الجنازة الأبدية

فوزي ذبيانالثلاثاء 2026/07/07
تشييع خامنئي
ارتهان متجدد للعيش في كنف الجنازات
حجم الخط
مشاركة عبر

 

ليست جنازة الستة أيام في طهران وغيرها من المدن بالجنازة المؤقتة على الإطلاق، بل هي مجرد تجسيد لتلك الجنازة الأبدية التي تحفر في مجتمع الخامنئي وأتباعه عميقاً. فنحن مع هذه الجنازة إزاء تصوّر عن العالم يرى أن ترقّب الجنازة هو الذي يعطي للعالم معناه. إن ارتداء ثوب الحياة في هذا الصدد هو إثم يجب مداراته بكل السبل وهي مداراة تتحقق أكثر ما تتحقق عبر التزيّن بارتداء الأكفان حتى ونحن على قيد الحياة.

 

إن الجنازة في هذا الأفق الكارثي هي واقعة أبدية. بل أنها الواقعة الأكثر بديهية والأكثر صلابة والتي تراها تحايث حياة المرء منذ قبل أن يولد حتى لحظة مفارقته الحياة. ليست الحياة في هذا السياق الجنائزي الأبدي إلا مجاز لتلك الجنازة الأبدية. فأفضل أجزاء الحياة بحسب هذا الأفق هو الوقوف على الحافة والتمعّن في الجنازة المرتقبة الحضور بشغف وقبضات مرفوعة وإلى آخره من هيهات. فكل تجربة العيش في هذا الصدد لا تنتظم إلا عبر مشهد الجنازة التي لا يحدّها حدّ. ليس للجنازة بداية في هذا التناول وليس لها نهاية، وليست الحياة المنعتقة من الرغبة بالموت إلا خطأ يجب تصحيحه ويجب ترتيبه بما يتناسب مع انتظار رفعة الجنازة ورونقها ثم صهرها مع كل ضروب الوجود.

ليست الحياة في عرف ناس الجنازة الأبدية هؤلاء، إلا رحلة تسكُّع لا تجد لها مستقراً إلا في مشهد الجنازة المترامي الأطراف. 
إن كل الفرضيات المتناقضة والتي تداخل دروب العيش تراها تنحلّ في حضرة الجنازة. فالجنازة هنا هي محفل الرأفة وفعل المؤازرة الأشد في مسيرة الحياة. فالحياة بالنسبة لأهل الجنازة الأبدية ليست إلا حدث مؤقّت أمام ديمومة الجنازة وإشعاعها المتطاير في كل اتجاه، إنها الأبد الذي يبدأ منذ قبل لحظة الولادة وليس الانصياع لمحض شروطها إلا الانصياع لمحض أن أموت شهيداً سعيداً، كما يقال!
ليست جنازة الستة أيام التي قد أرختْ بثقلها فوق شيعة الولي الفقيه في لبنان وإيران إلا تكثيفاً لحقيقة تقوم على المعادلة التالية: إن المكان الحقيقي الذي يحتضن ولادتنا هو جنازتنا المرتقبة في كل آن. 


ليست مكابدة المشاق وصوادم الأيام والملامح التي اكتستْ بالأسى فضلاً عن جرّ ذيول الخيبة بعد كل "انتصار" ثم البكاء فالبكاء إلا تمهيدات لا بدّ منها على طريق الجنازة الأبدية. فكل شيء في هذه الحياة هو محلّ شواش وما من شيء واضح إلا الجنازة، فجنازتنا هي الأمر الوحيد الذي لا تداخله الريبة في هذا العالم الشاسع. إن البقاء على قيد الحياة في هذا السياق الجنائزي الذي لا بداية له ولا نهاية هو نمط من التسلّل البخس. إنه تسلّل في غير محله، ذلك أن المحل الأرفع لوجودنا في العالم هو تلك الجنازات التي نتلهّف احتضانها لنا عن سابق تصور وتصميم إلهيين.

إن التماهي مع جنازة الخامنئي تلك، يقول بصريح العبارة ووضوحها إن الإفراط في عيش الجنازات حتى ونحن ما زلنا أحياء هو بالعمق زينة الحياة. فالحياة هي حدث مؤقّت أما الدائم فهو الجنازة.
إن التحديق، من ثم، في وجه الحياة بغير عيون الجنازات الحاصلة منها والمُرتَقَبة هو تحديق زائف. فالنظرات الأطهر ليست إلا تلك النظرات التي تمعن النظر في روعة جنازاتنا التي ننتظرها بشغف واتّقاد. فالجنازة في هذا الأفق الفكري "المشحّر" هي الخلفية الأمامية – ويا للمفارقة – لمجمل وجودنا في العالم.

 

إن الجنازة كما يبثنا الخامنئي المقتول (ومن قبله الخميني) هي فيض ذاكرة الماضي وفيض ذاكرة المستقبل. لكنها أيضاً فيض ذاكرة الحاضر الذي علينا – باعتباره فقط جنازة دائمة – حمايته بأشفار عيوننا.
إن الجنازة تسبغ على الحياة فيضها وترتّق شقوق هذه الحياة بل ترى أن الجنازة تملك تلك القدرة الهائلة على ترتيب كل ارباكتنا وذعرنا وانكاراتنا. إنها – الجنازة – في هذا المحل بمثابة الخط المستقيم الوحيد الذي يرشد دروب عيشنا وذلك منذ لحظة انزلاقنا من بطون أمهاتنا وصولاً إلى باطن الأرض، إلى ذلك القبر الطازج على الدوام والذي يبادل جنازاتنا ابتساماتها.  


كخاتمة لهذه المقالة، وبعد التمعن في جنازة الخامنئي وانجدالها مع ناسه في لبنان، أراني أتساءل إذا ما كان لهؤلاء التعساء إمكان القفز من داخل جوارير جنازاتهم والكفّ من ثم عن جمع شتاتهم عبر محض مفردات الجنازات؟
يرى المرء نفسه في حيرة من أمره حيال تجذّر هؤلاء في معجم ضخم يسعى أكثر ما يسعى إلى محو كل الكلمات، ما خلا تلك الكلمات التي تلبّي شساعة جنازاتهم... لهو من المربك بمكان أن يقتفي الإنسان أثر مجموعة من البشر لا حظّ للسانها إلا مع كلمات الجنازات. أي عالم هو هذا حيث الكلمات الفضلى هي فقط كلمات الجنازات!

فأن تهيمن الجنازة على مجمل المشهد وأن تكون بوصلة الحياة وخريطتها الوحيدة، ففي الأمر عندئذ ما يرهق أي متابع. فبالنسبة إلى هؤلاء قد تتحرك الجنازة بسرعة وقد تتحرك ببطء شديد، لكنها على الدوام هي سيدة كل حراك. قد يكون طريق الجنازة طويل وقد يكون بغاية الاختصار لكنه دائماً الطريق الأمثل في مجمل تشعبات الحياة، وما جنازة الستة أيام لذلك الثمانيني في إيران إلا ارتهان متجدد للعيش في كنف الجنازات. فأن تكون الجنازة بالنسبة إلى مجموعة بشرية هي ذروة الحياة فالكلام من ثم بلا طائل... فلنتفرّج وكفى.       

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث