نبيل سليمان أحد أسماء العلم في الثقافة السورية على مدى أكثر من نصف قرن. يكتب، بلا انقطاع، الرواية والنقد والمقالة. له حضور متميز في المشهد الثقافي منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي، حينما صدرت روايته الأولى "ينداح الطوفان" التي كتبها أثناء عمله بالتدريس في مدينة الرقة التي وسعت فضاء ذاكرته السورية، وربطته بحبل من المودة مع أهل محافظات تلك الجغرافيا. ومن دون مبالغة، يُعد من بين الكتاب السوريين القلائل العارفين بتفاصيل المنطقة الشرقية، ذات البيئة الزراعية النفطية الرعوية المنسية، التي تتقاطع معاناتها مع عوالم روايته الأولى عن حياة الفلاحين في قرى الساحل السوري خلال زمن الإقطاع، وزراعة التبغ، والفقر، والإهمال.
كاتب دؤوب بلا حدود، يتحلى بالصبر الطويل الذي يتطلبه العمل على كتابة أعمال روائية ذات نفس تاريخي ملحمي، وصل بعضها إلى عدة أجزاء. وذلك نتيجة طبيعية للقدرة على تطويع أدوات الكتابة، وامتلاك قدر كاف من المرونة التي سهلت له الانتقال بسلاسة بين الرواية والنقد الأدبي. لكنه لم يقف عند هذين النشاطين، فأسس دار الحوار للنشر في مدينته اللاذقية، عام 1982، وعمل على نجاحها وتميزها وتخصصها في الرواية والنقد الأدبي والترجمة.
باستثناء التدريس لم يعمل سليمان في وظيفة رسمية، وحافظ على مسافة من النظام السوري. ولم ينخرط في مؤسسات الدولة الثقافية والإعلامية التي استوعبت الغالبية العظمى من الكتاب السوريين منذ وصول حزب البعث للسلطة عام 1963، وحتى سقوط النظام في 8 كانون الأول 2024. وقد حرره ذلك من قيود الاعتماد على الوظيفة كمصدر دخل، ووفر له الوقت كي يتفرغ للكتابة من جهة، ومن جهة أخرى، بقي متمتعا بحريته ككاتب، بعيدا عن قيود واشتراطات وضغوط المؤسسة الرسمية الثقيلة.
يصعب الفصل بين رواياته ومقالاته ودراساته النقدية. ومن يقرأ أعماله الروائية والنقدية بتمعن، يجد تقاطعات واضحة، وصلات متينة، ضمن رؤية واحدة للرواية والثقافة، وعلاقة الكاتب بمحيطه وزمنه، كأنهما وجهان لمرآة واحدة. ويمكن لنا أن نرى في أعماله منذ البدايات الأولى، الكاتب الذي كرس نفسه لقراءة التحولات السياسية في المجتمع السوري. وليس مصادفة أن روايته الثانية "السجن" استشرفت الخراب السوري مبكرا، في وقت لم تكن فيه سوريا قد باتت دولة أمنية وسجنا كبيرا. وقد لاحظ الكاتب أمرا مهما، أن سوريا في طور التحول إلى دولة شديدة الهيمنة، سوف تغلق المجال السياسي كليا. وهذا دليل على أنه كان مشغولا، من منظور وعيه الثقافي، بسؤال الحرية، الذي بقي في صلب مشروعه الروائي والنقدي.
زيارة اللاذقية من دون التعريج على نبيل سليمان تبقى ناقصة، وخالية من الفائدة إذا حصلت بطريقة تقليدية. وحتى يصبح لها معنى مختلفا، يجب أن تخرج عن السائد، وتبدأ من القرية في الجبل ظهرا، والعودة للمدينة نهارا، وهذا ما حصل. سلكنا الطريق الى مدينة جبلة التي تبعد عن اللاذقية 25 كلم، وهناك التقينا ياسر سليمان ابن شقيقه. وقمنا بجولة للتعرف على المدينة التي تبدو في حالة فوضوية بسبب غياب التناسق العمراني، بين تراثي قديم يعود لعصور بعيدة، هلنستي روماني عثماني فرنسي، وفوضوي حديث ينتمي لعمارة عصر البعث العشوائية في الشكل والمضمون، والخالية من أي طابع محلي للعمارة، واللغة العمرانية ذات الهوية الواضحة، ولذلك اعتمدت الإسمنت المسلح لبناء أحياء نمطية متكررة، تغلب فيها السرعة وقلة التكلفة على الاعتبارات الجمالية.
بعد جولة جبلة وضعنا ياسر سليمان على الطريق الذي علينا أن نسلكه حتى نصل إلى قرية عمه المعروفة باسم "البودي"، واسمها القديم "نيبال"، وفي قمتها "كتف البير" آثار رومانية. طريق متعرج يضيق شيئا فشيئا، يتعذر فيه سير مركبتين في آن واحد، خصوصا عندما يرتفع ليصل إلى 700 متر فوق سطح البحر، حتى يحس المرء نفسه يلامس بجبهته الغيوم، وهي تتمشى نازلة نحو السهل المقابل لتنتشر ببطء مثل غزالة هبطت من الجبل نحو الوادي. ووسط هذه الجغرافيا السهلة الممتنعة لا بد من دليل يوصلنا إلى البيت الذي يشهد سوره الخارجي على التهديم من قبل شبيحة النظام السابق في القرية الذين أرادوا إيصال رسالة عنيفة إلى صاحب البيت، بسبب موقفه من الثورة على آل الأسد.
يصف نبيل موقع بيته "أنا واقع بين حافظ أسد وأدونيس"، ويقصد بذلك أن قرية البودي تتموضع بين قرية الأسد القرداحة في ريف اللاذقية، وقرية أدونيس قصابين في ريف جبلة. وكل من القريتين تضم ضريحا. ضريح الأسد الذي تعرض للتخريب بعد سقوط النظام، وضريح أدونيس الذي بناه صاحبه كي يحتضن جثمانه. واللافت كثرة أضرحة الأولياء في قرى الساحل السوري. وقد يكون دافع تقديس الذات وراء قرار بناء الضريحين.
تحتل المكتبة ركنا كبيرا من البيت المثالي صيفا بفضل الهواء الجبلي النظيف والخضرة الطبيعية، والبعد عن رطوبة البحر. وقد خصص الكاتب مساحة كبيرة من بيته للكتب، كما حوله إلى مكتب يشتغل فيه، وقد شهد كتابة أعماله في العقود الأخيرة. وفي جولتنا داخل هذا البيت تحدث نبيل عن الطاولة التي كتب عليها العديد من رواياته التي استغرق بعضها عدة سنوات مثل "رباعية مدارات الشرق ما بين 1990-1993. وليست الكتب وحدها التي تملأ حياة كاتب يجاور الغيم ويطل على ساحل المتوسط من شرفة قريته ذات البيوت المتناثرة، بل الورود والنباتات والأشجار من زيتون وسنديان وبطم وجوز، بعضها زرعه ورعاه، حيث نجح إنسان الجبل بانتزاع كل شبر من الأرض من الطبيعة الجبلية الصخرية، والبعض الآخر نبت لوحده وفق قانون الانتخاب الطبيعي وتوازن الموجودات.
وبمناسبة بلوغه الثمانين صدر للكاتب كتاب ضم مقالات للعديد من الكتاب والصحافيين الذين وجهوا له تحية خاصة في تثمين منجزه الروائي والنقدي، الذي يلقى إجماعا على أن صاحبه شق لنفسه طريقا يشبه تلك الطرق الجبلية التي تربط بين القرى. وعلى طريقة انتزاع المساحات الزراعية من الطبيعة الجبلية الصخرية، عمل سليمان منذ الستينات بمثابرة مشهودة على توسّيع مشروعه باستمرار. لذلك يمكن القول إن منجزه لا يُقرأ بوصفه كاتبا مخضرما فحسب، بل من منظور محاورة تاريخ سوريا وثقافتها وتحولاتها.
من البودي إلى قريتي نيني ونيننتي. وفي طريق العودة للاذقية مررنا بالقرداحة الشهيرة، ثم قرية "جرماتي" التي حملت اسمها رواية "جرماتي أو ملف البلاد التي سوف تعيش بعد الحرب- 1977" وبسببها جرى فصله سليمان من اتحاد الكتاب. وفي الطريق توقفنا في قرية شقاق عند ضريح العقيد محمد ناصر (1913 – 1950) قائد سلاح الطيران الذي اغتيل في 31/7/1950 واتهم أديب الشيشكلي بالتخلص منه. وعين شقاق هي أيضاً قرية الشاعر نديم محمد (1908 – 1994) والمترجم حسن صقر (1932 – 2024) والروائية سوسن حميل حسن.



