هكذا صار كريم جواد هشاً بما يكفي الشعر...

علي سفرالخميس 2026/07/02
كريم جواد
ينتمي كريم جواد إلى جيل تشكل وعيه تحت ضغط الحروب
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يكتب كريم جواد قصائده من خارج المشهد الشعري العراقي في البدايات، لكنه لم يتوقف عند ما أنجزه فيه بعدما استقرت أدواته ونضجت لغته. وها هو في مجموعته الثالثة "الخريف في فرجينيا" يواصل تفكيك علاقته بالتجربة، مقدّماً كتابة تتحرك بنوابض غير مألوفة في منطقها الداخلي.

 

كتابه الأول "نقود الحياة"، وضع اسمه في مشهد يحتاج إلى قوة وجرأة ومتانة، من دون أن تكون هذه الصفات مبثوثة في النصوص. لكنه في مجموعته الثانية "بقايا مجداف"، ومع انتقاله الحياتي من العراق إلى سوريا ثم المنفى الأميركي، مضى في تحولات جعلت التجربة الشعرية محاولة لفهم العالم أكثر مما هي تجربة في التعبير عنه. النبض هنا: كتابة تنظرُ إلى الواقع بوصفه مادة للتفكير، وإلى السيرة كطريقة لبناء القصيدة، لا مجرد موضوع لها.

 

ينتمي كريم جواد إلى جيل تشكل وعيه تحت ضغط الحروب؛ عاش الحرب الأولى يافعاً، والثانية شاباً، والثالثة منفياً. هذه الحروب ليست خلفية لسيرته، وإنما البُنية التي أعادت تشكيل علاقته بالمكان واللغة والذاكرة. لذلك لا تظهر الحرب في قصائده باعتبارها حدثاً من الماضي، وإنما كقوة ما زالت تعمل في الحاضر، حتى وهو يكتب من مدينة أخرى.

 

من هنا لا ينقسم العالم في هذه القصائد إلى وطن ومنفى، أو هنا وهناك. المكانان يتداخلان باستمرار، وكل منهما يفسر الآخر. المنفى لا يلغي العراق، كما أن العراق لا يتحول ذكرى جامدة. كلاهما يبقى حاضراً في التفاصيل اليومية التي تصنع القصيدة. يظهر ذلك بوضوح في هذا المقطع:

"كما يحدث مع جميع الغرباء كل يوم، اعترضني

متشرد قرب محطة للمترو كي أقرضه بعض

المال. قال: إنه كان جندياً في حرب الخليج. قلت:

أنا لاجئ منذها. قال: لا، أنت تذكار..."

كريم جواد

في بضعة أسطر فقط، ينجح الشاعر في وَصل عالمين لا تبدو بينهما علاقة مباشرة. متشرّد في مدينة أوروبية، وحرب الخليج، ولاجئ عراقي، وقطار مترو، وامرأة تراقب المشهد، ثم تنتهي القصيدة بالاعتراف بأن ذلك كله قد يكون حدث كي تُكتب قصيدة. هنا لا تروي الكتابة حادثة، وإنما تكشف كيف تتحول التجربة اليومية إلى مادة شعرية، وكيف يصبح الشك جزءاً من بناء الحقيقة داخل النص.

 

هذه القدرة على الجمع بين الواقعي واليومي من جهة، والذاكرة من جهة أخرى، تمنح المجموعة تماسكها الداخلي. لذلك تبدو عناوين مثل "عواء عراقي"، و"كاميرات السياح"، و"1991" وكأنها محطات في مسار واحد، لا نصوص مستقلة. ترتيبها داخل المجموعة جزء من معناها، لأنها تنقل القارئ تدريجياً بين الذاكرة والمشاهدة، وبين أثر الحرب وإيقاع الحياة الجديدة.

