رشا دندشلي لـ"المدن": "عروس قونيا" ستكون مزعجة للكثيرين

رشا دندشلي
كيميا في "عروس قونيا" تتجاوز فكرة الضحية النمطية أو الرمز النسوي المجرد
حجم الخط
مشاركة عبر

أصدرت الروائية اللبنانية رشا مختار دندشلي روايتها "عروس قونيا/ محاكمة شمس التبريزي"، عمل سردي مستلهم من وقائع حقيقية، يتناول صدمات الطفولة، التعلّق، التصوف، واستغلال المرأة في ‏سياقٍ روحي وتاريخي. هنا مقابلة شاملة معها حول عوالم روايتها وأطر الكتابة والقضية التي تناولتها.

 

- تعلنين في تمهيد الرواية "قررت أن أعيش كإنسان بسيط، على الفطرة، لا تعنيني أسرار الوجود التي أبهمت العقل، ولا يشغلني الوصول إلى حقيقة لا يركها إلا من خلع عن نفسه لباس البشر". لكن أسرار الوجود والموت تبدو شاغلة الجميع في الرواية من الدينين إلى المتصوفين إلى الذي يؤمنون بالتقمّص والشيوعيين والفلاسفة والروائيين؟

نعم، أسرار الوجود هي الشغل الشاغل لأبطال الرواية وللإنسان بشكل عام منذ بدء خليقته على هذه الأرض؛ فقد انطلقت رحلته من محاولة بدائية لتفسير الظواهر الطبيعية المحيطة به، واصطدم مبكراً بحقيقة كونه كائناً فريساً للفناء، محكوماً بعمر محدود وإمكانيات ضئيلة لا تقوى على مجابهة غضب الطبيعة أو ضراوة كواسرها. ومع تطور الوعي البشري عبر العصور، تحولت تلك الهواجس الفطرية إلى معضلات فلسفية وسيكولوجية أكثر عمقاً وتعقيداً؛ فالإنسان في مرحلة ما من حياته يجد نفسه وجهاً لوجه أمام علامات استفهام كبرى، حين عجزت الملقنات واليقينيات الجاهزة التي تبرمج عقله عليها عن تغذية قناعاته وإرضاء قلقه الوجودي.

ومن هذا المأزق تولد جدلية الرواية

إن قراري في المقدمة بالرغبة في العيش على الفطرة وببساطة لا يمثل تراجعاً عن البحث، بقدر ما هو دفاع نفسي واستراحة محارب أضناه فرط الوعي والقراءة والتفكير، إنه التوق لإنشاء هدنة مؤقتة تحمي العقل من التشتت والشطوح.

لكن متن الرواية يأبى إلا أن يبرهن على استحالة هذه الهدنة؛ فالشخصيات شتى -على تنوع مشاربها العقائدية والأيديولوجية- تدور في فلك هذا السؤال الأزلي ذاته. المتصوف والفقيه ينشد الحقيقة في مفارقة المادة، والمؤمن بالتقمص يحاول الالتفاف على حتمية الفناء بابتكار ديمومة للروح عبر أجساد متعددة، في حين يفكك الفيلسوف والشيوعي الوجود بأدوات عقلية ومادية بحتة.

 

في "عروس قونيا"، أردت أن تكون الفطرة أو الروح هي المغناطيس الذي يجذب كل هذه المتناقضات؛ إذ تلتقي الأرواح المأزومة عبر الزمن لتؤكد أن الهروب من أسئلة الوجود والعدالة التاريخية هو رهان خاسر. على الرغم من أنني أردت الانكفاء على فطرتي وبساطتي بعد أن أنهكتني الأسئلة، وجدت نفسي مرغمة على تفكيك طبقات الأرشيف والتاريخ لهذين الرجلين اللذين ادعيا أنهما وصلا إلى النفس الكاملة المتحدة مع الله ومن ثم أدركا سر الوجود، لتقودني الرواية إلى نتيجة حتمية وهي أن قدر الإنسان ليس الركون إلى الإجابات الملقنة وإنما خوض غمار عملية تحول "كيميائية"، حيث لا يمكن إدراك الجوهر الإنساني دون الاحتراق بأسئلته الفجة.

 

- من خلال قراءاتك وكتابتك، كيف سلكت قصة كيميا طريقها، كيف تشكلت في رواية، هذه الفتاة الآتية من الماضي والحاضر والتي تقولين إنها انبثقت "كزهرة في شق جلمود"، كيميا الماضي لا نكاد نجد لها اثرّا في الكتب، سوى سطور قليلة، كان يمكن ان تمر بلا أثر. لكنها، بالنسبة إليك، كانت المفتاح لتتشابك مع كيميا الحاضر أو المخرجة؟ هل هي قناع لأحوال المرأة في التراث الإسلامي والعربي؟ هل هي قناع لمظلومية المرأة التي تطرحين أسئلة في الرواية عن كيف يتساوى تعطرها بالزنى؟ الأمر لا يتوقف عند التراث الإسلامي، ففي أوروبا في القرن السابع عشر، عقدت الكنيسة الاوروبية مجمعا لتقرير ما اذا كانت المرأة تملك روحاً أم لا، وهل تستحق أن تعد انساناً كاملاً أن تبقى في مرتبة أدنى. وفي عصر يتباهى بالذكاء الاصطناعي والتقدم التكنولوجي، لا تزال بعض النساء حبيسات كهوف الجاهلية.

لقد انبثقت "كيميا" بالفعل كزهرة من شق جلمود التاريخ الصلد. ففي المراجع التاريخية مثل "مناقب العارفين" لأحمد أفلاكي لا نكاد نلمح لها أثراً سوى في إشارات عابرة، كُتبت على هامش جموح العشق الإلهي الذي جمع الرومي والتبريزي، حيث عُملت كقربان أو كفصل درامي عابر انتهى بموتها الغامض. لكن هذه السطور الشحيحة كانت بالنسبة لي بمثابة الممر نحو الذات الإنسانية في أقصى تجلياتها وانكساراتها. لقد كانت "كيميا الماضي" هي الصدى البعيد الذي يبحث عن صوت، وكانت "كيميا الحاضر" (المخرجة الوثائقية) هي الشاشة التي تلقت هذا الصدى وترجمته.

الربط بين الكيمياتين لم يكن افتعالاً أدبياً بل هو تماهٍ سيكولوجي حتمي. فكيميا المعاصرة التي تقص الصور وتجمع بقايا المأساة الإنسانية في غزة، تعاني من صدمة الذاكرة المعاصرة لتلتقي عبر وعيها المأزوم بـ "كيميا التاريخية" التي دُفنت بقايا حكايتها تحت ركام التاريخ المقدس. كلا الشخصيتين تمثلان محاولة بائسة لترميم التشظي، إحداهما ترمم الذاكرة البصرية المعاصرة والأخرى تحاول ترميم تاريـخ مجهول لأنثى غُيبت خلف التابو الديني

 

أما عن كونها قناعاً لأحوال المرأة في التراث العربي والإسلامي، فالإجابة هي نعم ولا في آن واحد.

نعم، لقد ظُلمت المرأة قولاً واحداً لن نختبئ وراء أصابعنا وأقولها صريحة لقد ظلمها رجال الدين. فالنص هنا واضح، صريح، وقاطع، وقد أجمع العلماء المختصون على صحته "من تعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية". نقطة على السطر. ولطالما استغربتُ محاولات البعض المستميتة لإعادة صياغة الحديث أو تأويله للتخفيف من وطأته، سعياً لتبرئة المنظومة الفقهية من وضع المرأة المتعطرة في كفة إدانة واحدة مع الزانية.

لقد كانت "كيميا" أداتي الروائية لطرح هذه الأسئلة الجريئة، ولديّ المزيد منها لم تتسع لها الرواية، لكني مصرّة على إثارتها في القادم من أعمالي. فمثلي الأعلى هو الكاتب الراحل صنع الله إبراهيم، الذي أومن بمقولته الشهيرة: "أنا لا أكتب لأريح القارئ، بل لأزعجه وأدفعه للتفكير".

ومن هذا المنطلق، أعتقد أن "عروس قونيا" ستكون نصاً مزعجاً للكثيرين، وهزّة تدفع البعض للخروج من منطقة الراحة ولإعادة النظر في مسلّماتهم، ولا سيما أولئك الذين يصرّون، بكل الوسائل، على تلميع صورة رموز التصوف وتنزيههم.

نعم مجدداً، لأن كيميا تجسد ذلك "الغياب القسري" للمرأة في المدونات التاريخية حيث تُختزل النساء غالباً في أدوار ثانوية أو يُنظر إلى حيواتهن ومعاناتهن كملحقات بسير العظماء والرموز من الرجال. إنها صرخة كل امرأة طُمس صوتها وقُمع تميزها في سبيل سرديات ذكورية مهيمنة.

ولكنها لا أيضاً، لأن كيميا في "عروس قونيا" تتجاوز فكرة الضحية النمطية أو الرمز النسوي المجرد. إنها كائن وجودي يبحث عن معناه الخاص وسط صراع العمالقة فكما ذكرت في متن الرواية وكما جاء في المراجع هي ابنة بلخ مدينة التعدد الثقافي والديني والطفلة التي تحمل قلق المعرفة وصدمة الفقد والفناء كما الإنسان منذ نشأته، وتماماً كبطلة الحاضر المثقلة باضطراباتها وفصام واقعها. كيميا ليست مجرد قناع للمظلومية التاريخية، بل هي "كيمياء التحول" ذاتها، التي تثبت أن الأرواح لا تموت بالنسيان وإنما تظل هائمة في فضاء الوجود تنتظر من يعيد نسج خيوطها ليعلن أن الحقيقة لا تكتمل إلا بإنصاف الضحايا المنسيين على هوامش التاريخ. لذا إن تبدلت الأماكن والديكورات وتغيرت الأدوات البصرية فالمصائر في جوهرها تلتقي عند نقطة واحدة وهي الضحايا المنسيون على هوامش الحروب والصراعات الكبرى.

كتاب

- من ناحية المصائر، بين كيميا المخرجة المثقلة بآلام غزة التي تقودها أزمة نفسية ومحاولة انتحار فاشلة إلى رحلة داخل نفق مظلم من الذاكرة واللاوعي وكيميا الماضي التي نشأت في كنف جلال الدين الرومي، على هامش الصراع الروحي والإنساني الذي فجره قدوم شمس التبريري إلى قونيا، هل ما زالت الصورة نفسها؟

بين كيميا المخرجة المعاصرة التي تسحقها فكرة العدالة المؤجلة وهي توثق إبادة تاريخية لا يرمش لها جفن، وبين كيميا الماضي التي سُحقت روحها الغضة على هامش الصراع الروحي والزلزال الصوفي الذي فجره لقاء التبريزي والرومي في قونيا، ثمة خيط خفي يربط بين نفق الذاكرة المظلم ونفق التاريخ المهمل.

في الحاضر، تدفع كيميا المخرجة ضريبة "فرط الوعي" والتماهي مع عذابات الآخرين، لتقودها أزمتها النفسية الحادة ومحاولة انتحارها الفاشلة إلى رحلة قسرية في دهاليز اللاوعي. وفي الماضي، دفعت كيميا الأخرى ضريبة كونها "الجسد/ القربان" الذي قدمه الرومي فداءً للعشق الإلهي فطُمست معاناتها الإنسانية تماماً خلف جدار هذا العشق المقدس والتجليات العرفانية التي ملأت الدنيا صخباً.

 

إن الصورة لا تزال هي ذاتها، فالمرأة هنا وفي كل عصر تبدو وكأنها الكائن الأكثر عرضة للتفتت عندما تصطدم الملاحم الكبرى -سواء كانت قصص حرب وإبادة معاصرة، أو قصص صوفية ودينية مقدسة- بالواقع الإنساني الهش.

 كلا الكيمياتين وجدتا نفسيهما في "منطقة الظل" كما يطلق عليها كارل يونغ، إحداهما تقص الصور لتركب أرشيفاً للمأساة في فيلم وثائقي، والأخرى قُصت حياتها من متن المراجع لتتحول إلى مجرد سطر عابر في كتاب.

لكن الرواية عبر هذا التناظر المؤلم في المصائر، لا تقف عند حدود رصد المأساة وإنما تجعل من نفق اللاشعور المعاصر جسراً لإنصاف الطفلة المنسية في قونيا. إن محاولة الانتحار الفاشلة التي لم تمنح كيميا "الموت السعيد" لم تكن نهاية، بل كانت "الموت الصغير" أو الموت قبل الموت الضروري لتبدأ عملية التحول الكيميائي للروح، فالبطلة المعاصرة لا تغوص في ذاكرتها لتشفى من أزمتها الخاصة فحسب، بل لتمنح كيميا التاريخية صوتاً افتقدته لقرون -وهو ما يطلق عليه يونغ شفاء الوعي الجمعي- ولتثبت أن الأوجاع الإنسانية عبر الزمان والمكان تتشابه في عمقها، وأن التاريخ الذي يكتبه المنتصرون أو العظماء أو القديسون يظل ناقصاً ما لم تُروَ حكاية الضحايا القابعين في زواياه المعتمة


من وجه آخر، هل اسم كيميا مرآة للعشق، خصوصاً مع تواتر قول السهروردي "العشق عمل كيميائي"، وقول كارل يونغ "اللقاء بين اثنين يشبه تلامس مادتين كيميائيتين، اذ حدث أي تفاعل بينهما فإن كليهما سو يتغيران". هل تكتبين رواية العاشقين المتصوفين من منظور المرأة؟ من يتحمل مسؤولية طمس اسم كيميا لحساب الرومي والتبريزي؟ هل المؤرخون أم الرومي والتبريزي، خصوصاً أن تقولين "كأنها أدت دور كبس الفداء بصمت، لتدفع وحدها ثمن الجموح والانجراف والغموض الذي ميز علاقة الرومي بشمس التبريزي"؟

اسم "كيميا" لم يكن خياراً مقصوداً أو عنصراً مبتدعاً من قبلي، بل جاءني خالصاً على طبق من ذهب ليمثل واحدة من تلك المصادفات الكونية التي لا يمكن تفسيرها والتي خدمت جوهر الرواية وبنيتها الفلسفية بعمق. فتقاطع الاسم مباشرة مع المقولات التأسيسية التي تصدرت العمل؛ بدءاً من رؤية السهروردي للعشق بوصفه "عملاً كيميائياً" صاهراً، وصولاً إلى مقاربة كارل يونغ السيكولوجية التي تشبه اللقاء الإنساني بتلامس المواد الكيميائية التي ما إن تتفاعل حتى تغير طبيعة أطرافها إلى الأبد، فإما أن تتزن المعادلة أو تنقلب رأساً على عقب.

لذلك، لم تعد "كيميا" مجرد تسمية عابرة لبطلة تاريخية أو مخرجة معاصرة، بل تحولت لتصبح هي "الحالة ذاتها"؛ إنها التجسيد والمرآة الأصفى للعشق بمفهومه التحولي العميق. فالعشق في الرواية ليس مجرد عاطفة عابرة أو حالة وجدانية مؤقتة، بل هو عملية صهر حارقة وإعادة تشكيل جذرية للهوية الإنسانية. ومن هذا المنطلق، يجد القارئ نفسه وجهاً لوجه أمام المرتكز الفلسفي والوجودي للعمل وهو أن العشق بوصفه تفاعلاً حتمياً لا يمكن لأطرافه أن يخرجوا منه كما دخلوه أبداً، مبرهناً على أن الأسماء في مصائر البشر ليست مجرد صدفة، بل هي مفاتيح سرية لمن يتقن استخدامها.

 

- كتابة العشق الصوفي من منظور المرأة

لقد كتبت رواية العاشقين المتصوفين من منظور المرأة بالدرجة الأولى، وهو منظور غُيب طويلاً عن سدّة السرديات الصوفية الكبرى. في الأدبيات التقليدية، تُقدَّم التجربة العرفانية من وجهة نظر الشيخ أو المريد (الرجل)، وتُختزل المرأة إما في صورة "رمز سامٍ" (كشمس النظام عند ابن عربي) أو في صورة "عروس الحضرة" وهذه المصطلحات دارجة ومتعارف عليها في المعتقدات الصوفية.

أما في "عروس قونيا"، فلم أركز على العشق بمعناه الصوفي بقدر محاولتي إعادة الاعتبار للمشاعر الإنسانية البسيطة مثل قلق الجد، غيرة الزوجة، حيرة الابن، وصدمة الطفلة التي يُطلب منها أن تتسامى قسراً لترضي جموحاً غامضاً لا يد لها فيه. فالعودة إلى الماضي لم تكن بالنسبة لي غاية في ذاتها، بل وسيلة لمعالجة أسئلة الحاضر. فالكاتب حين يكتب عن حقبة غابرة، فإنه في الحقيقة يعالج قلقه الراهن، وهموم زمنه الحالي.

 

من يتحمل مسؤولية طمس اسم كيميا؟

في رأيي مسؤولية طمس اسم كيميا هي مسؤولية مشتركة، تتوزع بين ثلاثة أطراف:

-المؤرخون وكُتّاب المراجع: وعلى رأسهم أحمد الأفلاكي في "مناقب العارفين" وعطاء الله تدّين في "بحثاً عن الشمس". هؤلاء لم يكتبوا التاريخ بوعي إنصاف الإنسان، بل بوعي "تنزيه الرموز". لقد كُتب التاريخ الصوفي بأقلام مريدي الشيخ، والوعي الجماعي للمريدين لا يحتمل رؤية زلة أخلاقية أو مأساة إنسانية تسبب فيها القطب الروحي الذي يمثل لهم ظل الله على الأرض، فكان الحل الأسهل هو إقصاء كيميا أو أدراج سيرتها كحدث عابر.

-الرومي والتبريزي: لقد كان الجموح الروحي والانجراف العاطفي والفكري بين الرومي وشمس زلزالاً طمس كل ما حوله. في لحظات الهيام والتجلي الروحي في حضرة الله، يصبح العمالقة عمياناً عن التفاصيل الصغيرة التي يسحقونها في طريقهم.

-الوعي الثقافي الذكوري الذي يرى في تضحية المرأة وذبولها وموتها في سبيل رسالة الرجل أو تجلياته أمراً طبيعياً ولا يستحق الوقوف عنده.

- الأدب المعاصر: على العكس تماماً مما جاء في المصادر التاريخية الموثقة، فقد تعمدت أليف شافاق ومواليد مفروي في تناول السيرة المولوية تقديم شخصية "كيميا" من منظور شوه صورة هذه الطفلة؛ ولا أظن أن هذا التشويه مقصوداً لتسليط الضوء على ظلم الدين للأنثى نظراً لطبيعة الكاتبات العلمانية. بل العكس حيث عمدت تلك الأعمال إلى تلميع صورة الرجلين (الرومي والتبريزي) بشكل مبالغ فيه، لتظهر "كيميا" أمام القارئ في صورة الطفلة التي تهيم عشقاً بكهل غريب الأطوار وتنتهز كل فرصة لتغويه وتلجأ لبائعة هوى تائبة لتعلمها أساليب إثارة الرجل، بل وتصويرها على أنها هي من تطلب الزواج منه، في تزييف واضح ومجحف للحقيقة التاريخية التي طمست معاناتها الإنسانية.

 

كبش الفداء الصامت

"كأنها أدت دور كبش الفداء بصمت، لتدفع وحدها ثمن الجموح والانجراف والغموض الذي ميز علاقة الرومي بشمس التبريزي."

إن هذه العبارة تختزل المأساة التاريخية فالعلاقة بين الرومي وشمس كانت علاقة استثنائية، يكتنفها الغموض والأسرار التي لم يدرك كنهها مجتمع قونيا آنذاك، مما فجّر غيره المريدين والمحفل الأخلاقي وحنق علاء الدين الرومي. وفي وسط هذا الاحتقان، سُلمت كيميا كقربان لتهدئة العاصفة أو لتبرير وجود شمس في بيت الرومي في إطار شرعي. لقد ماتت كيميا بعد أيام من الزواج -كما أجمعت عليه المراجع- كمداً، أو قهراً، أو جراء تفاعل كيميائي جسدي يفوق طاقة جسدها الغض، لتبقى علاقة الرجلين أيقونة للعشق الإلهي، وتدفع هي وحدها الثمن. لقد أعدت أحياء القصة ليس لإدانة أحد حتى لا أُتهم بالتحيز، ولكن لإعطاء كل ذي حق حقه.

رشا دندشلي
إن صياغة رواية مثل "عروس قونيا" لم تكن مجرد عملية كتابة اعتيادية، فالنص هو نتاج جهد بحثي مضنٍ 

- تبدو الرواية نتاج جهد كبير، سواء في المراجع والقراءة أو الكتابة، ما المراحل التي مررت بها في الكتابة، وكم استغرقت من الوقت، وهل أتيت من بيت أو بيئة تهتم بالتصوف، وهذا ربّما ما تعكسه كثافة المعلومات؟ هل يمكن ترويض الخيال الكثيف والمتشابك في رواية كترويض الافاعي لدى المتصوفين؟

إن صياغة رواية مثل "عروس قونيا" لم تكن مجرد عملية كتابة اعتيادية، فالنص هو نتاج جهد بحثي مضنٍ تنقل بين المراجع والمدونات التاريخية المليئة بالتواريخ والتفاصيل. فالتعامل مع مصادر متعددة معظمها باللغة الفارسية، بعضها متاح محليًا وبعضها تطلّب جهدًا خاصًا للحصول عليه، كان مرهقًا للغاية. أحيانًا أبحث عن سطر واحد في كتاب من سبعة أجزاء، أو عن معلومة دقيقة كزلزال وقع في شهر محدد قبل ثمانمائة عام.

من بين المصادر التي حرصت على الاستعانة بها مناقب العارفين الجزء الثاني وغيرها. وفي أثناء البحث، كانت تخطفني بعض الشخصيات التاريخية وتفرض حضورها الروائي، ليس لأهميتها بالضرورة، بل لقوة جاذبيتها داخل النص.

فالبحث والإعداد وجمع المصادر واستيفاء التفاصيل الدقيقة تشكل البنية التحتية للعمل الوثائقي، وهي ذاتها حجر الأساس في الرواية التاريخية.

أما عن الوقت الذي استغرقته، فقد كان زمناً ممتداً من قراءة المصادر وإعادة الصياغة لضمان بناء جسر متين بين زمنين متباعدين. وقد استغرق ذلك نحو العامين تقريباً.

وقد تعمّدت خوض رحلة بحث في زوايا غير مألوفة من تاريخ الرومي والتبريزي، والبحث عن إجابات مختلفة، واصطحاب القارئ معي في هذه الرحلة. حتى القضايا الخلافية، سعيت إلى مقاربتها بعمق لإعادة تكوين رؤيتي الخاصة، ودعوة القارئ إلى إعادة بناء حكمه بعيدًا عن المسلمات الجاهزة. كما حاولت استقراء الحقيقة التاريخية من جديد، لأنني أؤمن بأن العمل الأدبي الذي لا يكشف المستور، لا يضيف قيمة حقيقية.

 

وفيما يتعلق بالبيئة، لا، لم تأتِ اهتماماتي من خلفية عائلية أو بيئة صوفية، ولا علاقة لمنشئي بهذا العالم. لكن، كما أشرتُ سلفاً، كان الجهد جهداً ذاتياً قوامُه القراءة والبحث المستفيض، والذي جاء مدفوعاً بتجربة شخصية عشتُ غمارها بنفسي.

ففي مرحلة ما من حياتي، التقيت ببعض المتصوّفات، ومن خلالهنّ اطلعتُ على أسرار التصوف، وما يُعرف بـ 'دولة الباطن'، وأسرار 'جبل قاف'، وطبيعة 'الحضرات'. وعرفتُ كيف تنقسم تلك الحضرات إلى مستويين: حضرات 'العوام' التي يُطرح فيها ما يتقبله العقل العادي ويمتثله، وحضرات 'الخواص' التي تُحفظ فيها الأسرار العميقة والشطحات التي قد لا يتقبلها العوام.

ورغم محاولاتهنّ الحثيثة لاستقطابي وإدماجي في هذا العالم، إلا أن الأمر لم يجد تقبلاً في نفسي ولم يجذبني مطلقاً فلم اتمكن من تقبل تلك الشطحات أو التسليم بها، خصوصاً وهي تستند في مشروعيتها إلى أفعال 'الخضر'. فإذا كان نبي الله موسى -بمكانه وعلمه- لم يستطع صبراً على مجاراة أفعال الخضر وتأويلاتها، فكيف يُطلب من إنسان عادي أن يتقبلها ويُسلّم بها؟

وبذلك تقبلت فكرة أن هناك جانب مظلم لكل شيء فخلف الهالات النورانية يقبع الظلام ومخطئ من يظن عكس ذلك.

أما الخانقاه التي تقع في منطقة ساقية الجنزير ليست من نسج خيالي وإنما هي بالفعل ملكاً لإحدى العائلات البيروتية التي تربطني بهم صلة قرابة وثيقة.

كما أتى هذا التكثيف أيضاً مدفوعاً بخلفيتي الأكاديمية في علم النفس الإكلينيكي، واهتماماتي بالفلسفة الوجودية ونظريات الفيزياء الحديثة وميكانيكا الكم. أما المعلومات الدينية فلقد تلقيت تعليمي بمصر وكان الدين مادة أساسية فحفظت أجزاء وسور من القرآن الكريم وعدد كبير من الأحاديث الشريفة وقدد استعنت بـ 77 هامشاً إيضاحياً في هذا الصدد، وفيما يتعلق بالتصوف فقد جمعت المعلومات من الكتب والانترنت ومن 

المؤيدين للتصوف والمعارضين له على حد سواء، وكذلك من اليوتيوب الذي تعرفت من خلاله على العزائم الصوفية كالكفكفية والجلجلوتية كما ذكرتها في سياق الرواية، ومن علاقاتي الشخصية التي ذكرتها سلفاً.

 

ترويض الخيال الكثيف كترويض الأفاعي

أما عن ترويض الخيال المتشابك الكثيف وشبهه بطقوس "ترويض الأفاعي" لدى بعض مريدي الصوفية، فالاستعارة هنا بالغة الدقة والرصانة فالخيال الروائي الخصب، خصوصاً عندما يتعامل مع عوالم سيكولوجية مركبة كمتلازمة أسبرغر والاضطراب ثنائي القطب في الحاضر، بالتوازي مع شطحات التجلي الصوفي في الماضي، يشبه تماماً الأفاعي يمكن ترويضها بينما قد تكون قاتلة إذا أفلت زمامها.

فالكاتب يحدد متى يطلق العنان للرمز ومتى يكبح جماحه، ويقنن تدفق الأفكار عبر فصول الرواية لئلا تلتهم الأفكار الفلسفية انسيابية الحكاية الإنسانية وتطغى عليها فيفقد النص حياديته. كما أن أخطر ما يمكن أن يفعله الكاتب هو تقديم إجابات جاهزة أو الادعاء بامتلاك اليقين الكامل. وظيفة الرواية، في نظري، هي طرح الأسئلة، وإثارة الشك، ودفع القارئ إلى إعادة التفكير، حتى في الحقائق التي يظنها ثابتة.

إن ترويض الخيال في "عروس قونيا" كان يعني بالضرورة ألا أسمح لبريق الفكرة الفلسفية أو عمق التحليل النفسي بأن يطغى على مشاعر الشخصيات وآلامها كان عليّ أن أقود هذا التشابك بحذر شديد حتى تخرج الحكاية متماسكة، رصينة، وتنساب كجرعة واحدة تصهر الحاضر بالماضي. أتيح للخيال أن يشكل الأحداث بشرط ألا يهدم حقيقة تاريخية ثابتة ومتفقًا عليها. فالخيال لا يمنحنا الحق في تزوير الوقائع، بل في إعادة تخيل المساحات غير المكتملة، دون المساس بالثوابت

كما حرصت على أن يكون الوصف أداة جذب لا حشوًا لغويًا، فقدمت الفصول بشكل سينماتوغرافي معتمدة على استخدام الحواس اثناء القراءة فوصفت الأماكن والإضاءة والروائح والألوان والظلال، فالصورة في رأيي من أهم أدوات الكاتب، لأنها تُبقي القارئ مشدودًا للنص، حاضرًا فيه حتى السطر الأخير.

 

- في رأيك لماذا يهرب المرء من العلم ويلجأ إلى التصوف؟ هل هي أزمة وجود أم صراع أنوات، وفي دوران الصوفي في لحظة التجلي الدراويشي هل يتخلص من أزمات الكون؟

كما ذكرتُ في إجابتي عن السؤال الأول، وحسب قراءتي في كتب أعلام التصوف والعديد من الأبحاث والدراسات قبل الشروع في كتابة الرواية، فإن اللجوء إلى التصوف في مرحلة ما من حياة الإنسان يكون مدفوعاً برغبةً عارمة في إيجاد أجوبة لأسئلة ملحة حيرت العقل، فلماذا وقع الرومي في عشق التبريزي؟ لأنه ببساطة جاء حاملاً في جعبته كل الأجوبة التي لطالما أرّقت الرومي وقضت مضجعه. فالرومي الفقيه الحنفي المهيب، الذي كان يلجأ إليه الناس ليجيب عن أسئلتهم الفقهية، لمن كان ليلجأ حين تساوره هو نفسه تلك الأسئلة الوجودية المقلقة؟ الإنسان في حيرة مستمرة وبحث دائم عن الحقيقة، وكما قال محيي الدين بن عربي: "الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق"، أي أن كل إنسان يسلك طريقاً لعلّه في نهايته يجد فيه ضالته ويقينه.

 

- هروب من العلم أم أزمة وجود؟

لا أعتقد أنه هروب من العلم وإنما هو اعتراف بـ "محدودية العلم" فالعلم يقدم إجابات "كيف" (كيف ينبض القلب؟ كيف يتحرك الكوكب؟)، لكنه يقف عاجزاً أمام سؤال "لماذا" الوجودي المُلّح. إنه مزيج بين أزمة الوجود وصراع الأنوات؛ فالتصوف في جوهره هو عملية محو للأنا (الفناء) التي تضخمت باليقينيات المادية الجامدة.

