"عصافير الحرب": أكثر من مجرد قصة

شادي لويسالسبت 2026/07/11
عصافير الحب
عصافير الحب
حجم الخط
مشاركة عبر

ليس هناك ما هو أكثر ملحمية من قصة حب تدور في ظل الحرب. في الفيلم الوثائقي"عصافير الحب"، تتعرف الصحافية اللبنانية جناي بولس المقيمة في لندن، على المصور السوري والناشط المقيم في سوريا عبد القادر حبق، وذلك في العام 2016. عبر أرشيفهما الشخصي من مقاطع مصورة ومكالمات ورسائل نصية بينهما، نتابع كيف تحولت العلاقة التي بدأت مهنية في الشهور الأخيرة من حصار حلب إلى غرام متبادل. ثمة الكثير مما يفصل بين الإثنين، المسافة بمعناها المادي والبسيط والقاسي، واحتمال الموت اليومي الذي يطارد عبد القادر تحت غارات طائرات النظام والطائرات السورية ومطاردات الجماعات المسلحة، وانقطاعات شبكة الإنترنت المتكررة وغير المتوقعة، والطائفية وذاكرة حروب لم تنته تمنع جناي من مصارحة عائلتها المسيحية بزواجها. لكن "عصافير الحب" ليس روميو وجوليت شرق أوسطية، فهو لا يقدم غنائية عن انتصار الغرام على السياسية ولا هو تراجيديا عن العكس، أي هزيمة الحب أمام الكراهية. بل يقوم الفيلم الوثائقي، بتوظيف عدسة الحب الذاتية للتدقيق في تفاصيل الأهوال الجماعية وفي الخراب التي يوصم زمننا.

بشكل مقرب وتفصيلي نشاهد فظائع هجمات النظام على الأحياء المدنية وغارات الكيماوي ومواكب التهجير والتبادل السكاني، وذلك عبر عدسة كاميرا عبد القادر، تلك التي يكون ورائها أحياناً وداخل إطارها أحيانا أخري. تلك المشاهد التي شاهدنها مراراً بطول أكثر من عقد على شاشات الأخبار وفي الوثائقيات حد الاعتياد، تأخذ في فيلمنا بعداً ذاتياً وحميماً بوصفها مدونة يوميات شخصية لبطلينا. لا تعود تلك حرباً بل حربهما، وحربنا أيضاً معهما.

لكن اللافت في "عصافير الحرب" ليس علاقة الحب بل العلاقة المهنية التي تسبقه. في البداية، نتابع جناي التي تعمل في هيئة الإذاعة البريطانية وهو تطلب من عبد القادر بشكل روتيني مادة لإشباع شراهة ماكينة الأخبار، سواء كان ذلك مشاهد انفجارات أو ورش لإنتاج الفخار في مناطق سيطرة المعارضة السورية. من لندن وفي المبني الزجاجي لمكاتب لبي بي سي تبدو تغطية أهوال الحرب مجرد رتابة مهنية تتطلب موافقات دورية من المدراء على القصص الجديدة المقترحة، على الجهة الأخرى يسعى عبد القادر إلى توثيق ما يحدث للسوريين ونقله للعالم، تلك المهمة البطولية التي ينذر له نفسها ويصر على البقاء في سوريا للقيام بها. ولا يكون ذلك ممكنا سوى بالانخراط في شبكة توليد الإخبار، تلك التي سيصبح عبد القادر نفسه موضوعاً لها. تبدأ قصة الحب حين تدرك جناي موقعها في تلك الشبكة، وتشرع في التساؤل عن معنى ما تقوم به، وتحديداً حين تبدأ في التعامل مع عبد القادر على أنه أكثر من قصة أو مورد قصص، بل شخص.

 

لا نهايات سعيدة، يتزوج بطلينا وينتقل عبد القادر للعيش مع عصفورته في لندن. لكن سرعان ما تنطلق ثورة تشرين في لبنان 2019، ويحدث تبادل للأدوار يبقى هو في لندن بينما تذهب جناي إلى بلدها للمشاركة في احتجاجاته وتوثيقها. عند تلك النقطة يضطرب إيقاع الفيلم ويفقد توازنه، حيث تتسارع الأحداث ما بين الحرب في غزة واشتعال الحرب الإسرائيلية على لبنان واستقالة جناي من العمل في البي بي سي وسقوط نظام الأسد، وعودة عبد القادر إلى سوريا، وفي الخلفية انتقال الزوجين من بيت إلى بيت في لندن. الوتيرة اللاهثة للتوثيق وعمومية التفاصيل في النصف الثاني، يفقد الأحداث بعدها الذاتي وتتحول إلى مجرد عناوين متلاحقة. لعل "عصافير الحب" كان يمتلك مادة لإنتاج فيلمين أو أكثر، أو لعله فيلمين في واحد، نصفه الثاني قام بالتشويش على ما سعى نصفه الأول لتحقيقه، أي تحويل الحرب إلى ما هو أكبر من مجرد قصص صحفية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث