دوناً عن كل فظائع الحرب الأهلية وأكثر من نصف قرن من الرعب السوري تحت الحكم الأسدي، لعل مقاطع فيديو "مذبحة التضامن"(2022) التي صارت متاحة للجميع في الإنترنت، هي الذكرى الأبشع التي تطارد ذاكرة السوريين وتسكن أشباحها مخيلتهم. ما لا يبارح الذهن أبداً بعد المشاهدة، ويثير القشعريرة مرات ومرات، ليس حجم القتل، بل تفاصيله الباردة والروتينية والهازئة، والاستسلام الوديع للضحايا بلا مقاومة لمصيرهم، ولامبالاة الجناة ومرحهم ومباهاتهم وهم يصورون أنفسهم ويسجلون ما يقومون به بلا خوف من تبعات. يفعلون ذلك وهم يجبرون ضحاياهم معصوبي العيون على الركض حتى يسقطوا في حفرة الموت، وكأنهم يلهون بلعبة أصبحت مملة. قليل من الإثارة يبدو على وجوههم، بل ابتسامات تبدو معتادة من تكرار النظر إلى وجوه أصحابها، وجوه -يا للرعب- لا تخلو من وسامة!
وثائقي "أن تقتل آنا": من إخراج سام بينستيد، ليس فيلماً عن المجزرة نفسها، وإن كانت مقاطعها المصورة تعاد، المرة بعد الأخرى، بين مشاهده، بأثر مقصود ورهيب. وهو أيضاً ليس عملاً عن الضحايا، وإن كان بعض الناجين يظهرون في خاتمته كملحق بأحداثه بعدما أصبح توثيق شهادتهم ممكناً إثر سقوط النظام. لكن التسجيلي الذي صُوّر على مدى أربعة أعوام يدور حول جهود الأكاديمية السورية أنصار شحود، وأستاذ دراسات الإبادة التركي أور أوميت أونغور، وفريقهما، لتقصي تفاصيل المجزرة حتى الوصول إلى أحد الجناه، أمجد يوسف، وتسجيل اعترافه بارتكابها.
بالأحرى، يدور الفيلم حول "آنا"، الشخصية المؤيدة للنظام التي تتقمصها شحود لخداع أفراد من جيشه ومخابراته. تطلب صداقتهم في فايسبوك قبل أن تسجل مكالماتها المصورة معهم، والتي توهمهم بأنها جزء من دراستها في الخارج لإثبات سردية نظام الأسد. بيُسر تنفك عقدة ألسنتهم، بقليل من الأكسسوارات. صورتان على الحائط، واحدة للأسد الأب والأخرى للابن، كما ترتدي آنا في رقبتها "سيف علي" بألوان العلم السوري القديم. لم يحتج الأمر أكثر من ذلك.
ثمة شيء بارد يثير الجزع، ونحن نشاهد شحود وهي تحصي الضحايا، تشاهد المقاطع المسجّلة بتأنٍ وتعيدها مرات ومرات، وتسجل في جدول، عدد القتلى وصفات مقتضبة لتمييزهم، 288 ضحية تتحول مأساتهم إلى أرقام وبضع كلمات محايدة، هذا كل ما تبقى منهم وربما أقل. تقوم شحود بعملها القاسي بوجه محايد شبه خالٍ من المشاعر وصوت هادئ ووقور أقرب إلى الفتور. أحياناً يبدو بحث شحود وأونغور عن "الدليل"، بلا جدوى، أي فَرقٍ يمكن إنجازه؟ أو في أفضل الأحوال، يمكننا أن نراه عملاً تقنياً يتعلق بالأكاديميا أو البحث الجنائي أكثر من أي شيء آخر. في بعض اللحظات تشك شحود في معنى ما تقوم به، وتبدو محقة في عدم يقينها.
مفزع هو التحول الذي يصيبها حين تتحول إلى "آنا". تبتسم بشكل خانع عمداً أمام الجناة لتثير ذكورتهم الجريحة حتى يتباهوا بجرائمهم. "حقك".. تقول لأمجد يوسف، متفهمة ومشجعة، وهو يخبرها أنه قتل الكثيرين والكثيرين انتقاماً لأخيه، وتضيف: "أهم شيء شفيت غليلك". مذهل ثباتها وإتقانها لدور آنا، مثير للإعجاب وللاضطراب بأقساط تكاد تكون متساوية. تعاني شحود وتنتابها الكوابيس.
تخبرنا أنها، مثل أقرانها من السوريين، تربَّت على الرعب منذ طفولتها، وأنها تعاني من اضطراب نفسي هو "الاضطراب الانشقاقي"، حين يفقد المرء الارتباط بين الأفكار والمشاعر والسلوكيات والهوية والبيئة المحيطة، كانت هذه حيلتها للنجاة. تقول إن كشفها للجناة هو انتقامها، ونتلمّس لذّة تنتابها وهي تخدعهم، أما معاناتها النفسية فهو سر إتقانها لدورها، حين تنفصل عن نفسها وتصبح شخصاً آخر نقيضاً لنفسها. تأخذ مسافة هائلة تفصلها عمّا تقوم به، وعمّن تستدرجهم نحو الاعتراف.
أيضاً، يظهر الجناة وكأنهم جزء من هذا العصاب الجماعي. أناس عاديون بصفحات شخصية في فايسبوك، حساباتهم ممتلئة بالصور العائلية الرقيقة. أناس عاديون يقومون بوظائفهم الشاقة، بل وفي لحظة قد نضبط أنفسنا شاعرين بالتعاطف تجاههم، بل هذا ما يقوله أونغور نفسه بشأنهم.
في طقس شعائري، وبحسب توصيه معالجتها النفسية، تقوم شحود بإحراق متعلقات آنا الرمزية، حتى تستعيد نفسها، وينتهي الفيلم بخبر إلقاء القبض على أمجد يوسف. تموت آنا، ويمثُل أحد الجناة أمام العدالة، لكن هذا الخراب الروحي العميق الذي لحق بالسوريين العاديين بعد عقود من الأهوال، أي طقوس أو أدلة يمكن أن تداويه؟