وفي لحظة التجلي والجذب أو السماع (الدوران المولوي)، لا يتخلص الصوفي من أزمات الكون بالمعنى المادي، بل ينسلخ عنها؛ فالحركة الدائرية حول المركز هي محاكاة لحركة الأفلاك والذرات، وفي تلك النقطة الساكنة وسط الدوران، يختبر السالك لحظة "انعدام الوزن النفسي"، حيث يذوب الوعي الفردي المحدود ليتحد بالوعي الكوني المطلق، فتصبح الأزمات الدنيوية بلا وزن. تماماً كما حدث لكيميا عندما انسلخت عن الزمان والمكان لحظة تركيزها الذهني العميق على صورة الدرويش المولوي. 

 

- على لسان الجد، لا يعتبر جلال الدين الرومي متصوفاً. ويقول إن "التصوف مش لبس تنورة ودوران على أنغام الناي، التصوف سلوك وتهذيب، ومجاهدة للنفس واتباع لطرق وشيخ معه سند وإجازة". والتصوف "مش كتابة أشعار؟ هنا ندخل في إشكالية ما التصوف؟ وكيف هو إيمان المتصوفين؟ من تجربة الحلاج إلى الدراويش، ومن ابن الفارض إلى فريد الدين العطار، حتى أن الشاعر أدونيس أصدر كتاباً بعنوان الصوفية والسريالية"، كان المأخذ عليه هو اعتباره الصوفية العربية والإسلامية أساسا للسريالية، بل لعلها، في نظره، هي هي عينها السريالية الغربية، بلباسها الشرقي والعربي، حتى لتكاد تحسب النفري هو اندريه بريتون، والحلاج هو أنتونان آرتو.. وهكذا، باعتبار أن الشطح لدى الصوفية، موازٍ للعبارة الآلية المنفلتة من عقالها لدى السرياليين... في رأيك هل رواج الصوفية في الكتابة والأغاني من أليف شافاق إلى مادونا، هو مجرد موضة، أم أزمة أديان في العالم، أو ما تسمينه "مرآة لرغبات باطنية؟

في ما يتعلق بإشكالية مفهوم التصوف من السلوك إلى الشطح السريالي التي أثارها الجد في الرواية، تبرز المواجهة بين التصوف القائم على المجاهدة والسند الشرعي، وبين "تصوف العشق الإلهي"؛ إن إيمان المتصوفة ليس كتلة صخرية واحدة فهناك من يراه انضباطاً حذراً واتباعاً للمنهج كما تمثله الطرق التقليدية كطريقة أبا الحسن الشاذلي وعبد القادر الجيلاني ومن حذا حذوهم.

وهناك من يراه "شطحاً وخرقاً للعادة" كما عند الحلاج والنفري وفريد الدين العطار والسهروردي والبسطامي والجنيد وغيرهم.

وهنا يلتقي النص مع الطرح الذي قدمه أدونيس في "الصوفية والسريالية" فرغم المآخذ النقدية عليه في تماهيه التام بين المفهومين، إلا أن المقاربة تظل بليغة من الناحية البنيوية. فالشطح الصوفي هو بالفعل انفلات من عقال الملقنات والثوابت، وتدمير للبنى العقلية الجامدة للوصول إلى "الاتحاد مع الله أو اللاشعور العرفاني"، تماماً كما حاولت السريالية عبر "الكتابة الآلية" التي نادى بها أندريه بورتون التحرر من سلطة العقل الواعي. لكن الفارق الجوهري أن الصوفي- من وجهة نظرهم- ينفلت من العقل ليرتمي في أحضان "المطلق الإلهي أو اللانهائي"، بينما السريالي ينفلت ليرتد إلى غياهب "اللاشعور الإنساني المحض".

 

موضة رخيصة أم مرآة لرغبات باطنية؟

أما عن الرواج المعاصر للتصوف في الروايات والأغاني العالمية -من أليف شافاق الكاتبة العلمانية إلى مادونا- فهو يحمل وجهين:

الاول: هو الوجه الوجودي أو أزمة الأديان والمؤسسات الروحية في العالم المعاصر في تعبئة الفراغ الروحي لقد اعتاد الإنسان على الهروب من عواصف وجوده نحو عوالم ما وراء الطبيعة؛ فقديماً، وبدافع الخوف من جبروت الطبيعة ومحاولة السيطرة عليها، التجأ لاواعياً إلى الأسطرة والخرافة. وحديثاً، أمام صرامة العلم وجفاف آلياته المادية الجامدة، عاد ليمارس الهروب ذاته نحو الغيبيات بحثاً عن الإيمان المريح.

وفي هذا السياق، تظل النزعة الثيوصوفية -كعقائد إيمانية- مساحة تتجاوز حدود العقل المادي وقوانين الطبيعة الجامدة. فالإنسان، في جوهره، كائن ميتافيزيقي بامتياز؛ لا يكف عن البحث عن الكليّات والماورائيات، إذ يجد فيها الملاذ الآمن والرفيق الوفي الذي يهدئ من روع خوفه، ويخفف من وطأة اغترابه الوجودي

الثاني هو الوجه الاستهلاكي أو "التريند" وهو اختزال التصوف في صور وتماثيل للدراويش واقتباسات لا تمت للمتصوفين بصلة بحجة النمو الروحي والتسامح ونشر المحبة والسلام الداخلي في ظل عصر رأسمالي وتكنولوجي وثوري سريع.

وهذا تماماً ما نلمسه اليوم حيث انتشرت صفحات ومنصات على وسائل التواصل الاجتماعي تُخضع الدين -الإسلامي والمسيحي على السواء- للمنظور الفردي الخالص. لقد تحوّل الجميع فجأة إلى متصوفين ومفسرين، يُعيدون قراءة الآيات والمصطلحات الوجودية الكبرى وفقاً لأهوائهم ورؤاهم الشخصية، ويسعون لربط العقائد بالميثولوجيا والأساطير.

إنني لا أرى في هذه الظاهرة الرائجة سوى محاولة يائسة للهروب من قسوة عالم مادي يزداد شراسة وسرعة، وبحثاً عن قشة روحية وسط طوفان الآلة والأرقام الذي يكاد يبتلع إنسانيتنا.

إن هذا الرواج هو بالتأكيد "مرآة لرغبات باطنية"؛ فالإنسان المعاصر، الذي سحقته الآلة والصراعات والأيديولوجيات الشمولية، بات متعطشاً لإيمان فردي حر، إيمان لا يمر عبر صكوك الغفران أو الفتاوى الجاهزة أو أداء الفروض، بل يمر عبر التجربة الذاتية والكيمياء الروحية الخاصة التي يباركها شيخ صوفي بمنحه الإذن لاتباع الطريفة وبالتالي الاتحاد مع الله وضمان الآخرة. إن "عروس قونيا" تحاول ملامسة هذا التعطش بالذات، ليس لتقديم التصوف كموضة كما قدمته أليف شافاق فمرت كيميا على قارئ قواعد العشق الأربعون مرور الكرام واستساغ فصولاً كاملة مفعمة بالايحاءات الجنسية بين طفلة وشيخ صوفي دون أن ينتابه النفور، ولكن لتفكيكه وتحليله، وإظهار كلفته الباهظة من خلال القصة الحقيقية لهذه الطفلة التي شوه الأدب المعاصر صورتها وأسدل عليها الستار عمداً.

النهار

- تنهين الرواية بصورة لمانشيت ورد في جريدة النهار "دقيقة... بدت كأنها نهاية العالم" وهو عنوان عن الزلزال الذي حصل في تركيا في شباط 2023... ما دلالة هذا المناشيت بالنسبة للرواية. هل يرتبط الحدث بمرحلة كتابة الراوية؟

* أردتُ هنا أن أخرج عن سياق التصوف والروحانيات بمفهومها التقليدي، لأركز على معضلة أعمق وهي عجز العلم التجريبي برغم كل اكتشافاته ونظرياته، عن سبر أغوار الدماغ البشري وفهم تعقيداته. فكيميا المعاصرة كانت تعاني في طفولتها من نوع من أنواع التوحد (متلازمة أسبرغر)، وهو ما جعلها تطلق العنان لعزلتها وخيالها الخصب، لترى عوالم أخرى موازية، وتتنبأ بأحداث واقعية لم يجد لها الطب الإكلينيكي أو التفسير المادي تفسيراً مقنعاً.

لقد ارتدت البطلة بالزمن في قفزة كمومية —إذا جاز التعبير الفزيائي— لتتماهى مع زلزال قونيا التاريخي عام 1247، بل وعاشت بكل جوارحها وحواسها صدمة زلزال تركيا وسوريا المدمر في شباط 2023 قبل وقوعه في الواقع المادي.

ومن هنا، يصبح عنوان الخبر الصادم في جريدة النهار: "دقيقة... بدت كأنها نهاية العالم"، هو المغزى المكثف للحالة السيكولوجية والوجودية التي انتابتها، والتي تتمحور حولها بنية الرواية بأكملها. فالزمن في وعي كيميا يتكثف ويتلاشى وينصهر كما في لوحة سلفادور دالي؛ والحلم أو القفزة الوعيية ما هي في جوهرها إلا ثوانٍ معدودة، لكنها تملك من القوة ما يكفي لتنقلنا من حالة إلى حالة، ومن مكان إلى مكان، ومن زمن إلى زمن.

إن هذه "الدقيقة" التي اهتزت فيها الأرض، واختصرت نهاية العالم بالنسبة لآلاف الضحايا، هي ذاتها الدقيقة التي عاينتها البطلة في لاوعيها الممتد عبر القرون. كما أن حادثة الزلزال كانت توظيفاً مجازياً للهزة التي تخرج الإنسان من منطقة راحته وتجعله في مواجهة مباشرة مع مخاوفه في أقل من دقيقة. وكما كان زلزال قونيا الهزة القدرية التي غيّرت مسار الطفلة كيميا، فقد كان أيضاً الذريعة التي سمحت بعودة التبريزي؛ بعدما فسره أهل المدينة بأنه غضبٌ إلهي نزل بهم جراء رفضهم لوجوده بينهم.

وبذلك، يرتبط مانشيت جريدة النهار بمرحلة كتابة الرواية ليكون الجسر البصري والواقعي الأخير؛ إنه يعلن تلاحم المأساة التاريخية القديمة بالمأساة المعاصرة، ويؤكد أن الفواجع الإنسانية الكبرى وثقوب الذاكرة لا تحدها جغرافيا أو زمان، وأن الروح القلقة أو المظلومة الباحثة عن العدالة والإنصاف تظل هائمة في الفضاء بين دقيقة حلم وقرون من الانتظار.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث