كاظم غيلان: شاعر "عرضحالجي" لدرء العوَز..ثم اكتشف قعر العراق

شاكر الأنباريالخميس 2026/07/02
كاظم غيلان
حجم الخط
مشاركة عبر

من هو كاظم غيلان كاتب هذه اليوميات؟ صحافي معروف، وشاعر شعبي تعود أصوله إلى محافظة ميسان في جنوب العراق. وكعادة المثقفين العراقيين كانت بغداد هي الحلم لمن يرغب في النجاح والشهرة، لما لها من ثقل في النشاطات الفنية، ومنابر الإعلامِ، والمركزية في السياسة والأدب والتأثير الإجتماعي. وظل هذا الأمر سائداً حتى فترات قريبة. وهذا ما دفع كاظم غيلان لمغادرة مدينته العمارة، والتوجه إلى بغداد ليستقر فيها. لكن هذه الفترة تزامنت مع الحصار الخانق في حقبة التسعينيات بعدما أدخلت المنظومة الحاكمة البلد في دوامة حروب لا تنتهي. بدأتها بالحرب مع إيران عند عقد الثمانينات، وانتهت في سنة سقوطها في 2003  على أيدي الجيش الأميركي وحلفائه.
 

الزمن إذن هو التسعينيات من القرن المنصرم، حين عاش العراق الحصار على الصعد كلها: النفط والدواء والعزلة الدولية وخراب البنية التحتية وتحكم القوة العارية في حياة الناس، إضافة إلى شح الموارد والخراب الصناعي والزراعي والثقافي. بات المثقفون بين مهاجر ومطبّل للسلطة ومشرد في الشوارع، والبارات، والفنادق الرخيصة. وفي ظل هذه الظروف بدأ كاتب اليوميات حياته في بغداد، ووجد مهنة يعيش من خلالها في أحد المكاتب بوصف "كاتب عرائض"، في منطقة باب المعظم في قلب بغداد. 

 

وقد شاعت مثل هذه المهن مثل كاتب عرايض، وسائق تاكسي، وبائع كتب رصيف، ومشغّل مكتب استنساخ بين المثقفين الذين وجدوا أنفسهم في حمأة مجاعة حقيقية، وكان من أبرز من احترف قيادة تاكسي الأجرة القاص المعروف موسى كريدي، ومن كتب العرائض الشاعر عيسى حسن الياسري أمام محكمة الأعظمية، ونشر الناقد ياسين النصير يومياته كسائق تاكسي في موقع الحوار المتمدن، وغيرهم كثير من الأسماء المعروفة في الوسطع الثقافي العراقي في تلك الحقبة. وتلك المهن لا تعتمد على الدرجة العلمية للشخص، إنما على شطارته، ومبادرته في تلبية طلبات الزبائن، والفاقة الشديدة لتدبير شؤون العائلة.
 

أما كاظم غيلان فكان سكنه في فندق رخيص بمنطقة الميدان بداية شارع الرشيد. وهنا كانت القصص مختلفة، فعادة ما كان زبائن الفندق من اللصوص، والباعة الجوالين، والمزورين، والمطاردين، والمنبوذين، والمشردين، والوشاة. بينما يقع المكتب في باب المعظم، وحكاية الزبائن تختلف وتمس البنية السرية للمجتمع، فهي تفضح ما كان يجري في دهاليز السلطة والجرائم والإعدامات والسجون وعرائض التشفع التي كانت ترفع إلى صدام حسين وابنيه عدي وقصي. وفي كلا الموقعين، العمل والفندق، يلمس القارئ تجليات الانحطاط المجتمعي، والثقافي، وكأنه في حكايات ألف ليلة وليلة منطلقة من فم شاهدها وسامعها كاظم غيلان.
 

