كانت جنَّةً عرضُها الشَّرق والغرب، شعبها لا أطيب ولا أحنُّ على الغرباء، تربًَى على محبَّة الآخر.. ذاك الآخر الذي كان وراء الحدود. لم أسمع فيها عن أي جريمة قتل على مدى إقامتي فيها عشرة أعوام كاملة! لم أُسائل نفسي أليس هذا المجتمع بشريًّا وتعيث فيه الغرائز فتُهيٌّئ له لعنة قابيل وهابيل؟
لم أتساءل!.. بل لم نتساءل جميعًا. كان الانبهار الشامل يغشانا ويعطِّلُ أدمغتنا.. فالخدمات كُلُها مؤمَّنة.. يكفي أن تقول "آخ" وسرعان ما يلتقطك الإسعاف ليرميك في غرفة مستشفى حتى تبرَأ من شكواك.. وحده الله يعلم متى سيفرج عنك الطبيب!
باختصار.. أنت في الجنَّة.. حلمت بكأس شايٍ هندي أو سيلاني.. لن تجد؟ لا بأس يوجد شاي جيورجي ذو النكهة التي لم تجدها في شايات العالم! بدَّك حذاء مريح يدفِّئ قدميك في قرِّ الجنة البيضاء.. ثمة أحذية جلدية طبيعية فاخرة إذا لبستها عدمت كلتي قدميك بعد مضي يومين.. كُلُّ شيءٍ موجود ومتراكم لا يـُشترى.. لكن إذا نظرتَ فرأيت طابورًا ممتدًّا ثلاثة كيلومترات فاعلم أنَّ هناك سلعةً مستوردةً تُباع.. يمكن شاي.. يمكن حذاء.. يمكن معجون أسنان "كولينوس" صنع سوري!.. كان المواطن يتحرَّقُ حرمانًا للحصول على حبَّة لِبانٍ أو جينز يحقِّقان اكتفاءً "إنسانيًّا" وإنِ اتَّسم بتفاهة "الفرح" بأشياءَ صغيرة!
جنَّة كُشِفُت ملفَّاتها في إبَّان التسعينيَّات، بل نُبِشت أحشاؤها وطافت بِكُلِّ عَفَجِها على سطح الأرض والواقع مع ما تكتنزه من روائح مُغثِيَة.. جنَّة تأسَّست على "حتميَّات" تُشبِهُ ما عرفناه ونعرفه من أراجيف "الخلاصيَّة" وانتظار "المخلٌّص" الذي لا يأتي عبثًا في رؤوس الدهماء.. رؤوسٌ نفختها تُرَّهات طبقة رجال الأديان العليا، وهم -بالمناسبة- أشبه "شلعةٍ" بشرية بأعضاء حزب مكتب تلك الجنَّة السياسي المحظوظين وزبانيتهم من المرتزقة الإرادويين الذين نظَّروا لحتميَّاتٍ لاإنسانيَّة!
سبعون عامًا ما اختفت خلالها الدولة كما استشرفت النظريَّة الحاكمة، ليدبِّر الشعب مجتمعه!.. فلسفة النبي المعبود ومفسِّر فلسفته و"مروِّسها" ووارثه الرفيق "غليظ الخُلُق" -على حدِّ قول مُوَرِّثِه- أبو شعوب الجنَّة "إرهابي الجنَّة الأحمر".
جنَّة عاش شعبها -وعشنا معه- على خضراء الدِّمَن.. جمال سابغ، أخضر، إنساني، جميل، مُذهِل، مُبهِر.. والمضمون هلاك وموت وظلم وباطنية قاتلة وتجهيل وتزوير وارتزاق.
ساخت الدولة وتلاشت بلا ذكرىٰ.. وبقي الشعب الطيِّب الذي علَّم الدنيا كيف يقضي على حتميَّات مُرِيعَة النتائج..
ذهبت الفلسفة وتأويلاتها وبقيت قوة الديالكتيك العظيم: لا شيءَ ثابتًا، التغيار والتحوُّل يشكِّلان قانونًا "مطلقًا".. وحذار العودة إلى نقله من الكون إلى المجتمع!
تجربة عشتُها وقد مضى على تصرُّمها نصفُ قرنٍ ونيِّف، فكان لا بُدَّ من إزالة العبء الثقيل المُترَع بالكذب والنِّفاق، فيما أنا أُصرًِح بحُبِّي للشعب الرُّسيِّ الأصيل اعترافًا منِّي بجميله حتَّىٰ المَمَات بإتااحته الفرصة لي ولأمثال من شريحة الطبقة الوسطى المتدنِّية لننال فرصة العلم.

