محمد كامل الخطيب كاتب قصة من جيل ما بعد زكريا تامر، وسعيد حورانيه، وعبد السلام العجيلي، وحسيب كيالي. برز في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، ورغم تميزه لم يحظَ بالشهرة الواسعة. وقد لقيت مجموعته القصصية الأولى "الأزمنة الحديثة" 1974 أصداء جيدة كونها سارت في منحى الكتابة الواقعية الاجتماعية، ذات لغة واضحة، بعيدة عن الرمزية والتكثيف. وهما سمتان طبعتا أسلوب جيل ما بعد الرواد من كتاب القصة القصيرة السوريين.
حين نشر الخطيب مجموعته القصصية الثانية "جيران البحر" 1976، بات معروفا في الوسط الأدبي السوري قاصا صاحب بصمة خاصة من خلال مجموعتيه. وامتاز العملان بأنهما افردا مساحة أساسية للمجتمع في منطقة الساحل السوري بين الجبل والمدينة. ويلمس القارئ أن خلفية هذا الانتباه هي كون الكاتب ابن مدينة (طرطوس)، ومن عائلة ذات جذور جبلية. والده كان يعمل بالتجارة في المدينة، وبالتالي، لم يكبر الكاتب في قرى الجبل. وقد غير ذلك إلى حد كبير من نظرته للمدينة في صورة عامة، وهذا ما ظهر جليا في مجموعته القصصية "المدن الساحلية".
صاحب سيرة متشابكة، لم يقف الخطيب عند حدود كتابة القصة، بل كتب النقد الأدبي، وأمضى فترة يعمل في المنطقة المشتركة بين القصة، والنقد، والفكر، والنشر، قبل أن يشتغل بوزارة الثقافة إلى جانب الوزيرة نجاح العطار، ليعطي القسط الأكبر من وقته لمشروع قضايا النهضة العربية، والهوية السورية، والقومية العربية، والدولة والمجتمع، ونقد الفكر العربي المعاصر. ونشر عن الوزارة عدة كتب تتناول تلك العناوين التي شكلت محور اهتمام الدولة والمجتمع بسوريا منذ نشوء الكيان السوري عام 1918.
تعد تلك الكتب التي صدرت في سلاسل منهجية ثروة مرجعية مهمة للباحثين المهتمين. وقد أضاء الخطيب على جانب من قصة تأليفها ونشرها في كتابه "بورتريهات" الذي أصدره عام 2022، حينما استعاد حكاية عمله بوزارة الثقافة إلى جانب الوزيرة العطار، والكاتبين أنطوان مقدسي مسؤول النشر في الوزارة، والروائي حنا مينة مستشار الوزيرة في حينه. وفي اللقاء الذي جمعنا به في بيته في الملاجة استعاد تفاصيل ذلك المشروع، متوقفا أمام ثلاث نقطة أساسية. الأولى انه فكرته. الثانية تبني الوزيرة له دون قيد أو شرط، وتحديها قوانين المنع والرقابة. والثالثة التشجيع والاحتضان من مقدسي وحنا مينه.
سؤال النهضة لا يزال راهنا، وهو يتجدد في الحالة السورية منذ ثلاثينيات القرن الماضي كما يرى الخطيب. وقد كان لعودة جيل من الدارسين السوريين في أوروبا الدور الأساسي في تأسيسها، بعد أن تأخرت عن مصر ولبنان، بسبب إعدام شهداء 6 أيار ومن بينهم الشيخ عبد الحميد الزهراوي، ولاحقا اغتيال السياسي عبد الرحمن الشهبندر. وفي حديثه عن التغييرات التي أحدثتها النهضة في سوريا، يعتبر أنها أنتجت وطنية سورية "جيلنا هو الذي قام بذلك بعد أن اقتنعنا باستحالة الوحدة العربية، وأنه ليس هناك حلم عربي، دعونا لبناء سورية جديدة"
يبدو اليوم أن الخطيب، دخل في عزلة عن أوساط الثقافة والإعلام، لكنه لم ينقطع عن الكتابة، حيث أصدر في الأعوام الأخيرة عدة كتب، على شكل محاولات ذات طبيعة تأملية، يغلب عليها التشخيص الذاتي من موقع المطل من بعيد، بعد أن أدار ظهره للمدن بما في ذلك طرطوس التي يبعد عنها بيته الريفي في قرية الملاجة حوالي 20 كم. ويقدم كتابه "بورتريهات" صورة عن شكل ومضمون ما يشغله على مستوى النص منذ عدة أعوام وفي لقائنا، وصف "بورتريهات" بأنه "سيرة ذاتية، يختلف عن المفهوم السائد في السيرة الذاتية التي تركز على الشخص. الشخص الرواي في الكتاب ليس هو المركز، بل الآخرون، والكاتب ظلهم أو أحدهم، ولهذا تناولت شخصيات وأحداث وقصص وقسطا من ذكرياتي، وحللت الشخصيات والأحداث. أرى في ذلك طريقة جديدة. تحدثت عن الذين تأثرت بهم. في كتاب سيرته "أوراق العمر"، يروي الكاتب المصري لويس عوض فصلا عن حياته وآخر عن تاريخ مصر بحيث يتشابك التاريخ الشخصي بالعام. بورتريهات لم يذكر اسم شخصية، ولكن يمكن لك أن تتعرف في الملامح العامة بعض الأشخاص بسرعة".
حين قصدناه من اللاذقية لم يترك لنا وقتا طويلا للتجول في مدينة طرطوس، وكان في انتظارنا الصديق المهندس نبيه نبهان، الذي رافقنا إلى البيت الواقع في أعالي الملاجة قرية الشاعر محمد عمران، التي ذاع صيتها بفضل مهرجان السنديان الثقافي" الذي أسسه عام 1996 قبل وفاته بأقل من شهرين، واستمر بعد ذلك إحياءً لذكراه من قبل أصدقائه ومحبيه، بإدارة ابنته الشاعرة رشا عمران. ومع بدء الثورة السورية توقفت أنشطة المهرجان، بسبب مغادرتها رشا سوريا أثناء الثورة، ولا يزال المكان يشهد بمسرحه وتماثيله، على ماض ثقافي قريب رغم التشويه والتخريب الذي لحق به من أنصار النظام السابق.
الخطيب بمثابة دليل شامل حول طرطوس وريفها وأحوالها السياسية في زمن الأسد واليوم. لكن ذاكرته مزدحمة بأعوام حلب التي أمضى فيها خدمته العسكرية، ودمشق التي عاش فيها أكثر من ربع قرن، ومع ذلك لا تبدوان بعيدتان جدا بفضل خصوبة الذاكرة وقوة الذكريات. ودمشق اليوم لم تعد بالنسبة له تلك التي عاش فيها سنوات الحراك الثقافي في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، حتى أنها زارها، ولم يمكث طويلا. يقول ذهبت لزيارة دمشق لكني عدت سريعا، كذلك الأمر بالنسبة لبيروت وطرابلس، وقد كان في زمن بعيد يحلم بالدراسة والإقامة في القاهرة أو باريس، ولكنه غير رأيه بعد أن أمضي بعض الوقت في كل منهما.
لم يرجع من المدينة للقرية ليقطع حبل الوصال، فالقرية هنا مجاز ومستقر، لا يخلو من مراودة ذات طابع فانتازي. كي يكسر الرتابة، ترك للمخيلة أن تأخذ مداها، فأعطى الملاجة اسم القرية الإسبانية، وترك الأمر غامضا حتى أن الكثيرين يظنون أنه هاجر إلى إسبانيا، وهناك من يجزم بذلك، وفي الآونة الأخيرة نزع عنها الهوية الإسبانية لتصبح اليونانية. وفي الأحوال كافة فإن سكن القرية ليس كناية عن اعتزال المدينة وعالمها، رغم أن القرية، على نحو، تبقى أقل تعرضا للتشويه الذي لحق بالمدن. هي المرسى، بعد رجوع المسافر من الرحلة الطويلة.
بات الخطيب يمتلك بيتا واسعا في الملاجة، بناه وسط غابة من الصنوبر، بعد أن باع بيته في مشروع دمر بدمشق الذي امتلكه بعد أن أمضى عدة سنوات في قبو فاض بالعدد الكبير من الكتب، التي وجدت متسعا لها في القرية، وقد منحها عناية كبيرة، كما لو أنها كائنات حية تستحق كل تقدير واحترام، وبالإضافة إلى المساحة وفر لها التبويب والترتيب كي لا تبقى في خانة المجهول.
يقطع الخطيب عدة كيلومترات على قدميه في كل يوم، يتنقل بين قرى المنطقة رغم وعورة البيئة الجبلية، وبفضل هذا التمرين ظل محتفظا بلياقة جسدية وذهنية لافتتين. يخرج باكرا كل يوم أو في العشيات، يعرفه سكان القرى، وهو يعرف كافة البيوت، وفي سيره يركز على نباتات وأعشاب البيئة المحلية التي يجمع منها الكثير في بيته. ولسان حاله يردد دائما "نصنع عمرا جميلا ونمضي. لا نستطيع حل المسائل الكبيرة، ولا نتوقف عند المسائل الصغيرة".



