يعاني الكثير من الآباء والأمهات في دول الشتات والمهجر الأوروبية، من فقدان أبنائهم الصلة مع العربية، إذ أن اللغة ليست فقط القدرة على القراءة والكتابة، بل هي رابطة ثقافية واجتماعية أوسع من كونها قدرة لغوية وحسب. لتمتين هذه الصلة، يبحث هؤلاء عن معاهد لتعليم أبنائهم مبادئ أساسية في اللغة العربية، وهنا في العاصمة الألمانية برلين، تعيش جالية عربية كبيرة، ازداد عددها مع موجات اللجوء خصوصاً سنتي 2014 و2015 . "كلمن" هو أحد معاهد تعليم العربية في برلين. عن واقع العربيّة حسب تجربة الأستاذة ميرفت عدوان مؤسسة ومديرة معهد "كلمن"، ننقل النص التالي عنها وحسب روايتها وإجاباتها على أسئلة "المدن":
بداية شخصية وعائلية
جاءت فكرة تأسيس المعهد من حاجة حقيقية لاحظناها لدى العائلات العربية، خصوصاً في ما يتعلق بالحفاظ على اللغة والهوية لدى الأطفال في بيئة غير عربية. بدأنا بخطوات صغيرة، بدورات محدودة، ثم تطور العمل تدريجياً ليشمل برامج تعليمية وثقافية أوسع تستهدف الأطفال والكبار على حد سواء.
بالنسبة لي مثلاً بدأت القصة العام 2009 عندما ولد ابني، وحينها فكرت بكيفية تعليمه اللغة العربية وبدأت بحثي عن مدرسة. لم تكن هناك قدرة على ذلك في المنزل، ورغم محاولتي، توصلت إلى نتيجة أن هناك طرقاً منهجية جيدة في تعلم اللغة. ومن هنا رحت أبحث عن مدرسة مناسبة، وما وجدته لم يعجبني وأكثرها مرتبط بالدين، فالعائلة عادة تسأل عن مضمون الدروس من ناحية أخلاقية، لا تربوية أو تعليمية، وعندها فكرت بتأسيس "كلمن" مع صديق، ثم تطور الأمر.
جربنا أكثر من منهج، بداية كنا نعتمد على كتب من سوريا ولبنان، مزجنا بينها، مع ما هو متوافر هنا من كتب في برلين، وهي قديمة مجردة، لا تلبي مناهج تعليم الأطفال خصوصاً، التي ينبغي أن تشير إلى ما هو محسوس وملموس ومعاش، وهذا نادر في مناهج العربية. ثم بدأنا العمل على منهج خاص بنا في معهد كلمن، للسنوات الأولى، ومنذ سنتين تعاملنا مع منهج معتمد من جامعة بروكسل المتخصصة في تعليم العربية للطفل الأوروبي، عبر تمارين ومواضيع تشبه تلك التي يتحدث بها الأطفال في المدرسة الرسمية. وجدنا أن هذا المنهج مناسب لنا، وبطريقة ما فإن المضمون الدراسي يشبه المضمون كما هو هنا في ألمانيا.
الإقبال والإحجام
الاهتمام بالعربية موجود بشكل واضح، بل ويمكن القول إنه يتزايد مع مرور الوقت. كثير من الأهل يدرك أهمية اللغة العربية في الحفاظ على الهوية الثقافية والتواصل مع العائلة الممتدة، لا سيما مع الأجداد. لكن في المقابل، يواجهون تحديات مثل ضيق الوقت أو غياب بيئة لغوية داعمة في المنزل، لذلك يبحثون عن مؤسسات تعليمية موثوقة تقدّم تعليمًا منهجيًا وجذابًا للأطفال. ونلمس اليوم وعيًا متزايدًا بأهمية تعلم اللغة بطريقة تربوية حديثة وليس فقط بشكل عفوي.
ثمة خلفيات اجتماعية تدفع الأهل لتعليم الأبناء، أو ربما تبعدهم عن تعلم العربية. ووجدت أن العامية العربية في برلين تختلف عن العامية التي ألفناها. ثمة خلط وضعف ولعب في تركيب الجملة. وجدت أن ابني سيخسر فرصة تعلم لغة أهله، وبعد 2011 صار نزولنا لسوريا ولبنان صعباً ونادراً، مما جعلني أفكر على نحو جدي في تخصيص وقت وطرق أجدى لتعليم ابني.
بعد 2015 ازداد الطلب على تعلم العربية نتيجة تدفق اللاجئين. غالباً ما كان الأهل يرسلون ابناءهم إلى الجوامع والمساجد حيث التعلم ليس حيادياً، بل يختلط بالدين، وهذا تعليم ديني وغير سليم لغوياً برأيي.
هناك دراسات تشير إلى أهمية تعلم اللغة الأم في ألمانيا. ثمة أبحاث تشير إلى أن اللغة الأم تحسّن من تعلم الألمانية هنا. وتعلم اللغة العربية، في بعض المدارس الألمانية كان بمثابة نشاط غير ملزم بعد الدوام لمرة واحدة في الأسبوع. لكن البعض يرى في الابتعاد عن العربية ميزة أفضل، وهذا ربما عن تصور للرقي الاجتماعي، إذ الطفل عازفاً للكمان والبيانو ومتقناً الانكليزية والفرنسية أفضل من طفل تائه بين عربية قديمة جامدة وعامية لا معيار لها ولا قيمة، بحسب البعض!
