تقدم مسرحية "حبيبتي رجعي عالتخت" في عروض استعادية داخل فضاء دائري في قاعة KED BEIRUT في منطقة الكرنتينا من اخراج لينا ابيض وتمثيل سحر عساف و إيلي يوسف ويستمر حتى 23 الشهر الحالي.
ينتمي عرض "حبيبتي رجعي" إلى المسرح النفسي الاجتماعي، إذ يعالج إشكالية تآكل العلاقة الزوجية من خلال تفكيك العلاقة بين الحب والعادة، وتحويل الحياة اليومية إلى موضوع للتأمل النقدي. فمنذ عنوانه، يطرح العرض دلالة مزدوجة؛ فهو لا يقتصر على مخاطبة الزوجين داخل العالم الدرامي، بل يبدو وكأنه دعوة موجهة إلى المتلقي للعودة إلى المسرح بوصفه فضاءً للتفكير في القضايا الإنسانية المعاصرة وهي ما تعمل عليه المخرجة المسرحية لينا أبيض يمسرح القضايا الاجتماعية والثقافية التي تتبناها وتعمل عليها في اعمالها المسرحية.
في مسرح دائري كناية عن فضاء سرير مغلف بشراشف بيضاء يدور البناء الدرامي لمسرحية "حبيبتي رجعي عالتخت" الكوميديا المقتبسة عن "تعويذة جميلة" للكاتب الأميركي غريغ كاليراس. ينطلق العرض من لحظة استيقاظ "لين" لتكتشف حقيقة فقدانها مشاعر الحب تجاه زوجها "جاد" بعد سنوات من الزواج، ولتبدأ مواجهة نفسية تتمظهر عبرها طبقات العلاقة الزوجية وما راكمته من إحباطات وصمت واعتياد.
لا يتأسس الصراع على حدث خارجي، بل على انهيار المعنى الذي كان يمنح العلاقة تماسكها، الأمر الذي يجعل الحب نفسه موضوعًا للتفكيك والتحليل. ومن خلال سلسلة من الاعترافات المتبادلة، يتحول الحوار إلى أداة درامية تكشف هشاشة المؤسسة الزوجية عندما تتحول المودة إلى ممارسة يومية خالية من الشغف، فيطرح العرض سؤالًا وجوديًا حول إمكان استمرار العلاقات الإنسانية بعد انطفاء الحب.
وتبرز قيمة النص، الذي كتبه كاليريس، في ابتعاده عن القوالب المسرحية السائدة في تناول العلاقات العاطفية، إذ يعتمد على مفارقة تجمع بين الكوميديا والألم، بحيث تصبح السخرية السوداء وسيلة لمواجهة الخوف من الفقدان والانهيار. وبهذا، تتجاوز كوميديا "حبيبتي رجعي" وظيفة الترفيه، لتتحول إلى حوار رشيق وجمالي مسرحي يبرز التناقضات النفسية للشخصيتين، وتمنح المتلقي فرصة التأمل في هشاشة التجربة الإنسانية.
ويعزز العرض هذه الرؤية من خلال توظيف الفضاء السينوغرافي بوصفه علامة دلالية فاعلة. فالفراش، الذي يشكل العنصر المركزي في السينوغرافيا، لا يُستخدم بوصفه ديكورًا يحاكي الواقع، بل يتحول إلى فضاء مسرحي تنتج داخله المعاني، وتتجسد فيه الحميمية والاغتراب في آن واحد. كما أن اختيار لينا أبيض وضع الجمهور حول الفراش يجعل المتلقي جزءًا من الفضاء الدرامي، فيتجاوز موقع المشاهدة التقليدية ليصبح شاهدًا على لحظة انكشاف نفسي شديدة الخصوصية. ويؤدي هذا التنظيم المكاني إلى تقليص المسافة بين العرض والجمهور، ويمنح التجربة المسرحية طابعًا تشاركيًا يضاعف من أثرها الانفعالي.
وتقوم الرؤية الإخراجية على مبدأ الاقتصاد السينوغرافي، حيث تقتصر العناصر البصرية على السرير، والشرشف الأبيض، وملابس النوم، بما يجعل الجسد والإيقاع والحوار العناصر الأساسية المنتجة للمعنى. ويكشف هذا الاختزال عن وعي بأن السينوغرافيا ليست عنصرًا زخرفيًا، وإنما مكوّن دراماتورجي يسهم في بناء الدلالة. كما نجحت لينا أبيض في إدارة الإيقاع الداخلي للعرض، عبر تنويع لحظات الصمت والانفعال، والمحافظة على تصاعد الفعل الدرامي رغم وحدة المكان، الأمر الذي أضفى على العرض حيويةً مستمرة ومنع وقوعه في الرتابة.
على المستوى الأدائي، قدّم كل من سحر عساف وإيلي يوسف أداءً يقوم على الانسجام والاقتصاد التعبيري، مع اعتماد واضح على اللغة الجسدية والإيقاع الحركي في تجسيد التحولات النفسية للشخصيتين. وقد أسهم هذا الأداء في بناء شخصيتين بعيدتين عن النمطية، تنقلان التوتر والانكسار والسخرية بقدر متوازن، دون الوقوع في المبالغة الدرامية. كما استطاع الممثلان أن يحوّلا الحوار إلى فعل مسرحي حي، تتكامل فيه الكلمة مع الحركة والصمت والنظرة، بما يعكس فهمًا عميقًا للبناء النفسي للشخصيتين.
في حين يكتسب توظيف موضوعات الرغبة والجسد والخيال الجنسي أهميته الدرامية من كونه جزءًا من تحليل العلاقة الزوجية، لا عنصرًا للإثارة أو الاستهلاك. فالنص يتعامل مع هذه الموضوعات بوصفها مكونات طبيعية في الحياة الإنسانية، ويقدمها ضمن سياق نفسي واجتماعي يكشف أثرها في بناء العلاقة أو انهيارها، بعيدًا عن التناول النمطي أو التوظيف المجاني. ومن خلال المزج بين الواقع والتخييل، يختبر الزوجان حدود الرغبة والغيرة والخوف، لتغدو هذه المشاهد امتدادًا للصراع النفسي، لا خروجًا عنه.
مسرحية "حبيبي رجعي..." تندرج ضمن تجارب المسرح النفسي الاجتماعي التي تستبدل الحدث الخارجي بالفعل الداخلي، وتجعل من الحوار والاعتراف والإيقاع وسائل رئيسة لإنتاج الدراما. كما ينجح في تحقيق التوازن الذي تتقنه المخرجة لينا أبيض بين النص والرؤية الإخراجية والأداء التمثيلي والكوميديا الساخرة في مسرح يطال الجمهور العريض ونخبه في آن.