 

"شجرةٌ وحيدةٌ خضراءُ يغمرها الثلج

حوضُ ماءٍ صغيرٍ يتجمّدُ خلاله حذاءُ 

متشرّد

مصطبةٌ وأثرُ شخصين غادر أحدهما قبل 

ثوانٍ

ربما بضعةُ غربان متفرقةٌ هنا وهناك 

على الأغصان الجرداء

حارسُ الغابة يعرف أنني ضللت الطريق 

وأريد أن أعرف:

لماذا تلك الشجرةُ وحيدة 

وخضراء؟" 

 

ما ميز كريم جواد أيضاً في مجموعته الثانية أنه لم يكتب المنفى بوصفه خطاباً للحنين، ولا كشكوى من الاقتلاع. كتبه باعتباره اختباراً دائماً للهوية. الأشياء الصغيرة، ومحطات المترو، والوجوه العابرة، واللغة الجديدة، كلها تدخل في حوار مستمر مع الذاكرة العراقية. ومن هذا الاحتكاك تتولد القصيدة.

 

لهذا لا تقوم بلاغة هذه الكتابة على الزخرفة اللغوية، وإنما على تنظيم المشهد، والاقتصاد في القول، والقدرة على الانتقال من صورة عابرة إلى معنى أوسع من دون إعلان مباشر. إنها قصائد تترك للقارئ مساحة كي يشارك في إنتاج معناها، فلا تقدم خلاصات جاهزة، وإنما تبني شبكة من الإشارات التي تتكشف تدريجياً أثناء القراءة.

 

هذا الكتاب الذي صدر في العام 2003 وضع القارئ أمام محاولة الشاعر أن يصنع شعريته في مكان لا يملك تاريخه الشخصي، وأن يحول تفاصيل الحياة اليومية إلى امتداد لذاكرة جاءت من مكان آخر. لا تقدم القصائد إجابة واحدة، لكنها تقترح أن المنفى ليس بديلاً من الوطن، ولا قطيعة معه، بل فضاء جديداً يعاد فيه تركيب العلاقة بينهما. وربما تقترح أن الصمت قد يفيد من أجل استيعاب ما يحدث! غير أن العودة للشعر بعد قرابة ربع قرن، وإثر ما تفعله الحياة المختلفة تجاه الكلمات والمواقف والحالات، تبدو صعبة. 

 

فكلما ابتعد الشاعر عن مكانه الأول، صارت الكتابة عنه أشبع بأطياف خيالية، لا يكفي أن تتغذى من نبض الأخبار عن الأوطان المنتهكة، ولربما يصبح ضرورياً البحث عما يجمع الحاضر بالماضي، ويغلق علينا أي إمكانية للنهوض بالشعر مجدداً. ربما نحاول هنا تفسير صمت كريم جواد، كل هذا الوقت، لكننا حين نطلع على نصوصه الجديدة التي صدرت قبل أيام، نفكر بالصمت وبالنأمات التي تدفعه لتسجيل التفاصيل. 

 

في كتابه الجديد "الخريف في فرجينيا.. شظايا سيرة" نكتشف محركاً هائل التأثير يمسك الكتابة الشعرية، ولا يفرج عنها إلا بعد أن تهترئ أحذية الشاعر، وهو يجول في الأمكنة بحثاً عن ذاته التي تركها هناك بعيداً ولم يعد يجد منها شيئاً هنا. هذا المحرك هو "الهشاشة". في الكتابة السابقة، يؤخذ النص من عتبة المواجهة مع الحاضر والماضي، ولا يقين بما سيكون عليه الحال مستقبلاً. وفي مجرى هذه المقابلة يمكن أن تحضر محاولات للتفرد في القول الذي يثبّت موقع الشاعر في المشهد حيث يضع نصه. لكنك، وبعد كل هذا الوقت، وبعد أن تخوض في ذوبانك في المكان أو ذوبانه فيك، ستجد أنك أضعف من أن تؤطره، أو تأخذك الظنون بأنك فهمته واستوليت عليه وحولته إلى قصيدة! بينما، وبقليل من التأمل، سنكتشف أن الهشاشة هي ما يولد حاجتنا للتجريب، والمضيّ أعمق فأعمق في قول ما نريد: 

"قرأت أن الكتابة تنشأ عن خطأ في التأويل. الغريب أنني مُضرب عن التأويل منذ أيام، وأرفض التفكير في فزاعة صنعتها أم زينة، من ملابسي.

ترك غراب منقاره في خاصرتي". (XXIV)

 

هنا، في فرجينيا، لم يعد مهماً بالنسبة للشاعر أن يخفي هشاشته، فهي حصيلة ورثها منذ ولادته، ومثلما يقول جان كلود كاريير إن "ما لا نعرفه في ما يخص ذواتنا، وما لن نعرفه على الأرجح أبداً، هو درجة هشاشتنا، أو بمفهوم آخر مرادف، درجة مقاومتنا. ما الذي يمكننا توقعه من أنفسنا بدقة، أو الإقدام عليه، أو أمله؟ أين نحن من هذا كله؟ أفراداً كنا أم أمماً، والأفراد خصوصاً، إلى أي مدى يمكننا أن نشد خيطنا؟ وفي أية لحظة سينقطع بنا؟ حيال هذا، لا يُقال لنا شيء. صمت وحيرة".

 

ويقول كريم: 

"بلمسة من جناح طائر، سقطت.

حين تسلقت عائدًا، أسقطني الطائر مرة أخرى، وأخرى،

وصرت أسقط كلما تسلقت من دون جناح". (XXI)

 

ويترادف القول مع إضافة مهمة لكاريير يقول فيها: "لقد التقينا وتوحدنا في الهشاشة. ومع ذلك، نحافظ على القناع. وسواء اختبأ وراء خوذة الفارس أو تحت لثام الناشط، فإن المقاتل، الباسل، يجاهد كي لا يظهر هشاشته، وتردده، وارتجافه الذي لا يمكن السيطرة عليه، ومعاناته، وخوفه العميق".

 

الهشاشة لا تفسر لماذا يقول الشاعر ما يقول، إنها نوع النص الذي حاول استعادته عن حياته طيلة ربع قرن وأكثر، في أمكنة لا تخصه، لكنها جعلته حاضراً فيها بحكم العيش. وفي هذا يتلمس زوايا خاصة يستطيع أن يكون فيها على سجيته، وعلى قدر ما من العفوية، من دون أن يُضطر إلى ارتداء شخصية تخالف كينونته!

 

الأمكنة الغريبة عنا، تفعل الكثير، تأخذنا إلى التفكير بما نكون عليه منذ طفولتنا، وإلى أين نمضي، ونحن نحاول التأقلم، والأمر يصبح صعباً ومرهقاً، طالما أننا نحاول الاحتفاظ بما نرى أنه "نحن"!

 

"دوّن اسمك.

اجلس، من فضلك.

انزع السترة، كارم.

هل ألفظ اسمك بشكل صحيح؟

لا، لا، لا. دع الساعة.

خذ نفسًا عميقًا.

اسعل.

هل آلمتك؟ أوه، Sorry.

كارم." (X)

 

الشاعر، كريم، وربما أي شاعر، هشٌ، وبما يكفي لأن يجعل هذا التكوين منطلقاً للحديث الدائم عنه وعن ذاته. لكن هذه الحالة المربكة بضعفها، وعدم قدرتها على مواجهة البشاعة، تأخذ النص إلى مساحات مختلفة، تؤدي في المحصلة إلى خلق التماعات ذهنية لم نرها من قبل:

 

"أشد معصمي بحبل إلى القارب، وأطفو بسترة النجاة على الماء. أقفل السترة بإحكام على صدري، ولا أخلعها حتى على الشاطئ. مرةً قفزت من القارب، وانتُزعت سترتي حين ارتطم وجهي بالماء. أفلتت سيورها، فبقيتْ طافية وأنا في الأسفل أحاول التثبت بأي شيء، بأطراف الأصابع". (V)

الهشاشة بهذا المعنى، تتضاد مع الصلابة السلطوية في الكتابة. أكثر جاذبية. ويجد الشعر فيها متنفساً، إذ لست مضطراً لأن تُظهر نصك خارقاً، يكفي أن يحدثنا عنك!

 

هذا ما فعله كريم جواد مرات عديدة، وربما هذا جوهر تجريبه في نصوصه الراهنة. أن يكتب من تلك المنطقة التي يخشاها معظم الشعراء: المنطقة حيث تصبح الهشاشة معرفة، لا ضعفاً، ويغدو الشعر شكلاً من أشكال الإصغاء إلى ما تبقى في الإنسان بعد أن تسقط عنه يقيناته كلها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث