عندما نتجول في معارض الكتب أو نتصفح إصدارات دور النشر العربية، يلفت انتباهنا أمر يستحق التأمل: الكتب المترجمة أصبحت تحتل مساحة متزايدة، بينما يتراجع حضور المؤلف العربي في كثير من الأحيان.
لا أحد ينكر أهمية الترجمة، فهي جسرٌ نعبر من خلاله إلى حضارات العالم، ووسيلة لاكتساب المعرفة والخبرة. لكن الخطر يبدأ عندما تصبح الترجمة بديلًا عن الإبداع، لا مكمّلًا له.
أين الأقلام العربية التي تصنع أفكارًا جديدة؟ أين الباحثون الذين يضيفون إلى المكتبة العربية أعمالًا أصيلة؟ أين المؤلف الذي يكتب بلغته، ويعبّر عن مجتمعه، ويصنع أثرًا يبقى للأجيال؟
وأقولها بمحبة لكل مؤلف عربي: كفى تكرارًا للموضوعات نفسها. القارئ اليوم أصبح أكثر اطلاعًا من أي وقت مضى، ولم يعد يبحث عن إعادة صياغة الأفكار ذاتها بعناوين مختلفة. نحتاج إلى الجرأة في طرح قضايا جديدة، وإلى البحث العميق، وإلى تقديم رؤى مبتكرة تثري العقل، لا إلى تكرار ما كُتب مئات المرات.
إن الأمم التي تهمل لغتها، وتهمل مؤلفيها، وتكتفي باستهلاك ما ينتجه الآخرون، تفقد مع الوقت قدرتها على صناعة مستقبلها. فالمعرفة ليست مجرد ترجمة لما كُتب في مكان آخر، بل هي إنتاج وإبداع وبحث وابتكار.
لقد قيل: "من لا لغة له، يصنع الآخرون له مستقبله". وهذه ليست مجرد عبارة، بل حقيقة تؤكد أن اللغة ليست وسيلة للتواصل فحسب، بل هي هوية، ووعاء للفكر، وأداة لبناء الحضارة. فمن لا ينتج بلغته، سيظل يستهلك ما ينتجه غيره، وسيبقى تابعًا لما يصنعه الآخرون.
المشكلة ليست في الكاتب وحده، ولا في دور النشر وحدها، ولا في القارئ وحده، بل في منظومة كاملة تحتاج إلى إعادة بناء؛ منظومة تدعم البحث العلمي، وتشجع الإبداع، وتؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من العقل والقلم.
فالنهضة لا تُترجم… بل تُكتب أولًا، ثم يترجمها العالم.
برأيكم، هل ما نشهده اليوم هو أزمة مؤلف عربي، أم أزمة ثقافة وإنتاج معرفي، أم أننا جميعًا شركاء في هذه
المسوولية ؟
عن الفايسبوك




