حين اشترى أحمد الشرع "الداء والدواء" من حي الحلبوني

بثينة عوضالأحد 2026/07/05
أحمد الشرع والشيباني في حي الحلبوني
أحمد الشرع والشيباني في حي الحلبوني
حجم الخط
مشاركة عبر

تظهر أمامي مكتبة والدي؛ أقف طويلاً أتأملها كما لو أنها عالم كامل مغلق خلف رفوف خشبية. أجرّ كرسياً خشبياً صغيراً، أصعد عليه بفضول طفولي، وأمد يدي لأتلمس الكتب واحداً واحداً، كأنني أحاول اكتشاف سرّ الكبار المختبئ بين الصفحات. فجأة يختل توازني، أسقط، وتتساقط الكتب من حولي كأوراق شجرة هزّتها الريح. وبين الكتب المبعثرة، يقع نظري على كتاب يحمل عنواناً غريباً بالنسبة لطفلة: الداء والدواء.

أسأل والدي عنه، ينحني لالتقاط الكتب وإعادة ترتيبها، ثم يحاول أن يشرح لي، بلغة مبسطة، أن الكتاب يتحدث عن أمراض القلب والروح، وعن الإنسان حين تفسده أشياء قد لا يراها الآخرون. أومئ برأسي وكأنني فهمت، بينما الحقيقة أن الكلمات كانت أكبر من عمري بكثير. يبتسم والدي ويقول جملة بقيت عالقة في ذهني: هذا كتاب ستقرئينه حين تكبرين… وسيأتي يوم تفهمين لماذا هو مهم.

 

أكبر فعلاً، لكن الكتاب يظل على الرف، ويظل الوعد مؤجلاً. تمر السنوات من دون أن أقرأه، إلى أن أعاده إلى ذاكرتي مشهد لم أتوقعه: شراء الرئيس أحمد الشرع لهذا الكتاب من مكتبة ابن القيم خلال زيارته لحي الحلبوني. عندها سارعت إلى اقتنائه وقراءته، لا بدافع الفضول المعرفي وحده، بل أيضاً مدفوعة بسؤال ظل يلاحقني: لماذا اختار هذا الكتاب تحديداً؟

في المشاهد العامة التي ترافق ظهور الشخصيات السياسية، نادراً ما تكون التفاصيل الصغيرة بلا معنى. فالصورة السياسية الحديثة لم تعد تُبنى فقط عبر الخطب الرسمية أو المواقف المعلنة، بل باتت تُصاغ أيضاً من خلال إشارات دقيقة قد تبدو عابرة للعين السريعة، لكنها كثيراً ما تحمل رسائل أكثر كثافة من الكلام نفسه.

 

ضمن هذا السياق، بدت زيارة أحمد الشرع إلى حي الحلبوني في دمشق حدثاً قابلاً لقراءات متعددة، ليس بسبب الزيارة بحد ذاتها فحسب، بل بسبب تفصيل محدد استوقف كثيرين: اختياره شراء كتاب الداء والدواء.

قد يبدو شراء كتاب من مكتبة أمراً عادياً في ظاهره، لكن حين يجتمع المكان والزمان والعنوان، يصبح من الصعب التعامل مع المشهد بوصفه مجرد تفصيل شخصي عابر. فحي الحلبوني ليس مجرد شارع، بل فضاء ثقافي ارتبط لعقود بتاريخ الكتاب في دمشق، وشراء كتاب من هذا المكان، أمام الكاميرات، يتحول تلقائياً إلى فعل قابل للتأويل.

 

أما عنوان الكتاب نفسه، فلا يمر بسهولة، "الداء والدواء" ليس كتاباً فقهياً تقليدياً بالمعنى الضيق، بل نص عميق يتناول أمراض النفس، وصراعات القلب، وعلاقة الإنسان برغباته وضعفه وتوبته وانكساراته. ومن هنا تحديداً تبدأ الأسئلة: هل كان الاختيار انعكاساً لاهتمام شخصي صادق؟ أم رسالة رمزية مقصودة؟ أم محاولة لصياغة صورة ذهنية جديدة لرئيس يريد أن يُقرأ بوصفه رجلاً منشغلاً بأسئلة الإصلاح الداخلي قبل كل شيء؟

ربما لا توجد إجابة واحدة حاسمة. لكن المؤكد أن بعض الكتب، حين تظهر في لحظة سياسية معينة، تكف عن كونها كتباً فقط، وتتحول إلى رموز مفتوحة على قراءات لا تنتهي.

 

كتاب واحد… وأسئلة كثيرة 

الحلبوني ليس شارعاً عادياً في الذاكرة الدمشقية؛ إنه واحد من آخر الأمكنة التي احتفظت برائحة الورق، وذاكرة القراء، وحضور المكتبات التي كانت لعقود جزءاً من التكوين الثقافي للمدينة. المرور في الحلبوني هو، بحد ذاته، مرور داخل سردية دمشق الثقافية، داخل تاريخ من القراءة والجدل والمعرفة، لا مجرد تنقل جغرافي في شارع تجاري.

لذلك، فإن الظهور في هذا المكان لا يُقرأ غالباً بوصفه زيارة اعتيادية، بل باعتباره اقتراباً من رمز ثقافي يحمل شحنة معنوية تتجاوز المكان نفسه.

لكن الدلالة الأعمق لم تتشكل من المكان فقط، بل من الكتاب الذي وقع عليه الاختيار، كتاب "الداء والدواء"، المعروف أيضاً باسم "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"، من أشهر كتب ابن القيم، وهو كتاب لا يتناول المرض بمعناه الجسدي، بل ينشغل بأمراض النفس والروح والقلب، وبالأسئلة المتعلقة بالفساد الداخلي، والغفلة، والهوى، والانكسارات الأخلاقية التي تبدأ صغيرة ثم تتجذر مع الزمن حتى تصبح جزءاً من بنية الإنسان وسلوكه.

هنا تحديداً يبدأ المشهد في الانفتاح على مستويات أعمق من القراءة.

فعنوان الكتاب وحده يحمل بنية رمزية شديدة الكثافة: داء ودواء؛ مرض وعلاج؛ أزمة ومخرج.

 

الداء بوصفه أزمة مجتمع

في السياق السوري، يصعب ألا تستحضر هذه الثنائية أسئلة تتجاوز الكتاب إلى الواقع نفسه. بعد أكثر من عقد من الحرب، والانهيار الاقتصادي، والتشظي الاجتماعي، وتآكل الثقة بين الدولة والمجتمع، تبدو سوريا وكأنها تعيش حالة مرض مركب لا يطال البنية المادية وحدها، بل يمتد إلى النسيج النفسي والاجتماعي والأخلاقي للبلاد.

من هذه الزاوية، يمكن قراءة اختيار الكتاب بوصفه إشارة رمزية إلى سؤال جوهري: إذا كنا نعرف حجم الداء، فهل نعرف فعلاً أين يكمن الدواء؟

الأكثر أهمية في مضمون الكتاب أن ابن القيم لا ينظر إلى الانهيار بوصفه حدثاً مفاجئاً، بل بوصفه مساراً تراكمياً يبدأ من اختلالات صغيرة يُستهان بها، ثم تتحول تدريجياً إلى اعتياد، قبل أن تصبح بنية كاملة يصعب تفكيكها.

 

الدواء بوصفه مشروع خلاص

هذه الفكرة بالذات تكتسب وزناً خاصاً عند إسقاطها على المجالين السياسي والاجتماعي، إذ إن الانهيارات الكبرى -في الدول كما في الأفراد- نادراً ما تبدأ من لحظة واحدة، بل غالباً من سلسلة اختلالات صغيرة تُترك بلا معالجة حتى تستفحل.

من هنا، يصبح مفهوم الدواء أوسع من كونه علاجاً سريعاً أو قراراً سياسياً آنياً؛ إنه مشروع إصلاح طويل يبدأ من التشخيص الصادق، مروراً بالمراجعة، وصولاً إلى إعادة البناء.

ولعل هذا هو المعنى الأكثر عمقاً الذي يمكن استخلاصه من رمزية الكتاب: أن العلاج الحقيقي لا يبدأ بإخفاء الجرح، بل بالاعتراف بوجوده أولاً.

هل كان اختيار الكتاب عفوياً وشخصياً، يعكس اهتماماً فكرياً أو ميلاً نحو التراث الإسلامي وأدبيات الإصلاح الداخلي؟ أم أن الاختيار كان واعياً ومدروساً ضمن مشهد يعرف مسبقاً أن الكاميرا ستلتقط كل شيء، من خطوات الزيارة إلى الكتاب الذي خرج به من المكتبة؟

لا توجد إجابة قاطعة، وربما لا حاجة لإجابة حاسمة أصلاً، ففي السياسة الحديثة، تكمن قوة الرسائل أحياناً في بقائها مفتوحة على التأويل، بحيث تمنح كل متلقٍ مساحة لإسقاط قراءته الخاصة.

الداء والدواء

 

السياسة حين تتحدث بالصورة

ما يجعل المشهد لافتاً أن أحمد الشرع لم يختر كتاباً في التاريخ السياسي، ولا في إدارة الدولة، ولا في الحروب أو التحولات الإقليمية، بل اختار كتاباً ينطلق من فرضية مختلفة تماماً: أن الخلل الحقيقي يبدأ في الداخل، وأن العلاج الجذري لا يقتصر على إصلاح البنى الخارجية وحدها.

في زمن الصورة، لم تعد السياسة تتحدث بالكلمات فقط، بل أصبحت التفاصيل نفسها جزءاً من الخطاب. كتاب يُمسك أمام الكاميرا قد يتحول إلى رسالة، وصورة واحدة قد تفتح باباً لتأويلات لا ينهيها خطاب طويل.

مع ذلك، ينبغي الحذر من تحميل المشهد أكثر مما يحتمل. فشراء كتاب، مهما كانت رمزيته، لا يمكن أن يُقرأ وحده بوصفه مؤشراً كافياً على مشروع فكري أو سياسي متكامل. الرموز تفتح الباب للأسئلة، لكنها لا تقدم الإجابات النهائية.

ولهذا يبقى التحدي الحقيقي ليس في دلالة الكتاب الذي جرى اختياره، بل في ما إذا كانت الأفكار التي يوحي بها هذا الاختيار ستنعكس لاحقاً في السياسات والممارسات.

 

في نهاية المطاف، ربما تكمن أهمية المشهد في المفارقة نفسها: في شارع ارتبط تاريخياً بالمعرفة والكتب، اختير كتاب لا يتحدث عن السلطة مباشرة، بل عن المرض والعلاج، عن التشخيص قبل الحل، وعن مواجهة الخلل قبل الادعاء بتجاوزه.

فأحياناً، لا تُقال الرسائل السياسية في خطاب رسمي أو مؤتمر صحافي، بل تظهر بهدوء في تفصيل صغير، في صورة عابرة، أو في كتاب يُشترى أمام الناس، ثم يُترك للعناوين وحدها أن تتكلم.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث