"كتاب زكريا جدير بأن يكون في مكتبة كل شخص. بل يجب أن يُدرج في المناهج الدراسية وأن يُرسخ في أذهان الطلاب الذين يدرسون الآثار التاريخية والإخفاقات الجسيمة للنسوية الغربية المُتأثرة بالثقافة البيضاء" (مجلة جيزابيل الأميركية النسوية).
لماذا لايزال كتاب "Aginst White Feminism:Notes on Disruption" الصادر عن W.W. Norton&Company في August17,2021 ، للكاتبة الأميركية من أصل باكستاني Rafia Zakaria، حاضراً بقوة اليوم بعد مرور أربع سنوات ونصف على صدوره؟
تقول رافيا في مقدمة كتابها: "هذا الكتاب نقد للبياض داخل الحركة النسوية. ويستهدف الإشارة إلى ما يجب استئصاله، وما يجب تفكيكه، لكي يحل محله شيء جديد، شيء أفضل... يتناول هذا الكتاب ما يفعله "البياض "داخل الحركة النسوية، ولا بد من القيام بعمل مماثل حول كيفية عمل البياض ضمن حركات المثليات والمثليين والمتحولين والكويريين. ليس الهدف هنا اقصاء النساء البيضاوات من الحركة النسوية، بل استئصال البياض، بكل اعتباراته عن الامتياز والتفوق، وذلك لتعزيز حرية جميع النساء وتمكينهن".
رافيا زكريا محامية وصحافية وناشطة نسوية تُدرّس القانون الدستوري والفلسفة السياسية، تتمتع بفكرٍ نقدي حاد. أحدث كتابها حال صدوره موجة كبيرة من ردود الفعل، احتفت به أهم الصحف الأميركية ونُشر حوله عدد كبير من المراجعات (في الغارديان والواشنطن بوست، وغيرها) وأُجري معها عدد كبير من الحوارات حول أسباب كتابته، وأصبح يُعد من الكتب الأيقونية في الأدبيات النسوية. كما سنجد احتفاءً كبيراً به في العالم العربي بعد صدور الترجمة العربية له عن منشورات تكوين في الكويت-العراق، في تموز 2024 ضمن سلسلة "تساؤلات" بترجمة مهمة للمترجمة السورية ضحوك رقية ومراجعة شذا سلموني تحت عنوان "ضد النسوية البيضاء، ملاحظات حول مواطن الخلل"، وهو الكتاب الأول المترجم للغة العربية لها.
تكمن أهمية هذا الكتاب في النقد البناء الذي توجهه رافيا للنسوية الغربية البيضاء، وينطلق معظم عملها النقدي في هذا الكتاب وفي كتبها الأخرى ومقالاتها من العنوان الفرعي للكتاب وهو "ملاحظات حول مواطن الخلل"، إذ ستتابع رصد ونقد جميع الممارسات التمييزية التي قامت بها النسويات البيضاوات، وهي هنا تميز منهن (من استخدمن ميزات العرق الأبيض)، وستضع أصبعها على الجروح الطرية التي أحدثتها الهيمنة البيضاء على النساء الملونات السوداوات أو السمراوات، إن كان منهن المقيمات داخل أراضي الولايات المتحدة الأميركية أم اللواتي لا يزلن في مجتمعاتهن الأصلية لكنهن تأذينَ بشكل أو بآخر من السياسات النسوية البيضاء في قضايا تخص مجتمعاتهن المحلية، وستربط بشكل خلاق بين الرأسمالية والنسوية البيضاء، راصدةً أيضاً علاقة الاستعمار بأشكاله الحديثة بالنسوية البيضاء، متتبعةً طرق حرف الرأسمالية الغربية للحركة النسوية عن مسارها، بعد أن جردتها من أظافرها و أفرغتها من نضالها السياسي، بل واستخدمتها في تحقيق أهدافها، وكيف أن النساء الملونات دخلن في المنظومة وخدمنها.
ينقسم الكتاب إلى ثمانية فصول يبدأ بملاحظات للمؤلفة ثم بمقدمة تحت عنوان مجموعة نسويات في حانة ثم تبدأ فصول: في البدء، كانت النساء البيضاوات، هل التضامن محض كذبة؟ منظومة صناعة المنقذ الأبيض والنسوية السمراء الجاحدة، النسويات البيضاوات والحروب النسوية، التحرر الجنسي هو تمكين للمرأة، جرائم الشرف، وختان الإناث والتفوق النسوي الأبيض، بنيت معبداً نسوياًّ أبيض، من التفكيك إلى البناء، الخاتمة عن الخوف والمستقبل". من بين الفصول وجميعها مهمة للغاية، لفتني الفصل الثالث الذي يحمل عنوان "منظومة صناعة المنقذ الأبيض والنسوية السمراء الجاحدة" ربما لأن له علاقة مباشرة ببلداننا وبلدان الجنوب العالمي، ولأنه يتحدث عن مفهوم في غاية الخطورة، وهو "التمكين" المفهوم الذي نقل من بيئته المحلية في الجنوب إلى الغرب واعيد لنا مشوهاً ومنزوع الأظافر، حيث تقول رافيا: "عندما بدأ يتردد مصطلح التمكين، كان له معنى يختلف وضوحاً عن معناه الفارغ نسبياً اليوم. ففي أوائل الثمانينات، اجتمعت ناشطة نسوية هندية تدعى جيتا سين ومجموعة من الباحثات والناشطات والزعيمات السياسيات النسويات من دول الجنوب العالمي لتشكيل "شبكة البدائل الإنمائية للمرأة من أجل عهد جديد". سعت هذه المجموعة، التي يقع مقرها في بنغالور بالهند، إلى إعلاء أصوات نساء الجنوب العالمي. ففي الماضي والحاضر، تملي دول الشمال على دول الجنوب معظم شروط "التنمية الدولية" وكذلك صرف المساعدات لدول ما بعد الاستعمار، ومن ضمنها فرض أهداف النسويات الغربيات البيض، على نساء لسن بيضاً ولا غربيات ولا يتشاطرن نفس الاهتمامات بالضرورة".
تورد رافيا في بداية الفصل مثال حي على ذلك وهو مشروع الموقد النظيف وستتحدث في نهاية الفصل عن مشروع الدجاج الذي مولته مؤسسة غيتس الخيرية، حيث تنفق أموال هائلة على مشاريع غير ذات فائدة حقيقية للسكان المحليين وخاصة النساء، لأن جميع هذه المشاريع تنفذ من وجهة نظر النسوية البيضاء الغربية، وتنوه إلى أن التمويل مشروط دائماً بالخطط الموضوعة من فوق من قبل البيض البعيدين تماماً عن التماس مع الواقع المحلي في الجنوب، لذلك معظم هذه المشاريع تبوء بالفشل الذريع أو على الأقل لا تؤدي ربع المطلوب منها، فتبدو وسيلة مريحة للضمير الغربي الذي يقتات معظم الوقت على نهب هذه البلدان عن طريق شركاته العابرة للقارات، إذ أن الممولين يفضلون المشاريع القصيرة الأجل والتي تصب في المنحى الاقتصادي فقط، وتفضل الابتعاد عن أي نوع من السياسية التي قد تؤسس بشكل استراتيجي لرفع سوية حياة النساء وتطور وعيهن وتمكينهن بشكل حقيقي من تحسين واقعهن المعيشي، تقول رافيا: "لقد ميزت سين وباتليوالا وغيرهما من الناشطات في مجال حقوق المرأة من الجنوب العالمي بين "التمكين" و"القوة"، فالقوة مجرد نظام هيمنة، والتمكين "قوة سياسية جماعية تستخدمها المنظمات الشعبية من أجل ما يجب إنجازه". "عندما توصلت سين و"شبكة البدائل الإنمائية للمرأة من أجل عهد جديد" إلى مفهوم التمكين، لم يولٍهِ الاهتمام سوى عدد قليل من وكالات التنمية، حيث اعتقد عدد كبير منها، إلى جانب منظماتها المانحة، أن "التمكين" مفهوم راديكالي جداً". التنمية الحالية التي يقودها البيض بأسلوب التوجيه الصادر عن المستويات العليا إلى المستويات الدنيا لم تحدِث أي تغيير حقيقي في حالة المرأة في الجنوب العالمي" وتتابع "فبينما اقترحت سين وشبكة البدائل ما سمي بـ"نهج التمكين"، انطلاقاً من إدراك أن نماذج التنمية الحالية التي يقودها البيض بأسلوب التوجيه الصادر عن المستويات العليا إلى المستويات الدينا لم تُحدِث أي تغيير حقيقي في حالة المرأة في الجنوب العالمي. ودافعن، عوضاً عن ذلك، عن منهج التوجيه من المستويات الدنيا إلى المستويات العليا، بحيث يمكن للمنظمات الشعبية أن تكون "عوامل محفزة فعلية لرؤى المرأة ووجهات نظرها" وأن تتولى قيادة التغييرات الهيكلية الضرورية داخل المجتمعات. كانت "التعبئة السياسية" المدعومة بالتعليم في صميم رؤية شبكة البدائل الإنمائية للمرأة من أجل عهد جديد للتمكين إلى جانب تعزيز التنمية "الخالية من جميع أشكال الاضطهاد على أساس الجنس أو الطبقة أو العرق أو الجنسية". وتتابع رافيا شرح كيف صادرت الأمم المتحدة والغرب مصطلح التمكين وأعادوه لدول الجنوب: "بعد مرور عقد من الزمن على قبول الأمم المتحدة الرسمي لهذا المصطلح، يبدو أن لا أحد في الغرب، بما في ذلك أبرز النسويات، يتذكر أن التمكين قد أدخلته النسويات من الجنوب العالمي. ونُسِيت فكرة أن التمكين كان في المقام الأول مشروعاً سياسياً نسويّاً للسمراوات من العمل التنموي السائد. أصبح التمكين الآن مرتبطاً بمفهوم أكثر فردية للقوة: مرادفاً للقدرة الفردية وتحقيق الذات والطموح. وتحولت فكرة سين الراديكالية عن "تحرير التمكين" إلى شيء مختلف تماماً- "التمكين الليبرالي" أو تحقيق الحد الأقصى من المصالح الاقتصادية الفردية." حيث "أُسقط التمكين السياسي تماماً، واعتبر متطرفاً جداً".
وفي حوراها في مجلة THE CUTمع أندريا غونزاليس راميريز بعد صدور الكتاب تقول رافيا تحت عنوان "كيف فرضت الحركة النسوية الغربية نفسها على العالم": "لقد اختُزلت الحركة النسوية إلى مجرد علامة تجارية. ما أردتُ فعله هو إعادة النسوية إلى مسارها الحركي. لم يكن بإمكاني تحقيق ذلك دون دعوة الجميع لمواجهة قضية العرق داخل الحركة النسوية".
تمتعت رافيا دائماً بالجرأة والنقد الحاد وحاولت وضع أصبعها على مواطن الخلل في أكثر من مكان إن كان في الولايات المتحدة أو في موطنها الأصلي باكستان، ودافعت عن حق النساء في ممارسة السياسة لأنها الطريقة الوحيدة للدفاع عن حقوقهن التي تسلب أمام أعينهن فمثلاً في مقالها في جريدة فجر الباكستانية DAWN، المنشور بتاريخ 15/2/2025 والمعنون بـ"الرجال والقوانين" تقول "ففي كل مكان، تُفرغ الأنظمة القانونية من مضمونها. من الناحية النظرية القانونية، باتت السياسة تطغى على القانون والعدالة." وتقول: "لطالما اعتمدت النساء على الأنظمة القانونية على مر العقود، لأنهن في أجزاء كثيرة من العالم، أُقصين عن الحياة السياسية. تاريخيًا، مُنحْنَ المجال الخاص، الذي صُنِّف، بسبب التدخلات الأبوية، على أنه خارج نطاق السياسة. لكن الواقع عكس ذلك تمامًا؛ فما يحدث في هذا المجال سياسي، ويُحدَّد من قِبَل من تُعتبر حياتهن وجنسهن جديرين بالاحترام".
ولا تنسى رافيا رصدها للحركة النسوية في إسرائيل مثلاً في مقالها في مجلة The Nation المنشور في 8آذار 2024 العنون بـ"تشوه النزعة القومية الحركة النسوية في إسرائيل كما فعلت في الولايات المتحدة الأميركية" وتقول منتقدةً الحركة: "أظهرت الجماعات النسوية الإسرائيلية شجاعة في مواجهة نتنياهو في 8 مارس 2023. أين ذهبت هذه الطاقة الآن بينما تعاني غزة من المجاعة؟" طارحةً تساؤلات أخلاقية على الحركة ومُشيرةً إلى تأثير النزعة القومية على النسوية.
وفي العودة للكتاب موضوع المقال يُحسب للمترجمة ضحوك رقية ومنشورات تكوين تقديمها لهذا الكتاب القيم "ضد النسوية البيضاء، ملاحظات حول مواطن الخلل" للمكتبة العربية. والمترجمة مهتمة بتقديم الفلسفة النسوية للقارئ العربي، ومن أهم ترجماتها: صدر لها عن دار الرحبة كتاب ترجمة "النسوية والقومية في العالم الثالث" لكوماري جاياوردينا بالاشتراك مع المترجم عبدالله فاضل، كتاب "مقالات في النسوية" بالاشتراك مع عبدالله فاضل، قامت بتدقيق الترجمة لكتاب "المرأة والحرب "لكارول كوهن من ترجمة ربى خدام الجامع، ورواية "حليب سوفييتي" لنورا إكستينا عن دار ممدوح عدوان، وأحدثها المجموعة القصصية "جسدها وحفلات أخرى" لكارمن ماريا ما تشادو عن دار سرد -ممدوح عدوان.