وكما جاء في اليوميات، كان من أبرز الظواهر المجتمعية، الحملة الإيمانية لمحاربة العاهرات، وقطع رؤوسهن، ومنع النوادي الترفيهية، وتشجيع الدراويش وحلقات الذكر، وبروز عدي صدام حسين، ابن الرئيس ليمسك بين يديه خيوط الفن، والثقافة، والصحافة، والرياضة، ويخضع المثقفين والصحافيين لهيمنته المطلقة. فجاء ما يدعى بالانحطاط الإعلامي، وثقافة المديح والولاء، والشللية، والوشايات، والشعارات الفارغة، خاصة عبر تلفزيون الشباب الذي افتتحه، ومؤسسة بابل للإعلام. الانحطاط المجتمعي تمثل أيضاً عبر صعود التدين الكاذب، والعشائرية، والمناطقية، وشجرات الأنساب القبلية والدينية. وكان الأمر له علاقة بتركيبة السلطة الحاكمة ومنظومتها في سعيها الدائب لتهميش المعرفة، وثقافة التنوير، والمتعلمين على وجه الخصوص كونهم مؤثرين في محيطهم الإجتماعي.
 

وتم وضع شيوخ العشائر وقيمهم القبلية في الصدارة، لتمرير ثقافة القطيع، وكذلك رجال الدين برؤيتهم الخرافية والأسطورية لمشاكل المجتمع، والأثرياء الذين أثروا من طريق الفساد والتزوير والولاء للحزب والقائد الأوحد، حيث نضجت منظومة جاهلة لا تقرأ، ولا تحمل فكراً. وهو ما أنتج بيئة تشجع الجهل لأنه الراية التي ترفعها ضد كل معارض ينتقد ويحلل بعقلانية هذا النمط من الحكم. مما انتهى بالمجتمع العراقي إلى أن يكون بعيداً عن الحضارة والحداثة وأجبر على أن يتجه إلى البحث عن لقمة العيش والبقاء على قيد الحياة لا غير. حتى أصبحت ترويسة العرائض أقوالاً للقائد صدام حسين توضع بعد البسملة كترويسة. وذاك زمن تكاثر فيه الوشاة كما يتكاثر الفطر في فصل ماطر.
 

وذلك كله اضطر كثير من المثقفين والأكاديميين للهجرة خارج البلاد، عبر بوابة عمان، ليلتحقوا بآلاف من المثقفين العراقيين الذين هاجروا في حقبة الثمانينيات وأصبحت نتاجاتهم محرّمة الحضور في البيئة الثقافية والفنية في الداخل.
 

لقد كتب كاظم عريضة تظلم لأمرأة ابنها محكوم بالاعدام بعد قتله أبيه لأنه اكتشف أن الأب زنى بزوجته ثم لاحقاً بأخته. وكتب لشقيق فنان حكم عليه بالاعدام وهو الفنان "صباح السهل" الذي وشت به زوجته الثانية، وأرسلته إلى حبل المشنقة. وكتب وشاية لعاهرة ضد من اكتشفوا أمرها وقد وصفتهم في عريضتها بأنهم معارضون لحكم القائد وحزبه. وكتب لأب طاعن في السن كان يبحث عن ولده الوحيد الذي اختفى من دائرته، ويرجو من قصي صدام حسين مساعدته لمعرفة مصيره. ويذكر كاظم أنه كتب مئات العرائض على تلك الشاكلة، واعتبرها فضائح مجتمع انحطت لديه القيم بسبب الحروب والقمع والحصار الدولي، وعنف التحولات والهجرات، وارتدادات المعارضة في الداخل والخارج. كما أعد مئات رسائل تخرج لضباط، بينهم من أصبح لاحقاً قائداً في الجيش.


وحكايات غرفته في الفندق لا تنتهي، فقد تحولت إلى مشرب، وصالون ثقافي، ومأوى لأصدقائه مثل الشاعر جان دمو، ومحمد تركي النصار، وحسن النواب، وكزار حنتوش وغيرهم ممن كان يهيء نفسه للهجرة، أو ممن صار يعيش في فقر مدقع وتحول إلى متسول من أجل جرعة من العرق. 

 

وكاتب العرائض أو العرضحالجي، كما يقول كاظم، مهنة هامشية بسيطة، لكنها في الوقت ذاته عميقة. ولو قدر للباحثين في علم الاجتماع الاهتمام بها لخرجوا لنا بدراسات قيّمة عن مجتمعنا العراقي لفترة الحصار. واليوميات مكتوبة بأسلوب سهل، كون كاظم عايش بعمق ما كتب عنه من حكايات وقصص، وعرض لأحوال ذلك العقد المكتظ بالأهوال.
كتب يومياته من دون تنظير، فما جدوى التنظير، يقول، في سرد وقائع حياتنا؟ تلك ثقافة متعالية تنتحل الحياة دون أن تعيشها بصدق.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث