من مخيمات اللجوء الفلسطيني -الرمل في اللاذقية حيث وُلد عام 1972، ثمّ اليرموك- إلى أزقّة دمشق، قطع حسام أبو حامد طريقاً طويلاً: مهندسٌ مدنيٌّ تركَ الهندسة إلى الفلسفة، فدرّسها نحو عشرين عاماً قبل أن يتفرّغ للصحافة، ثمّ يغادر إلى قطر عام 2021. في مجموعته القصصية "أحوال ليست شخصية... قصص المدن المُتعَبة"، يقلب لغة الأحوال المدنية على السلطة: السجلُّ والختمُ والإحصاءُ تصير مجازاً لمأساةٍ جماعية، تمتدّ من زمن "القائد" إلى ما بعد سقوطه. هنا نحاوره في الكتابة والذاكرة، والاستبداد الذي قد يُورَّث.
نبدأ من قبل النصّ. وُلدتَ في مخيم الرمل في اللاذقية عام 1972، ثم استقر بك المقام في مخيم اليرموك ثم في دمشق المدينة، حيث درَستَ الفلسفة، قبل التفرغ للعمل في الصحافة، غير أنّ "أحوال ليست شخصية" تنزل من فضاء المقال والتجريد وتتجاوز قاعات الدراسة إلى أزقّة الأحوال المدنية ودوائر النفوس وحاراتِ الفوقاني والتحتاني. حدِّثنا عن البيئة التي تشكّلتَ في داخلها وكيف ترشح اليوم في تفاصيل لغتك وخياراتك. لماذا اخترتَ القصّ الآن تحديداً، بعد أن سقط ما سقط، منبراً لما عجز المقالُ عن قوله؟
وُلدت في مخيم الرمل في اللاذقية، ثم انتقلت إلى جوبر وعمري نحو سنتين، وبقيت علاقتي متردّدة بمسقط رأسي. كانت جوبر مساحة معلقة بين مدينة مكتملة وقرية خالصة. هناك درست المرحلة الابتدائية حتى الصف الرابع في مدرسة اليازور التابعة لـ"أونروا". بعد ذلك سافرت مع والدَيّ إلى السعودية، ثم عدت إلى سورية لاستقرّ سنواتٍ في مخيم اليرموك قبل أن أبدأ التنقّل بين أحياء مدينة دمشق.
لذلك لم أعرف المدينة بوصفها مكاناً مستقراً ونهائياً بقدر ما عرفتها من أطرافها، من المسافات التي تفصل بين أحيائها، وربّما من فارق جوهري بين أن سكنى المكان والانتماء إليه. نشأ المخيم أصلاً بوصفه "مؤقّتاً"، ثمّ تحوّل مع الزمن إلى عالم كامل بذاكرة ولهجة وعلاقات وهموم خاصّة، لكن، بعد "أوسلو" وتهميش قضية اللاجئين الفلسطينيين، تحوّل المخيم تدريجياً إلى فضاء مغلق نفسياً واجتماعياً يعيد إنتاج حدوده داخلنا. لم يكن خروجي إلى دمشق مجرّد نقلة في المكان؛ هو رحلة أخرى اختبرت فيها أن يعيد الإنسان تعريف علاقته بهُويّته وذاكرته.
بالإضافة إلى المخيم، تركتْ جوبر، الملاصقة لحي العبّاسيين الدمشقي، ببساتينها أثراً مهماً في تكويني. كانت في منتصف المسافة بين الريف بعلاقاته التقليدية واتساع المدينة. يظهر هذا النوع من الأمكنة بوضوح في مجموعتي القصصية، إذ تمرّ بنا أحياء لا تعرف إن كانت جزءاً من المركز أم على هامشه، ونلقى أناساً يسكنون في المدينة مع شعورهم بأنهم خارجها. تبدو "المدن المتعبة" كيانات لم تكتمل بعد، تتوسّع عمرانياً، لكنّها تظلّ من دون أن تتسع إنسانياً.
درست الهندسة المدنية قبل أن أتركها وأدرس الفلسفة. لم أشعر أن المسافة بينهما قطيعة كاملة. إذ تعلمك الهندسة كيف تُبنى البيوت وتشيّد المدن، وتسألك الفلسفة عن الأفكار التي تقوم عليها المجتمعات، وعن الكيفية التي انهارت بها. أدركت أن التصدّع لا في الجدران فقط، وأن الشرخ الأكبر يكمن في الثقة بين الناس، وفي لغتهم، وفي نظرة كل جماعة إلى الأخرى. وإن تسنى لك ترميم بيت متصدّع، فلن تتمكن من ترميم ذاكرة مدينة. وفرّت لي دراسة الفلسفة، وتدريسها طوال نحو عشرين عاماً، أدوات السؤال والتحليل، لكنّه في الوقت نفسه كشف لي حدود التجريد الفلسفي، وإن كان المقال يناقش السلطة والحرب والتحوّلات السياسية، فإنّ القصص تستطيع أن تضع هذه الأسئلة داخلنا، وفي الغرفة الضيّقة التي نحتمي داخلها، وأمام موظف بأختام رسمية.
حين اندلعت الثورة (2011) بقيت في سوريا عشر سنوات قبل أن اضطر إلى الخروج إلى قطر في العام 2021. مع ذلك، لم أكتب قصصي من مسافة "آمنة" توفّر لي ذاكرة باردة. عشت تبدّل المدن. عايشت خوفها وتغيّر العلاقات، وانتقال الحواجز الأمنية من الشوارع إلى نفوس الناس. لامست كيف غيّرت الحرب معنى الجار والطرق والأحياء والأسماء، وكيف تشبّعت تفاصيل الحياة اليومية سياسةً وموتاً... دفعتني تلك التفاصيل إلى كتابة القصص. لم يعجز المقال تماماً، لكني اخترت القصة لأن هناك طبقة من التجربة لا يستطيع المقال أن يصل إليها من دون أن يفسدها شرحاً وتحليلاً. فبعكس المقال، لا تحتاج القصة إلى موقف واضح وحجج ونتيجة، فالحرب ليست واضحة ولا مرتّبة، هي مليئة بأشخاص يفعلون الشيء ونقيضه، وبغضب يحمله الضحايا بينما يعود الجلّادون إلى بيوتهم آباء عاديين، وبأناس ينجون بأجسادهم لكنّهم يظلّون محاصرين بالخوف وقتاً طويلاً.
فتح سقوط النظام سؤالاً جديداً: ماذا سقط فعلاً؟ هل انتهى الاستبداد أم ظلّ يسكن اللغة والطائفية والرغبة في الإقصاء والسردية الواحدة؟ قد يناقش المقال هكذا أسئلة، أما القصة فتلاحقها في أثرها الإنساني داخل البيوت، وفي الذاكرتين الفردية والجمعية، وفي صمت الشخصيات، وفي جملها غير المكتملة. طبعاً، لا يعني هذ أن القصة بديل من الصحافة أو الفلسفة، بل امتداد لهما، خصوصاً في المناطق الأكثر هشاشة. من مهارات القصة (وهي كثيرة) أنها تظهّر ما يختفي وراء اللغة المباشرة، وما يبقى من المدينة بعد انتهاء الخُطب، وانطفاء عدسات الكاميرا.
يقوم العنوان على مفارقةٍ جارحة، حيث "أحوال ليست شخصية" تستعير لغةَ الأحوال المدنية لتقلبها؛ فالسجلُّ والختمُ والنفوسُ هي ذاتها التي تُحصي البشرَ وتمحوهم. وفي "مقابر انتقالية" يقول لك المحقِّق صراحةً: الوطن الجديد ما بيستحمل روايات شخصية... في سردية وحدة، ما بدنا متاهات. تكاد المجموعةُ كلُّها تنهض على هذا التوتّر بين الشخصيّ والرسميّ، وعلى فكرة أنّ أحوالنا الأكثرَ خصوصيةً -موتٌ وحملٌ وخطفٌ وشهادةٌ- ليست شخصيةً أبداً. ماذا أردتَ بهذا العنوان؟ وكيف صارت البيروقراطيّة المجازَ المركزيّ الذي تُروى من خلاله مأساةٌ جماعية؟
تسمّى الدوائر الرسمية الولادة والزواج والطلاق والموت... "أحوالاً شخصية"، لكن هل كانت هذه الأحوال يوماً شخصيةً في أي وقت؟ اسم الإنسان، واسم والديه، ومكان ولادته، ومحل قيده المدني، وحتى مذهبه وعنوان بيته... تتحوّل إلى أدوات مراقبة وتصنيف واتهام. ولعلّ أكثر ما نعدّه خصوصيةً مكشوف أمام السلطة والجماعة والطائفة. كيف يكون الموت شأنا شخصياً إذا كان الميت بحاجة إلى ورقة اعتراف كي يصبح ميتاً. الخطف أيضاً ليس شأن المخطوف وحده، فهو يعيد تشكيل العائلة والحيّ والذاكرة. مهما بدت مآسينا فرديةً، فإنها تتضافر لتشكّل مأساةً جماعية. من هنا، لم يمت ياسين وحده، ولم يدفن عامر الجثث مُكرهاً وحده، والمخطوفة ليلى لم تكن حالةً معزولة. جميعهم كانوا تفاصيل للوحة أكبر. وحين قلت "أحوال ليست شخصية"، فلأنها شخصية إلى أقصى حدّ، لكنّها أيضاً تاريخ بلدٍ كامل.
