي يشغلك اليوم؟ وهل هناك رواية جديدة قيد الكتابة، أم أنك تمنح نفسك فترة للتأمل قبل العمل المقبل؟
* بدأت منذ مدة في كتابة رواية عن الجزيرة السورية، عن الخليط الذي عاش ويعيش في تلك المنطقة وقد منحه الله الهبة في أن يكون مختلفاً عن باقي المناطق السورية الأخرى.
