يحتفل في 4 تموز بذكرى ميلاد الشاعر اللبناني سعيد عقل(1912 - 2014)، هنا مقال عن الجانب الاشكالي في حياته، ويتعلق بعنصـريته ضد الفلسطينيين وطموحه لألقاء كلمة في الكنيست الإسرائيلي.
في 4 كانون الأول 2014 كتب الدكتور محمد مغربي في "النهار" تحت عنوان: "ذكريات مع سعيد عقل: أفول حلم الأمة اللبنانية": تعرفت على سعيد عقل في آذار 1977 عندما تلقيت مخابرة هاتفية منه هنأني فيها، مع الموافقة والتأييد، على مقال نشرته لي مجلة "الصياد" في العاشر منه رداً على رأي للدكتور إدمون رباط وكانت نشرته في عدد سابق وجزم فيه "أن الشعب اللبناني لا يؤلف أمة". ويسـرد مغربي بأن سعيد دقّ باب السياسة اللبنانية الرسمية عبر ترشحه في العام 1965 للنيابة عن زحلة. فلم ينجح. وشارك شارل مالك وفؤاد البستاني في إنشاء "جبهة الحرية والإنسان" ثم انسحب منها لاختلاف رؤيته جذرياً عن رؤية شريكيه فيها. وتأثر بأفكاره اتيان صقر الذي أسس حزب حراس الأرز دون أن يكون لسعيد دور فيه. يقول أبو أرز عن علاقة سعيد عقل بميليشياه عام 1975 ما يلي: "إن الشاعر سعيد عقل هو الرئيس الروحي والفكري" وأن إيديولوجيّة حرّاس الأرز "هي نفسها إيديولوجية سعيد عقل، وهو المُرشد الروحي لنا".
لم يَخَف سعيد عقل من أسلمة لبنان وإنما من تعريبه (الأباتي بولس نعمان)، كان عنصريًا بالمعنى اللبناني، حورب "لا لأنّه مسيحي بل لأنّه لبناني عنصري". تلك هي التهمة، وهي أسوأ من تهمة الطائفيّة"... "لم يشأ سعيد عقل ولا يومًا أن يتكلّم كطائفي، ولم يلقّب نفسه إلّا باللبناني، وكان يهاجم الأحزاب المسيحيّة الطائفيّة". (أنسـي الحاج – خواتم جريدة الأخبار).
وظل الودّ مفقودًا بين سعيد عقل وحزبي الكتائب والقوّات اللبنانية حتى أنه كان من القلائل الذين عارضوا بقوة وعلنًا ترشح بشير الجميّل لرئاسة الجمهورية اللبنانية في العام 1982، مع أن سعيد عقل عبّر عن ترحيبه بالاجتياح الاسرائيلي، الذي كان بشير الجميّل المتعاون الأول معه، وما أدى إليه من خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان. ومع أنهما، سعيد وبشير، كانا يريان في هذه المنظمة وفصائلها عدوًا حقيقيًا للبنان، وذلك عملًا بقاعدة أن عدو عدوي صديقي. هذا المقطع ربّما يختصر العلاقة بين سعيد عقل وبشير الجميّل، لكن لا بدّ من توضيح كيف حاول سعيد عقل الاستثمار في تداعيات السياسة البشيرية القوّاتية؟
ثمّة جوانب كثيرة في هذا المجال، فقد نُشـرت في ملحق تيارات، "الحياة"، 1 تموز، 2001 مقالة للكاتب المَقدسي سلمان مصالحة يقول فيها "قد يتساءل المرء، هل يشكّل الشّعر وثيقة يمكن الاعتماد عليها في محاولة فهم تيّارات وأحداث سياسيّة واجتماعيّة؟ الإجابة على ذلك بسيطة، فممّا لا شكّ فيه أنّ الموروث الشّعري، لدينا نحن العرب، كان ولا يزال أحد أهمّ المصادر التّاريخيّة".
ويستذكر مصالحة كتابًا بعنوان "هستننوت"، أي "تسلُّل" بالعربيّة، للكاتب والمترجم العبريّ ليتواني الأصل أهارون أمير الذي درس الأدب العربي في الجامعة العبريّة في القدس، وهو "كنعانيّ" النّزعة طمح إلى تأسيس الحضارة العبريّة والإسرائيليّة على أساس جغرافي إقليمي بعيدًا من النّزعة الدينيّة اليهوديّة. يذكر أمير أنّ بداية المعرفة بـسعيد عقل كانت عبر الكتب، فهو يتذكّر أنّه عندما كان يافعًا وقع بين يديه كتاب هو بمثابة دائرة معارف في مجلّد واحد كان صدر في العام 1935. وفي المجلّد عثر على مادّة: "عقل، سعيد"، حيث ذكر فيها أنّه شاعر عربيّ نشـر في العام 1935 مسرحيّة توراتيّة بعنوان "بنت يفتاح".
يشير أهارون أمير في كتابه هذا إلى الشّـراكة بين سعيد عقل ومؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي، أنطون سعادة في الحزب الّذي دعا إلى قيام "سوريا الكبرى". وإذا كان عقل قد أسس "قدموس" على أسطورة فينيقية، فإنه أسس مسرحية شعرية أخرى له اسمها "بنت يفتاح" على قصة توراتية. وعندما قرأها أنطون سعادة "جن جنونه"، إذ كيف ينظم شاعر قومي سوري حكاية مستلّة من كتاب اليهود، وهم أعداء الأمة السورية؟ وأمر يومها بطرد الشاعر من الحزب بعد سنتين تقريباً من انتسابه إليه..
ويتذكّر أهارون أمير وقائع تاريخيّة مثل، كيف عبّرت الكنيسة المارونيّة في العام 1947 عن دعمها لقيام دولة عبريّة تكون شقيقة للبنان. علينا أن نستطرد هنا والنظر في كتاب "عدو عدوي"(مؤسسة المطبوعات) لمؤلفته لورا زيتراين ايزنبرغ والتي اعتبرت أن الفرضية الاساسية لهذا الكتاب، هو مفهوم "تحالف أقليات" بين الموارنة والصهاينة. فالجماعتان الاقليتان في العالم العربي والإسلامي الاوسع، كانت لهما مصلحة في توحيد القوى للحفاظ على وجودهما وبقائهما في الشـرق الأوسط.
اللاعبون الأساسيون في هذه القصة من الطرف الماروني، البطريرك أنطوان عريضة ورئيس أساقفة بيروت المونسنيور أغناطيوس مبارك والرئيس اللبناني اميل إده، والعديد من الشخصيات التي "نظرت إلى لبنان باعتباره مسيحيًا ومنفصلاً عن العالم العربي ومتفوقًا عليه" (عدو عدوي ص:62). وقد ذهب المونسنيور مبارك، الأكثر جهرًا بعواطفه تجاه الصهيونية، إلى أبعد من ذلك، إذ قال في العام 1947، في رسالة إلى لجنة الامم المتحدة الخاصة بشأن فلسطين (UNSCOP) أن لبنان "يطالب بالحرية لليهود في فلسطين.. مثلما يرغب بحريته واستقلاله" (ص:143).
ولم تكن آراء البطريرك عريضة المؤيدة لدولة يهودية تلقى قبولًا من غالبية اتباع الكنيسة ولا من الفاتيكان ولا من غالبية الرأي العام اللبناني. وفي العام 1949 قام حميد فرنجية، وزير خارجية لبنان وخصم عائلة اده، بتسجيل المواقف المسيحية، عندما قال: "زمن الحروب المقدسة قد ولى، وعلى الرغم من أن للأسقف (مبارك) وللبطريرك (عريضة) هيبة دينية، فإننا نصغي الى سلطة دينية أعلى، وهي قداسة البابا، الذي ينصح بالتعقل والسلام مع المسلمين" (ص:153). يكتب الكاتب جورج عيراني "أطلقت في العام 1982 مغامرة جديدة، لكن هذه المرة كانت دموية وقذرة، في لبنان. وفي مسار الغزو الشاروني للبنان نجد الافتراضات الخاطئة نفسها (كمثل أن لبنان واسرائيل يتشاركان مصيرين متشابهين، وأن للصهاينة والموارنة اعداء مشتركين، وأن تقسيم لبنان هو الخيار الافضل... الخ) وفي الثمانينيات تبدلت الشخصيات المارونية في القصة، وحل مكان عريضة ومبارك وإده مقامرون وامراء حرب ومغامرون مثل بشير الجميّل وكميل شمعون وكثيرون غيرهما.
وفي رسالة من كميل شمعون الى مناحيم بيغن، قال: "فرض علينا الفرنيسون لبنان الكبير. ضموا إلينا الأراضي المأهولة بالمسلمين. لقد كان ذلك سبب جميع العلل والشـرور. لا تحتفظوا بأرض مأهولة بالمسلمين. تجنبوا هذا الوضع وإلا ستبتلون بالمشاكل عينها"(الان مينارغ، أسرار حرب لبنان، المكتبة الدولية).
وفي العام 1982، وعلى أثر انتخابه رئيسًا للبنان، تخلّى بشير الجميّل عن تعهداته بخلق دولة مسيحية في لبنان ودعا بدلًا من ذلك الى تعايش مسيحي مسلم.
وكان انتخاب بشير في خضم الحرب الإسرائيلية على لبنان وعلى الفلسطينيين في لبنان عام 1982، قد دفع سعيد عقل إلى التفكير في الذهاب إلى إسرائيل، والقضية لم تبدأ من هنا. كان سعيد عقل واحدًا من بين شخصيّات لبنانيّة أجرى معها إيهود يعاري مراسل التّلفزيون الإسرائيلي مقابلات في بيروت. سعيد عقل أرسل إلى أهارون أمير، مع إيهود يعاري، تحيّات مرفقة بمجموعاته الشّعريّة الموقَّعة. غير أنّ سعيد عقل، كما يروي أهارون أمير، أراد أن يدخل التّاريخ، بل أكثر من ذلك أراد أن يصنع التّاريخ، وفي القدس بالذّات.
يضيف أمير: كان سعيد عقل يؤمن أنّ شاعرًا مثله، ذائع الصّيت بين قرّاء العربيّة، سيكون لكلامه وقع على السّامعين. لذلك اعتقد أنّ على حكومة إسرائيل أن تدعوه إلى إلقاء كلمة في الكنيست. سيكون هذا بلا شكّ خطابًا فاتح عهد جديد، على غرار خطاب الرئيس أنور السّادات، ولذلك حريّ به أن يُسمَع هناك بالذّات… لقد استصعب سعيد عقل سماع أنّ خطابًا في هذا المكان هو أمر محفوظ لرؤساء الدّول فحسب. في نظره كانت هذه الحجّة مستلّة من حُجج الموظّفين الصّغار مقابل حجّته هو، حجّة الشّاعر النبيّ… لكن حينما اقتُرحَ عليه أن يلقي خطابه على الجبل، كما فعل اللّورد بلفور في افتتاح الجامعة العبريّة، رأى في ذلك بديلاً لائقًا لرجل في مثل مكانته… ولأجل هذا الحدث أفردت الجامعة العبريّة قاعة احتفاليّة مع دعوات خاصّة لثلاثمائة شخص إضافة إلى ممثّلي وسائل الإعلام".
بعد انتخاب بشير الجميّل في 23 آب رئيسًا للجمهورية اللبنانية بدأ سعيد عقل يُعدّ العدّة لخطابه الموعود الّذي كان من المفروض أن يلقيه في الموعد الّذي اتفقنا عليه، وهو بداية أكتوبر. أمّا مضمون كلمته القدس فهو: "صورة الماضي العريق تُشعّ، حاضرٌ ينبعث من جديد، مُستقبلٌ باهر يُبارك صانعيه بالسّلام، كما في عهد سليمان وحيرام". لقد عمل سعيد عقل أيّامًا وليالي على كتابة الخطاب الموعود، وفي الأسبوع الأوّل من أيلول كانت المسوّدة الرّابعة عشـرة حاضرة بصيغتها النّهائيّة، بالفرنسيّة وبالعربيّة، بفضل مساعدته الأرمنيّة.
في الثّالث عشـر من أيلول، كان من المفروض أن يصل أهارون أمير إلى بيروت، وفي صبيحة اليوم التّالي سيكون في مكتبه الواقع في سنّ الفيل، للوقوف على الصّيغة النّهائيّة لخطابه الّذي كان من المفروض أن يترجمه إلى العبريّة.
"حين اقتربت سيّارتنا من مداخل بيروت في الموعد المحدّد، كان الظّلام مخيّمًا والازدحام شديدًا. أدرنا مؤشّر الرّاديو إلى إذاعة الجيش الإسرائيلي لسماع آخر الأخبار، فإذا بنا نسمع خبر انفجار سيّارة مفخّخة في الأشرفيّة. في البداية ذُكر أنّ الرّئيس نجا من الانفجار ولذلك أطلقت عيارات الفرح في الشّوارع. "فقط ساعةً واحدةً قبل انتصاف اللّيل، في مقرّ قيادة "أبو أرز" اتّصل شخص وأكّد خبر مقتل الرّئيس المنتخب.
خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان، ظهر عقل على شاشة التلفزيون وهو يهلّل لوزير الدفاع في كيان العدو أرييل شارون، ويرحّب بمناحيم بيغن وجيشه لأنه "جيش خلاص للبنان وليس جيش غزو… وكل مين بقول إنو جيش غزو لازمو قص راس"! كما قال في دورية "لبنان" التي كان يصدرها آنذاك إنه يرحب بالجيش "الإسرائيلياني" وأنه لو كان يملك قوى عسكرية لانضمّ فوراً للمحاربة إلى جانب ذلك الجيش. لاحقًا حين اكتشفت قناة "الجزيرة" أرشيف الشاعر نشـرته وأحدث ضجة، يومها كان سعيد عقل يكتب مقالًا على الصفحة الأولى في جريدة "السفير"، طُلب منه الاعتذار فرفض، فمُنع من الكتابة...
سعيد عقل الذي، ربّما، كان يعتبر بشير الجميّل منافساً له، وعلاقته متوترة بالرئيس شمعون سرعان ما أصبح مؤيداً لجنرال ميشال عون في حربه على السوريين، وشبهه بثلاثة قادة بارزين في التاريخ هم الأثيني بركليس وديغول وتشـرشل، بما يجمعه من صفات تتشابه معهم. أنت الذي رقص نجوم الفلك. وقد رفض الاشتراك في مهرجان تكريمي للأديب والشاعر الكبير أمين نخله لأنّه كان برعاية الرئيس الياس الهراوي، وكان في برنامج الاحتفال كلمة لوزيرة الثقافة السورية نجاح العطار.
سياسياً، عرف عن الشاعر الكبير توتر علاقته بالرئيس بشارة الخوري، وأيضاً مع الرئيس كميل شمعون.