يمكن النظر إلى البيروقراطية بوصفها مجازاً مركزياً، فالسلطة لا تمارس عنفها دائماً بالعنف الذي تحتكره، فقد يُمحى الإنسان لأن بياناته "غير مطابقة"، أو يُعتقل لتشابه الأسماء، أو يُحرم من وجوده القانوني بسبب ختم. تكمن خطورة البيروقراطية في أنها تحوّل الجريمة إلى يومي اعتيادي. مثلاً، لا يشعر الموظف بأنه يمحو إنساناً حين «يصحّح القيد»، ولا بأنه مشارك في اضطهاد جماعة حين "ينفّذ التعليمات". تضيق المسافات باستمرار بين المكتب والسجن، وبين الأختام الرسمية ورصاص البنادق.
تنقسم المجموعةُ إلى حقبتين، حقبةٌ انتهت يحكمها "القائد" وآلتُه وحقبةٌ مستمرّة تفتتحها "مربَّع الظلّ" بجملةٍ صريحة: سقط النظام القديم. غير أنّ ما يلي السقوط -"الحركةُ الظلِّية" تصنِّف الناسَ بظلالهم، والعدالةُ الانتقالية تُدفَن مع الجثث تحت "حدائق النصر"- يعيد إنتاجَ المنطق نفسِه بأسماءَ جديدة. ما الذي تغيّر فعلاً بين الحقبتين في تصوّرك، وما الذي اكتفى بتغيير وجهه دون روحه؟ وهل كتبتَ هذه القصص تحذيراً من أنّ الاستبداد يُورَّث، أم رثاءً لثورةٍ سُرِقت؟
فتح سقوط النظام القديم المجال أمام الكلام كاسراً احتكار السلطة وحواجز الخوف. لكن الأدب لا يتوقف عند مَن يحكم الآن؟ عليه أن يبين كيف تُمارَس السلطة، ومَن يضع الخطوط الفاصلة بين المواطن والخائن والضحية والجلاد، وهل تحرّر الإنسان فعلاً، أم انتقل من تصنيفٍ إلى تصنيف. في الحقبة السابقة كانت المعايير توضع تحت شعارات القائد والأمن والوحدة الوطنية، وفي المرحلة الجديدة توضع المعايير باسم الثورة أو النصر أو الأكثرية أو حماية المجتمع. قد تختلف الشعارات وتبقى الآلية واحدة، طالما أن هناك مركز يدّعي امتلاك الحقيقة، وهامش مطالَب بالصمت أو بالاعتذار. ما كنت أخشاه على طول المجموعة هو أن تتحوّل الضحية السابقة إلى سلطة تعتقد أن ألمها يمنحها حقّ إنتاج ضحايا جدد. لهذا تحذّر قصص المجموعة من توريث الاستبداد أكثر مما كتبتها حكماً نهائياً على المستقبل. يُورّث الاستبداد حين تسقط رموزه وتبقى اللغة نفسها، وحين تتغير صور القادة وتبقى علاقة الناس بالقوة على ما هي عليه، وحين يُعدّ الانتقام عدالةً لمجرّد أن من يمارسه ضحية سابقة.