المناهج المعتمدة
نعتمد على مزيج من المناهج الحديثة المصممة لتعليم العربية لغير الناطقين بها، إلى جانب مواد تعليمية نطوّرها داخليًا بما يتناسب مع احتياجات الأطفال في المهجر. كما نستفيد من نماذج تعليمية معتمدة من جامعة بروكسل Vrije Universiteit Brussel، والتي صُمّمت من قبل أكاديميين عرب خصيصًا لتعليم اللغة العربية كلغة أجنبية، بما يتوافق مع مستويات الأطفال واحتياجاتهم.
نحرص في اختيارنا للمناهج على أن تراعي السياق اليومي للطفل، سواء في المدرسة أو في المنزل، بحيث تكون المفردات والمواضيع قريبة من حياته اليومية، مما يعزز الفهم والتفاعل، وليس فقط الحفظ.
وفي نهاية العام الدراسي، نقوم بإجراء اختبار مركزي يهدف إلى تقييم مستوى كل طفل بشكل موضوعي، كما يساعدنا كمؤسسة تعليمية على قياس مدى فعالية البرامج التعليمية وجودتها. وبالطبع، يحصل الطلاب الناجحون على شهادات صادرة عن الجامعة، وهو ما يشكّل حافزًا إضافيًا لهم ويعزز ثقة الأهل بمستوى البرنامج التعليمي.
يحتاج الطفل إلى لغة تناسب عمره، سواء بالمفردات، أو المواضيع التي هي أقرب ليوميات الطفل نفسه، في المدرسة أو الشارع أو المنزل أو الحديقة وأماكن اللعب، وليس بالضرورة اللجوء إلى الفصحى حتى يفهم ويجيد العربية، فثمة كلمات كثيرة مستعملة بسيطة وتعد كذلك من الفصحى. من هذا مثلاً ما يمكن أن يتعلمه الطفل في اليوم الأول بالمدرسة، ما يراه في الطريق إليها، ثم في طريق العودة إلى البيت. ماذا يرى وكيف يعرّف عن نفسه بشكل واضح وبسيط، ماذا يستخدم في البيت من أشياء وأدوات. وهكذا ننتقل من اللغة المجردة إلى لغة مرئية معاشة وليس من الصعب أن يجدها الطفل أمام عينيه.
نحن نركّز بشكل أساسي على تعليم اللغة العربية كلغة، بطريقة حيادية ومنفتحة تناسب جميع الخلفيات. لا نعتمد منهجًا دينيًا محددًا، لكننا نحترم التنوع الثقافي والديني لدى العائلات، ويمكن أن ندمج عناصر ثقافية عامة عند الحاجة.
ما يميز "كلمن" هو الجمع بين التعليم اللغوي والبعد الثقافي، وتقديم محتوى تعليمي حديث يتناسب مع واقع الأطفال في المهجر، إلى جانب بيئة تعليمية تفاعلية تشجّع الطفل على استخدام اللغة بثقة ويسر. كما نحرص على بناء علاقة إيجابية بين الطفل واللغة، بحيث يشعر أنها جزء طبيعي من حياته اليومية.
هنا كذلك نتعلم العامية لفظاً وكتابة وصار من المألوف والمقبول كتابة العامية للكبار. ونحن نعتمد مناهج لتعليم العامية كتابةً، فالكبار بدأوا التعلم بسرعة ولديهم رغبة في الاستمرار. الفصحى أسهل من العامية لهذه الناحية، فلا مراجع للعامية، لا اتفاق على طريقة الكتابة الصحيحة لأنها خالية من معيار عام ورسمي متفق عليه.
الأنشطة المرافقة للتعليم
نقدّم مجموعة واسعة من الأنشطة المرافقة التي تهدف إلى تعزيز الارتباط باللغة والثقافة العربية خارج إطار الصف. بالنسبة للكبار، ننظم ورشات وأنشطة ثقافية وفنية متنوعة، مثل ورشات الخط العربي والفنون، بالإضافة إلى ورشات موسيقى، رقص شرقي، ودبكة، إلى جانب دورات متخصصة في التأليف الموسيقي، الإيقاع، وتعليم العود. هذه الأنشطة توفّر مساحة للتعبير الفني والتفاعل الثقافي ضمن بيئة داعمة ومفتوحة.
أما بالنسبة للأطفال، فنركّز على الأنشطة والمشاريع الثقافية والتربوية التي ننفذها في أحياء مختلفة، بالتعاون مع جهات رسمية مثل Senatsverwaltung für Bildung, Jugend und Familie (وزارة التعليم والشباب والأسرة) وبعض المدارس الابتدائية، بهدف دمج اللغة العربية في حياة الطفل اليومية وتعزيز استخدامها في سياقات متنوعة.
بخصوص دورات اللغة للكبار، نقدّم برامج في اللغة العربية الفصحى، بالإضافة إلى دورات في اللهجات مثل السورية، الفلسطينية، واللبنانية والمصرية، مع تركيز على مهارات التواصل العملي، وتمارين كتابية بالعامية. ثمة طلاب وباحثون يفضلون العامية، ويكتبون بها، بعدما درسوا الفصحى في كليات خاصة لغايات بحثية. كما نقدّم دورات معترف بها ضمن برنامج Bildungsurlaub (إجازة دراسية) ، وكل الدورات حضورية (Offline) أو عبر الإنترنت (Online)، لتناسب مختلف الاحتياجات.
كما نعمل على بناء مجتمع لغوي نشط من خلال مبادرات مثل النشرة الإخبارية الشهرية (Newsletter)، وفعالية "Sprachcafé" (مقهى اللغة) المجانية التي تُقام مرة واحدة شهريًا، بالإضافة إلى أنشطة ومشاريع ثقافية مستمرة.