لا يمكن إعلان وفاة الثورة، فهي ليست ملكاً لتنظيم أو لسلطة أو لمعركة عسكرية. لكن أصعب المعارك تبدأ بعد سقوط الديكتاتور، وهي المعركة التي تمنع الخوف القديم من أن يظهر بثياب جديدة.
تفتتح المجموعة بـ"موت شخصي" وفي العنوان صدًى لا تخطئه العين لـ"موت موظَّف" لتشيخوف. لكنّك تقلب المعادلة، موظَّفُ تشيخوف يموت خوفاً من السلطة، أمّا ياسين فيختار الموتَ الإداريّ هرباً منها، ثمّ يموت وحيداً، ميِّتاً من شهر كما قالت إحدى الشخصيات، بلا أن ينتبه إليه أحد. وتشتغل المجموعةُ كلُّها في مقام الغروتسك التشيخوفيّ حيث الذبابةُ التي تحسم مصيراً والصورةُ التي يرفضها النظام ولجنةُ النشيد التي تُشذِّب القصيدة. لماذا اخترتَ الكوميديا السوداء والمفارقةَ الكافكاوية، لا الشهادةَ المباشرة لتروي رعباً سوريّاً طازجاً؟ وهل السخريةُ هنا سلاحُ ضعيفٍ أمام آلةٍ لا تفهم إلّا الجدِّية؟
الإحالة على "موت موظف" عند تشيخوف مصادفة. وقد يكون تشيخوف حاضراً بصورة غير مباشرة. مات موظف تشيخوف تحت وطأة الخوف من السلطة بعد حادث تافه، أما ياسين في "موت شخصي" فاختار موتاً ورقياً ليهرب من الرقابة، وحين نجح في الاختفاء من السجلّ، اختفى أيضاً من حياة الناس، ثم مات فعلاً من دون أن ينتبه إليه أحد.ليكون السؤال المفتوح: هل ينجو الإنسان من السلطة حين يضطر إلى أن يمحو ذاته؟
تناسب الكوميديا السوداء الرعب السوري، فهو رعب لم يكن بطولياً دائماً. فقد يتوقّف مصير الإنسان السوري على صورة لا تعجب موظفاً، أو على نطق اسم شخص بالخطأ، أو على ذبابة، أو على تشابه أسماء، أو على لجنة تحذف كلمةً من نشيد لأنها تثير شبهةً. وليست السخرية تقليل من قيمة الضحايا. على العكس، هي وسيلة لكسر الهالة التي تحيط بها السلطة نفسها. فالضحك يعيد السلطة إلى حجمها البشري، ويكشف أن كثيراً من عظمتها قائم على الخوف الذي تزرعه في نفوسنا. مع ذلك، تبقى السخرية سلاح الضعيف، لا تكفي لفتح باب السجن، إلا أنها قد تمنع السجّان من امتلاك خيال السجين. لا يهزم الإنسان الجلاد سياسياً حين يسخر منه، لكنه يعبّر عن رفضه للاعتراف له بالعظمة التي يدّعيها.
هل تتمرّد القصة على كاتبها؟ شخوصُك موزَّعون على ضفّتَي الجريمة، عامرٌ الذي يُجبَر على دفن الجثث ثمّ يُتَّهم بتذكُّرها، والسجّانُ الذي يصير شيخَ وحدةِ التحقيق، ونبراسُ عضوُ لجنةِ الإقصاء، وغيثٌ الذي تتحوّل يداه فجأةً إلى يدَي رجلٍ آخر. فهل يوزِّع الكاتبُ نفسَه على شخوصه جميعاً، جلّاداً وضحيةً؟ وهل يمكن لإحدى هذه الشخصيات أن تتمرّد عليك في لحظةٍ ما فتقول ما لم تُرِده؟ وبصراحةٍ: هل تخشى أن تعتقلك إحدى شخصياتك؟
تتمرّد شخصيات القصة على كاتبها حين تصبح أكثر من وظيفةٍ فنّية. في البداية تكشف شخصية ما جانباً من فكرة الكاتب، لكنه حين يمنحها ما تقتضيه من خوف وذاكرة وتناقضات و... لا يعود بإمكانه أستخدمها كيف يشاء، لقد أصبح لها حدود عريضة، فترفض أن تقول الجملة التي كتبها لها، حتى من غير وعي منها. أبدأ القصة أحياناً وأنا أعرف مَن هو الجلاد ومن هي الضحية، ثمّ أكتشف أن الأمر أكثر تعقيداً، من ناحية المسؤولية القانونية أو الأخلاقية، بالدرجة الأولى، ومن ناحية التكوين الإنساني ثانياً. فقد يحبّ الجلّاد أبناءه، وقد تحمل الضحية من الغضب ما يكفي لإنتاج ظلمٍ جديد. لا يلغي الأدب الفارق بين الضحية والجلاد، لكنه يمنع أن يتحوّلا إلى دميتين. ولا يوزّع الكاتب نفسه بالتساوي على شخوصه، إلا أنه يستطيع كتابة شخصية حقيقية من دون أن يضع فيها شيئاً من قدرته على الفهم والتبرير والخوف. حتى حين يرسم الكاتب ملامح شخصية السجّان أو عضو لجنة أمنية، ينبغي أن يفهم منطقهما من الداخل، وهنا لا يبرئ الفهم تلك الشخصية. ما يهم الأدب ليس من ارتكب الجريمة؟ همه الأكبر أن يعرف كيف أقنع مرتكب الجريمة نفسَه بأن الجريمة واجب عليه؟ قد يريحنا الشرير المطلق، بينما يجعلنا الموظف أو الجار أو المثقف الذي يشارك في الإقصاء معتقداً أنه يدافع عن الخير، نتساءل عن احتمالات الشرّ داخلنا.
قد تعتقلني إحدى شخصياتي حين تستمر في استجوابي بعد انتهاء القصة: لماذا منحتني هذه النهاية؟ هل أنصفتني أم وظّفت ألمي؟ لماذا جعلتني أتكلم في اللحظة التي كان ينبغي أن أصمت فيها، أو العكس؟ لكن أخطر الشخصيات التي تهدّد الكاتب هي التي تجعله يشكّ في براءته الأخلاقية.
المجموعةُ نفسها فعلٌ من أفعال الثقافة في وجه الاستبداد. والاستبدادُ لا يحتمل إلّا صوتاً واحداً وسرديةً واحدة، ووظيفةُ المثقّف هي قولُ الحقيقة في وجه السلطة. في صمت وطني تريد السلطةُ الجديدة ذاكرةً نظيفة ونشيداً بلا أسماء، وفي مقابر انتقالية تريد سرديةً واحدة. والنظافة هنا هي لغةُ للمحو، نُنظِّف الذاكرة، ونُنظِّف الماضي، ونُنظِّف حتى شرفَ المرأة. ما موقعُ الكاتب من هذا المحو؟ أتكتب مقاومةً، أم شهادةً، أم "حفظاً لما نجا" -كما تقول في تعريف الكتاب- قبل أن تبتلعه الروايةُ الرسمية؟ وهل ما زلتَ تؤمن بقدرة الأدب على الفكاك من الاستبداد، أم إنّه رهانٌ خاسرٌ بطبعه؟
لمن الغرور القول إن قصةًً قد تهزم نظاماً سياسياً. لا تكتفي السلطة بالسيطرة على أجساد الناس، تريد أيضاً أن تسيطر على معنى ما جرى لهم، أن تقتل الضحية وأن تكتب سبب موتها. تريد أن تمحو الحيّ باسم إعادة التنظيم، وأن تدفن الجثث، لتشيّد فوقها «حدائق النصر». لا يتحقق للاستبداد النصر الكامل إلا حين يفرض روايته. هنا يأتي الأدب بوصفه عملاً مضاداً للمحو، يعيد التعدّد والتفاصيل والأسماء إلى ما تريد السلطة اختزاله في بيان أو تصريح.
هل أكتب مقاومةً أم شهادةً أم حفظاً لما نجا؟ ربما لهذه الغايات/الأسباب مجتمعة. توحي "الشهادة" بأنني رأيت كل شيء، وهذا محال. وقد يبدو النصّ إن عُدّ "مقاومةً" كأنّه يعرف عدوه وحدوده بصورة نهائية. الأقرب إليّ عبارة «حفظ ما نجا»، ففيها قدر أكبر من التواضع: إنقاذ شظايا ذاكرة مهدّدة بالابتلاع.
هل الأدب رهان خاسر؟ في الأجل القريب: نعم، طالما أن السلطة تمتلك السلاح والسجن ووسائل الإعلام، وليس بحوزة الكاتب سوى الكلمات. لكن تزول السلطات لتبقى القصة التي كُتبت عن ضحايا هذه السلطة. وإن لم يضمن الأدب الحرية اليوم، فإنه يحافظ على القدرة على تخيّلها، ويمنع الجريمة من أن تبقى بلا اسم وعنوان.
في "جسر البُخور" و"البيت ذو الباب الأزرق" تبلغ المجموعةُ أقصى ألمها، حيٌّ يُقصى فينفصل جزيرةً، وحبٌّ يعبر النهرَ بُخوراً قبل أن تبتلعه الطائفة، وامرأةٌ تُخطَف ثمّ تعود فيطالبها الجميع بأن تكون نظيفة. يربط فرانز فانون عنفَ المُستعمَر المكبوت بارتداده إلى الداخل صراعاً طائفياً وخرافةً وجريمة، ويرى المستبدَّ وريثاً للمستعمِر. كيف تقرأ هذا الجرحَ الموروث في المدينة السورية؟ ثمّ -وهذا أصعب- حين تكتب الطائفية بهذا الوضوح، ألا تخشى أن يعيد النصُّ، رغماً عنك، رسمَ الحدود ذاتها التي يندبها؟ وكيف تكتب عن المرأة المخطوفة من دون أن تصادر صوتها مرّةً أخرى؟
جرحنا الطائفي في سورية ليس طارئاً، وهو أيضاً ليس صفةًً أصليةً في السوريين. إنه نتاج تاريخ من التفاوت والخوف والذاكرات المتنافسة، استثمرته السلطة وأعادت إنتاجه. لم يخترع النظام الساقط الانقسامات كلّها، لكنه جعل الجماعات ترى بعضها بعضاً من خلال زاويتين: مَن يحميني؟ وممَّن أخاف؟ وحين يستمر الخوف عقوداً يتحوّل إلى هوية. فبعد أن كان الشخص يقول: أنا خائف في هذه اللحظة، يقول: نحن جماعةٌ مهددة دائماً. هنا يصبح "الآخر" مذنباً قبل حتى أن يرتكب جرماً، وتصبح الذاكرة انتقائية إلى حدّ بعيد، فتحتفظ بجرائم الخصم وتجد دائماً تفسيراً لجرائم الجماعة.
يفيد نموذج فانون في فهم كيف يرتدّ العنف المكبوت إلى الداخل. فعجز الإنسان عن مواجهة مصدر قهره، يدفعه إلى أن يصبّ غضبه على جاره أو على جماعة أضعف أو أقرب. وينجح المستبدّ حين يجعل المقهورين يستهلكون طاقتهم في الخوف من بعضهم بعضاً.
تنطوي الكتابة عن الطائفية على محاذير عديدة، وقد تتحول إلى مأزق، فحين يريد كاتب تفكيك الحدود، فقد يثبتها بمجرّد تسمية الجماعات بوصفها كتلاً متجانسة. ذلك، لحاولت ألا أكتب عن «طبائع الطوائف»، بقدر ما حاولت أن أظهر أثر الطائفية في الأفراد. لا توجد طائفة تحبّ وتكره وتخاف، بل أفراد يفعلون ذلك تحت ضغط الجماعة والذاكرة والشعور بالخطر. وإنكار الحدود لا يمحوها. لذا، حاولت إظهار الشقوق في الطائفة: حبّ يعبرها، وخيانة تحدث داخل الجماعة نفسها.
الأمر أصعب فيما يخص المرأة المخطوفة، لأن الأدب حين يحولها إلى رمز فإنه قد يكرر عنف المجتمع. يمكن أن تصبح هذه المرأة رمزاً لشرف الطائفة أو لانتهاك الوطن أو لوحشية العدو، وفي الحالات كلّها تُمحى بصفتها امرأةً لها إرادة وصوت وحياة. من هنا حاولت أن أجعل مركز القصة هو العنف الذي يلاحقها بعد عودتها، والمتمثّل في رغبة الجميع في أن تقدّم لهم روايةً تنظّف ضمائرهم، بدلاً من أن يسألوها عمّا تحتاجه. يطالبها المجتمع بأن تكون «نظيفة»، لكنّه لا يسأل عن نظافة اليد التي خطفتها، ولا تلك التي حاكمتها حين عادت. لم أزعم أنني امتلك صوت تلك المرأة المخطوفة، لذا حاولت الانصات، والاعتراف بالمسافة، وألا أجعل صوتي بديلاً من صوتها. أحياناً يكون احترام الشخصية في ترك مساحة من الصمت حول ما لا يحق لنا ادعاء معرفته.
تكتب عن "المدن المتعبة" التي لا تريد الاعتراف بحقيقتها، وعن مهمَّشين لا يجدون لأحوالهم اسماً. اقترح طه حسين قديماً تصحيحاً للسؤال: لا لمن يكتب الأديب، بل عمَّن يكتب وكيف. فعمَّن تكتب "أحوال ليست شخصية" ولمن؟ أتكتب للضحايا الذين لا يقرؤونك، أم للمستقبل، أم لمجرّد أن يبقى السجلُّ المضادُّ قائماً في وجه السجلّ الرسميّ؟ وفي زمن الصورة و"موت المؤلِّف"، هل بقيت للقصة القصيرة جدوى؟
أكتب عن أشخاص حُرموا من حقهم في تعريف ما حدث لهم. قد يجد الإنسان نفسه في ملفّ أمني أو سجلّ وفاة أو إحصاء للمهجّرين، لكنه غائب بصفته فرداً. يثبت الرقم أنه كان هناك، لكن الرقم لا يقول لنا كيف كان يضحك، ولا مما خاف، ولا لماذا كذب في تلك اللحظة... "أحوال ليست شخصية" عن أولئك الذين كانوا في الهامش، ثم أصبح هامشهم هو الحقيقة الأساسية للبلد: المخطوف، والمهمّش، والمقيم في حيّ يُنظر إليه بوصفه شبهة، واللاجئ الذي يعيش بين الانتماء والاقتلاع، والمرأة التي يُراد اختصارها في جسدها، والموظف الذي يتحول إلى رقم داخل الآلة.
ليس لي قارئ واحد. أكتب لمن عاشوا تجارب مشابهة، لعلهم يجدون في القصص اعترافاً بأن ما يتذكرونه لم يكن وهماً. وكتبت لمن يعرف سورية من نشرات الأخبار، كي اذكّره بأن البلد ليس خريطةً تتبدل فيها ألوان السيطرة، بل هي بيوت وعلاقات ومخاوف. كتبت للمستقبل، لأن الصراع بعد الكوارث لا يكون على تسجيل الوقائع وحدها، بل على تأويلها، المهم أن نعي كيف تكتب السلطة روايتها الجديدة. ويظلّ الفرق كبير بين أن تكتب عن شخص وأن تدّعي تمثيله. ما أريده أن يبقى السجل المضاد موجوداً بوصفه مساحةًً تحمي التناقض الذي تكرهه السجلات الرسمية.
أما "موت المؤلف"، فأفهمه بوصفه نهاية احتكار الكاتب لمعنى نصّه، لا نهاية حاجة الناس إلى القصص. فبعد النشر، لا يعود ما قصدته أنا هو المعنى الوحيد. قد يقرأ شخصٌ القصة من موقع الضحية، وآخر من موقع المتهم، وثالث من تجربة مختلفة. عندها يبدأ النص حياته التي لا أملكها.
اخترتَ القصةَ القصيرة والتكثيفَ لتجربةٍ تتّسع لانهيار بلدٍ كامل وحقبتين متعاقبتين، وهي مادّةٌ تُغري بالملحمة. فمتى يحين في رأيك، وقتُ كتابة الرواية الملحمية التي تحيط بكلّ ما حدث؟ وما السياقاتُ التي يجب أن تتوفّر لإنتاجها. هل تُكتب "الحربُ والسلم" من قلب الحرب، أم من سكينةِ سلمٍ لم يأتِ بعد؟ وهل يمنحنا التكثيفُ القصصيّ ما تعجز عنه الروايةُ المسترسلة في لحظةٍ لمّا تنضج بعد؟
إن كانت التجربة السورية تغري بكتابة رواية ملحمية، فإنها تقاومها أيضاً، فمن طبيعة الرواية أنها تريد الإحاطة بكل شيء، ما يجعلها تقع في وهم أنها تستطيع تقديم معنى نهائي لحدثٍ لم ينته بعد. لكن ما يبدو خاتمةً اليوم قد يصبح في الغد مقدمةً لمرحلة أخرى.. ما زلنا داخل التحوّل، والرواية الكبرى لا يمكن أن تُكتب إلا بعد الحرب. هل انتهت الحرب فعلاً؟ هناك أعمال عظيمة كُتبت من داخل الكوارث أو على مقربة منها، لكن الكاتب يحتاج إلى نوع من المسافة التي لا تقاس بالزمن، إنها مسافة لازمة ليكون الكاتب قادراً على سماع أصوات متعددة، بدل أن يفرض عليه الحدثُ غضبه وصوته الواحد؟
لنتذكّر أن تولستوي كتب "الحرب والسلم" بعد عقود من الحروب النابليونية، وحين صارت الوقائع التاريخية قابلة لإعادة التأمل. ليس كل كاتب مطالباً بانتظار هذه المسافة، فربما تكون حرارة اللحظة نفسها هي مصدر الحقيقة، لكن الشرط ألا تتحول الرواية إلى بيان سياسي.
لا يكفي أن تعرف الرواية الملحمية السورية، إن كُتبت، عدد المعارك والضحايا، بل عليها أن تفهم ما فعلته عقود الخوف داخل العائلة واللغة والحب والأبوّة، وأن تكون قادرة على تجسيد انتقال الحرب من الشارع إلى المائدة، ولماذا صار اختيار اسم طفل قراراً سياسياً. يحتاج هذا إلى زمن داخلي كي ينضج. لذلك كتبت القصة القصيرة لأن التشظّي هو أحد أشكال التجربة السورية. لا توجد حكاية واحدة للبلد؛ فلكل مدينة حربها، ولكل حيّ زمنه، ولكل عائلة فقيدها وروايتها. لا تدّعي القصة الإحاطة بكل شيْ، إنها فقط تفتح ثقباً صغيراً في الجدار يمكن لنا أن نرى من خلاله جزءاً من الانهيار الكبير. وإذا كانت الرواية تبني عالماً واسعاً، فإن القصة تستطيع القبض على لحظةٍ واحدة يمكنها أن تكشف حياة الإنسان بكاملها.
لا نحتاج في النهاية إلى "الرواية السورية الكبرى" بصيغة المفرد، فقد تكون الحقيقة في عشرات الروايات والمجموعات والشهادات المتعارضة. فكرة عمل واحد يلخّص تجربة الملايين قد تكون امتداداً غير مقصود لرغبتنا القديمة في السردية الواحدة. قد لا أملك تفاؤل فوكنر حين قال إن الإنسان "لن يكتفي بالبقاء، بل سينتصر"، لكن الرواية التي تستحق أن تُكتب عن سورية ينبغي ألا تحصي الخراب وحده، عليها أن تبحث أيضاً عما أبقى الناس بشراً وسط هذا الخراب كلّه.
ما الذي تشتغل عليه الآن، وما المشاريعُ الأدبية القادمة في جُعبتك؟
لا تزال المشاريع فرديةً، لم يوفر واقعنا بعد مشروعاً جماعياً. أشتغل على أكثر من مشروع، لكنني لا أحب إعلانها بوصفها وعوداً نهائية؛ فالعمل الأدبي يتغير أثناء الكتابة. هناك بالتأكيد رغبة في متابعة العالم الذي بدأ في «أحوال ليست شخصية»، وخصوصاً أسئلة ما بعد السقوط، وأهمها السؤال المتعلّق بالناس الذين تحرروا من الخوف القديم ولم يجدوا طمأنينةً جديدة. لكني لست متحمساً للرواية حالياً، فأنا كاتب ملول وأحتاج قارئاً ملولاً. ولعلّيّ مستمرّ عموماً في فتح حقائب المدينة، لكي أمنع إفراغها من تفاصيلها ووضع روايةٍ رسمية واحدة مكانها.




